|
|
|
| الخميس 25 من ربيع الاول 1431هـ - 11 من مارس 2010 م | |
"خلاص تنزل المره دي" في الذكري الـ 46 لرحيله:
عبدالفتاح القصري من "الفرير" إلي قلب الحارة السينمائية
نهاية تراجيدية.. لنجم أضحك الملايين
|
طيب القلب حتي ولو بدا علي غير ذلك ابن الجواهرجي الذي ارتدي جلباب أولاد البلد الطيبين الشجعان والمتمردين أحيانا.. صاحب التركيبة الفنية الخاصة التي صنعت منه لغزا يستعصي علي السؤال والإجابة.. الفتي الذي درس الفرنسية في مدرسة الفرير لكنه تحدث بلغة أخري غير مرتبة ولا سابقة التجهيز لكنها مفهومة للعامة خاصة هؤلاء الذين تراهم كثيرا في الشارع المصري وعلي المقاهي والأرصفة وفي الحارات والأزقة والأسواق والمحلات التجارية لغة عرفت طريقها ليس للآذان فحسب إنما للقلوب أيضا لغة تستفزك لتضحك وتضحك وتضحك مفرداتها حركات وعيون لا تعرف إلي أين تنظر لكنها علي أي حال قد زادها الحول جمالاً يخدم هدف الإضحاك وكلمات بأبجدية أخري غير تلك التي نعرفها جاء بها رجل وقع في "عرض المجمع اللغوي" أكثر من مرة عندما قرر مساعدة صديقه اسماعيل يس في كتابة رسالة من مستشفي المجانين رجل سقط في "صفايح الزبدة السايحة" و"براميل القشطة النايحة" ليخرج معلنا أنه يريد "شراء ترعة المحمودية" ويؤكد أن "كلمته ما تنزلش الأرض أبدا" ثم يعود مستسلماً ويقول "تنزل المرة دي" ويصعقنا بكوميديا من نوع جديد كوميديا أعلنت أنه .. "خلاص الكهرباء عملت كونتاكت" كوميديا تحمل توقيعه وحده.. عبدالفتاح القصري.
واجهة بارزة في عالم الكوميديا العربية أخذه "المعلم بحبح" من يده عام 1935 ودخل به الكادر في لقطات لا تقل في بريقها عن ذهب ومجوهرات والده ليجد نفسه ولأول مرة وسط العالم الذي يحبه ويعيش فيه من النفس إلي النفس نجما لكل العصور.. كلما سمعنا لزماته وإفيهاته التي لا تنسي تذكرناه علي الفور.
مدرسة الفرير
عبدالفتاح القصري الذي ولد في حي الجمالية بالقاهرة ذلك الحي العريق الذي خرج منه عميد الرواية العربية وأديب نوبل العالمي نجيب محفوظ ومنه استلهم رواياته وشخوصها وكان والد عبدالفتاح القصري يعمل في زخرفة الذهب وتمتد جذور عائلته إلي العصر الفاطمي استناداً إلي لقب "القصري" كان يطلق في ذلك الوقت علي كل من يعمل في بلاط وقصور الحكام وانتقل اسم المهنة إلي لقب العائلة.
أجمعت أغلب المصادر ان تاريخ ميلاد عبدالفتاح القصري هو 1905 ورغم مولده في بيئة شعبية إلا ان والده كان ثريا يتمتع برغد العيش ويطمح إلي أن يصبح ابنه من كبار موظفي الدولة ولذلك ألحقه بمدرسة الفرير الفرنسية وكان عليه في الصباح ان يزامل أبناء الطبقة الراقية والأجانب وفي المساء يلتقي وأبناء البسطاء والمعلمين والتجار فحقا ما أغربه وما أعجبه حديث الصباح والمساء عند القصري في تلك المرحلة من عمره بعد سنوات قليلة أخرجه والده من المدرسة واقتنع بأن يورثه أصول مهنة زخرفة الذهب وتجارته فألحقه معه للعمل.. إلا أن الابن لم يكن مع المقولة الشهيرة بأن الناس قد ذهبوا لمن عنده ذهب ولم يكن أيضا من الشغوفين بالعلم والدراسة وحيث لم يشأ ان يغضب والده فقد ظل معه في تجارة الذهب لفترة قصيرة وهو بكل جوارحه ذاهب إلي أمان بعيدة أغلي عنده ليس من الذهب فحسب إنما من كل ما تحتويه مغارة علي بابا التي يقولون عنها فكان فكره وخياله مشغولا بالفن منذ ان شاهد عروض فرقة فوزي الجزايرلي المسرحية في تلك الفترة
فن من ذهب
وفي عام 1917 انضم إلي فرقة عبدالرحمن شردي وبعدها إلي فرقة جورج أبيض لكنه لم يستمر طويلا حيث كانت تسند إليه الأدوار التراجيدية التي أثبت فيها فشلا كاد أن يبعده عن التمثيل بالمرة لكن حنينه المتجدد للفن كان يعطيه دائما دفعة الإصرار فبعد أن ترك فرقة جورج أبيض تنقل بين عدة فرق أبرزها فرقة عزيز عيد ثم فرقة فاطمة رشدي وكان حلم القصري هو الانضمام إلي فرقة نجيب الريحاني باعتبارها مدرسة الكوميديا الحقيقية وكان الريحاني في تلك الفترة ملء السمع والبصر.. وبالفعل تحقق الحلم عام .1926
والتحق القصري بفرقة الريحاني وحقق نقلة نوعية مهمة وهو لايزال يتحسس خطواته الأولي في عالمه الساحر الذي يعشقه ويكفي ان الريحاني هو الذي دفعه إلي الاحتراف الكامل حين طلب منه ترك مهنة صناعة الذهب والتفرغ التام للفن.
كما أن الريحاني هو الذي وضع يده علي شخصية المعلم ابن البلد التي بدأ ينميها من مسرحية إلي أخري وانتقل بها إلي السينما بعد ذلك وحقق من خلالها أقصي درجات النجاح الجماهيري.
كان المخرج شكري ماضي هو أول من التقط عبدالفتاح القصري من علي خشبة المسرح ليضعه علي الشريط الفضي الساحر في كاركتر سينمائي جديد يعلن عن موهبة بمذاق مختلف فيه مزازة المخلل الذي يفتح الشهي لأي وجبة سينمائية مهما كانت سمينة ودسمة وذلك عندما اسند اليه عام 1935 دوراً في فيلم "المعلم بحبح" أمام فوزي الجزايرلي واحسان الجزايرلي لينطلق بعدها علي الشاشة الكبيرة. ويعتبر دور عبدالمجيد ساطور في فيلم "سي عمر" الذي أخرجه نيازي مصطفي لنجيب الريحاني عام 1941 أول علامة مهمة في حياة القصري السينمائية واللافت للنظر ان القصري لم يقدم في هذا الفيلم دورا كوميديا خالصا وانما قدم الشر ممزوجا بالضحك الذي كان لابد منه نظرا لوجود الريحاني في معظم المشاهد التي ظهر فيها حيث جسد القصري شخصية زعيم العصابة الذي دفع الريحاني للسرقة بالاكراه ونجده يتألق في دور المعلم ابراهيم نفخو في "لعبة الست" مع تحية كاريوكا في واحد من أروع أفلامها بفضل الحبكة الكوميدية التي كان القصري أحد مكوناتها إلي جانب الريحاني وماري منيب ومع توالي سنوات الأربعينيات كان القصري قد برهن لصناع السينما علي قدراته الكوميدية الخاصة حتي إذا ما بدأ عقد الخمسينيات أخذت ملامح شخصيته الفنية التي اشتهر بها في التبلور والوضوح لاسيما مع انتشاره في تلك السنوات فيذكر انه في عامي 1950 و1951 قدم 19 فيلما محققا رقما قياسيا بين ممثلي هذه المرحلة من تاريخ السينما ولم يزاحمه في ذلك سوي زميله اسماعيل يس ونجده في تلك الفترة يحرص علي التنوع حتي ولو كان بداخل الكاركتر الواحد وهو تنوع صعب يعتمد علي عبقرية الأداء والتلون. فيقدم نموذجا مختلفا لتاجر السلاح الذي يسعي لتزويج بناته ولو بالقوة في فيلم "ليلة الدخلة" عام 1950 ويأتي عام 54 ليقدم لنا رائعة من كلاسيكيات الكوميديا السينمائية في دور من الصعب جدا ان لم يكن مستحيلا أن يكتب لغيره هو المعلم عبدالعزيز الشرقاوي في "الأستاذة فاطمة" مع فاتن حمامة والمخرج فطين عبدالوهاب ذلك الفيلم الذي أطلق فيه مجموعة من الإفيهات والجمل التي سرت في الشارع المصري كفتافيت السكر في الماء المغلي فلم تغب عن ذاكرة المشاهد أبدا مرافعته الشهيرة في المحكمة والتي طالب فيها بإعدام جاره شنقا لأنه أقام جدارا من الطوب بين المنزلين ونجده مختلفا أيضا في "الآنسة حنفي" سنة 1954 لنفس المخرج فهو المعلم كتكوت الذي يتحول ابنه الوحيد إلي أنثي في مفارقات كوميدية غريبة ومع فطين عبدالوهاب أيضا قدم "بيت الأشباح" و"ابن حميدو" الفيلم الذي وضعه علي قمة مطلقي الإفيهات في السينما المصرية والعربية حيث تضمن علي أكثر الجمل الكوميدية التي ارتبطت بشخصية عبدالفتاح القصري لدي المشاهد العربي والتي جاءت علي لسان الريس حنفي شيخ الصيادين الذي جسد شخصيته في الفيلم منها: كلمتي ما تنزلش الأرض أبدا.. مفيش حنفي.. تنزل المرة دي.. نورماندي تو.. الباز أفندي عريس أنا نفسي أتمناه ده عليه كرافته ترد الروح" وإذا سلمنا بأن بعض هذه الافيهات أن معظمها ربما كان مكتوبا في السيناريوهات خاصة تلك التي كتبها أبوالسعود الابياري فإنه لولا عبقرية القصري في الأداء وتلقائيته في مباغتة المشاهد بالافيه لما علق بذهن الناس.. أفلام أخري كثيرة قدمها القصري خلال فترة الخمسينيات منها: "معلش يا زهر" للمخرج هنري بركات و"قمر 14". لنيازي مصطفي و"حماتي قنبلة ذرية" لحلمي رفله والقلب له أحكام مع المخرج حلمي حليم والذي قدم فيه دور الحانوتي.. غيرها.
ختامها.. سكر
وفي حقيقة الستينيات شارك القصري في أفلام "بين إيديك" مع ماجدة والمخرج يوسف شاهين و"بنات بحري" مع المخرج حسن الصيفي ويختتم مشواره السينمائي الذي يمتد إلي ما يقرب من 63 فيلماً بـ "سكر هانم" مع كمال الشناوي وسامية جمال وحسن فايق والمخرج السيد بدير وحقا فقد كان ختامها سكر.
لم يكن القصري أبدا حتي في أدواره الصغيرة صغيرا ولم يقع في فخ التحذلق كهؤلاء الذين يتعمدون التكلف واشعار المشاهد دوما بالصنعة وما بذل فيها من مجهود إنما كان بسيطا للدرجة التي تجعلنا نشعر انه لا يمثل أو انه خرج من عمق الكادر ليجلس معنا جلسة فرفشة ومرح.
اعتمد عبدالفتاح القصري علي قدراته الخاصة وتميزه في استخدام أدواته التمثيلية مثل التلوين الصوتي وتعبيرات الوجه ونظرات العين اضافة الي المشية الخاصة وحركة الجسد المترهلة التي كانت كفيلة بانتزاع الضحك في مجتمع يموج بالتحولات علي جميع الأصعدة خاصة عقب ثورة يوليو .1952
كثيرون اتهموا عبدالفتاح القصري بالنمطية لأنه لم يسع إلي تطوير أدواره أو إحداث نقلة في شخصية ابن البلد وحقيقة الأمر انه لم يكن مطلوبا من القصري أكثر مما قدم ليحفز هذه الشخصية في عقول وقلوب كل الذين شاهدوه وأحبوه واعتبروا أنه إذا كان قد احتكر شخصية ابن البلد فإنه في كل مرة كان يجدد في هذه الشخصية ليضيف إليها موهبته وروحه فعبدالفتاح القصري من هؤلاء الذين يصنعون نجاحهم بأنفسهم فلم تصنعهم أكاديميات أو مدارس إنما عاشوا في عراك مع مدرسة الحياة تأخذ منهم وتعطيهم فكان ناجحا في المسرح مع كشكش بيه وناجحا في السينما مع المعلم بحبح وكل المعلمين الآخرين أولاد البلد ذوي النخوة والشهامة وكان ناجحا أثناء صعوده سلم الطبقة المتوسطة في الأربعينيات وكان كذلك في الخمسينيات مع تنامي دور العمال والفلاحين والخلاصة أنه كان قابلا للنجاح في أي ظرف تاريخي واجتماعي ومع أي فريق عمل صحيح فلم يسجل تاريخه علي أي حال أنه فشل مع أحد.
لكن القدر لم يشأ لمن أضحك الناس كثيرا ان يضحك هو أخيرا فجاءت نهاية الفنان الكبير مأساة كبيرة بكل المقاييس فهاجمه مرض السكر وبضراوة تطورت إلي مرض نفسي وفقدانه لبصره فينما كان يؤدي دوره في احدي المسرحيات مع اسماعيل ياسين إذ به يصرخ قائلاً: لا أستطيع الرؤية.. وأعتقد الجمهور ان هذا الأمر ضمن أحداث المسرحية فزاد الضحك وزادت المأساة بينما أدرك اسماعيل ياسين حقيقة ما أصاب صديقه القصري فسحبه إلي كواليس المسرح ومع نكبة العمي جاءت نكبة أخري بتنكر زوجته الشابة له وطلبها الطلاق منه بل والزواج من صبي بقال كان القصري يعطف عليه ويرعاه. وتركته الزوجة حبيس غرفة حقيرة يعاني من الظلمة والقهر والمرض فأصيب بتصلب في الشرايين أثر علي مخه مما أدي إلي فقدانه الكثير من الذاكرة والهذيان المستمر وتوالت النكبات فقررت البلدية إزالة منزله فما أقساها تلك الأيام الأخيرة الثقيلة التي ليس بها سوي فقد بعد فقد ومن مأساة إلي أخري جاءت كلمة النهاية في مستشفي المبرة حيث لقي عبدالفتاح القصري ربه صباح الأحد الثامن من مارس عام 1964 مات ابن الجواهرجي فقيرا معدما لا يجد حتي ثمن الدواء والغذاء وياللحسرة والعجب فذلك الرجل الذي أضحك الملايين لم يشيعه إلا عدد محدود من البشر لم يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.. رحم الله عبدالفتاح القصري.
|  |
|
|
|