يعبر فيلم " الوتر " في أكثر من موضع منه عن أهمية سلامة الوتر و تضافره مع الأوتار الأخري لتخرج نغمات الآلة الموسيقية بشكل سليم .كما يؤكد أيضا علي ما تحققه روح الجماعة بين أفراد الأوكسترا و علي حالة التنافس التي يتفوق بفضلها الفريق . نري ذلك في أحد أجمل مشاهد الفيلم حين تتباري أثناء إحدي الحفلات الموسيقية مايسة علي التشيللو في مواجهة شقيقتها منه علي الكمان . و تلعب زوايا التصوير و عناصر الإضاءة و تعبيرات الممثلتين عن هذه المواجهة القوية بين الآلتين و العازفتين للوصول إلي أرقي مستويات الأداء .
و الحقيقة أن فيلم الوتر لا يخلوا من مشاهد جيدة و متميزة . بل و تسوده بوجه عام حالة من الإجتهاد الواضح في توظيف مختلف العناصر السينمائية بأسلوب تعبيري متمكن . و لكن هل تناغمت هذه العناصر مثل أوتار الكمان ؟ و هل إتحد فريق الفيلم كأوركسترا سيمفوني لتحقيق أسلوبية و هارمونية واحدة في خدمة رؤيا واضحة و محددة ؟. هذا هو السؤال الذي يفرض علينا أن نعود إلي بداية الأحداث .
أسلوبية الصورة
يصحبك المخرج مجدي الهواري إلي عالمه من لحظة نزول العناوين . و يجتهد في صنع أسلوبية للصورة و في المزج بين الرسوم و الأشكال الزخرفية و طريقة كتابة أسماء العاملين بالفيلم . و المشاهد التمثيلية التي تنتهي بتجريد الصورة لتتحول إلي خطوط أقرب لتلك لأشكال الزخرفية الأشبه برسوم النوت الموسيقية . كما يتم توظيف أجواء ليل شتاء الإسكندرية حول الشاليه المنعزل المطل علي البحر في صنع حالة من الغموض تتناسب مع الجريمة التي تقع فيه و يفتتح بها الفيلم أحداثه .
يطل علينا الضابط محمد سليم أو مصطفي شعبان في أول ظهوره كمحقق وهو يهم بالدخول إلي بوابة الشالية المقوسة و كأنه داخل إطار يضيق به و يحاصره . بينما تبدو علي ملامحه الإجهاد و الرغبة في النوم . و يتم الإعتماد في المشاهد الأولي علي الصوت من خارج الكادر مع اللقطات السريعة وحيث نعرف بعض المعلومات عن القتيل و سهراته الحمراء و علاقاته النسائية المتعددة .. و نتعرف أيضا علي الضابط و ما يمر به من ظروف صعبة لأسباب غامضة . و حيث يوظف مجدي الهواري المؤثر الصوتي مع الكلمات ليبرزها و يوحي بدلالاتها . كما تتميز مفردات محمد ناير كاتب السيناريو في الحوار الذي يوحي بالعفوية و يكسر الطابع الخبري و يعبر عن حالة الشخصية .
تتوالي مشاهد التحري و التحقيق وتحوم الشكوك حول الشقيقتين . مايسة التي تلعب دورها غادة عادل . و منة بأداء أروة جودة ..حيث يثبت أن المجني عليه كان علي علاقة بهما في وقت واحد . يظن الضابط أن إحداهما إرتكبت جريمة القتل بدافع الإنتقام و الغيرة من الأخري . نتوغل في حياة أسرة البنتين و نعرف أن مايسة معقدة بسبب علاقة آثمة أقامها معها زوج أمها في طفولتها . أما منة فلا نكاد نعرف عنها شيئا . ربما لأن ممثلة الدور ليست في نجومية غادة عادل أو أن هذه مشيئة المخرج نهاية مفاجئة
و لكن هذا الإهمال ليس له علاقة بالدراما التي يفترض أن تعتمد علي علاقة الشد و الجذب و الغيرة المتبادلة و التنافس بين الأختين حول القتيل في الفلاش باك . و حول الضابط في الحاضر . و التي تكشف فيما بعد عن الهارموني أو التنسيق بينهما في النهاية المفاجئة التي تكشف عن لغزالجريمة .. و بعيدا عن تفاصيل حبكة النهاية التي تتميز بالفعل بعنصر المفاجأة و إن كانت تعاني أيضا من التلفيق و تهافت المنطق . فإن كل عناصر الفيلم التي بدت متماسكة في البداية تعاني من الهشاشة و الإنهيار في النهاية . فاللقطات تتوالي بلا رابط زمني ولا مكاني و بدون أي مدلول . فتتوهم أن المونتيرة غادة عز الدين وضعت مشاهدا في غير مكانها أو نسيت أن تحذف بعض اللقطات الزائدة . و لكن يتضح أن كثيرا من المشاهد كان هدفها إرباك الجمهور و شغله عن الوصول إلي القاتل الحقيقي بطريقة فجة .
يسهم في التشتت أيضا الخط الشخصي للضابط الموازي للجريمة . و الذي نراه في لقطات فلاش باك من حين لآخر . و نعرف من خلالها أنه قام بقتل زوجته دفاعا عن شرفه . في البداية نراه يقتلها بالخطأ وهي تقاوم موديلا كانت ترسمه حاول إغتصابها . وفي النهاية نراها تستجيب للموديل . فيقتلها الضابط جزاء الخيانة . و كلها أمور لا تفيد الدراما في أي شيء و لا تدعم الحبكة الأصلية بأي صورة . كما أن إدعاء الضابط بأن مايسة تذكره بزوجته الراحلة لا يستند علي أي وجه شبه و لا يؤدي إلي أي نتيجة .
التمثيل بالقطعة
علي الجانب الآخر يحقق مجدي الهواري للصورة حالة من التدفق و يجتهد كثيرا في الإعتماد علي أسلوب سينمائي خالص حيث تتغلب لغة الصورة علي السرد فتأتي مشاهد الفلاش باك المصاحبة للكلام مكملة لها . و معبرة عنها و ليست مجرد ترجمة حرفية أو تكرار ممل . و يجسد السيناريو لمحمد ناير المواقف التخيلية في ذهن الضابط عن كيفية إرتكاب الجريمة في مشاهد سينمائية يحققها المخرج بأسلوبية جيدة . تماما كما يوظف عنصر الموسيقي ببراعة في فيلم يعتمد موضوعه عليها بالأساس . و تأتي الإنتقالات في الزمان و المكان بطريقة تتناسب مع الحالة النفسية و الشعورية في القطع و الوصل بإبداع مميز للمونتيرة غادة عز الدين التي لا يختل منها الإيقاع إلا في بعض المشاهد الأخيرة من الفيلم .
ولكن لأن الشخصيات تفتقد للعمق مهما تعددت مشاهدها . فإن الأداء التمثيلي يأتي كنوع من الإجتهاد . و إذا كانت غادة عادل تجتهد في التعبير عن الشخصية بجانبيها الوديع و الشرس . فإن أروي جودة تتوه مع غموض دوافع الشخصية . أما أحمد السعدني فلا يبدو مقنعا في دور الشاب المستهتر و يخلط في أدائه بين العاشق الحقيقي و صائد النساء دون أن تتوفر له مفردات كافية تعبر عن طبيعة الشخصية . و يحافظ الفنان مصطفي شعبان علي الحالة الشعورية الخاصة للشخصية و طبيعة أزمتها . و لكن المغالاة في هذا الجانب تؤثر سلبا في أسلوب أدائه كضابط . فيبدو أقرب لطالب بكلية الشرطة يتعرف علي بنات لأول مرة في حياته .
كان علي المخرج أن يجيد إختيار و توجيه و ضبط أو تاره أو شخصياته و ممثليه لأنه من خلالهم فقط كان يمكن لهذا العمل أن يحقق تميزا كبيرا . فعلي الرغم من أي ملاحظات إلا أن الفيلم يعتمد علي فكرة جيدة وجديدة و إطار تشويقي كان يمكن تطويره و إحكامه . و لكن الاهم من كل هذا أن نتعاطف مع شخصياته و نتفاعل معها و ننجذب لما يقدمونه و أن نحبهم أو نكرههم بفضل قدرتهم علي الإقناع بصدق أدائهم . و هي مسألة أطاح غيابها بجهود متميزة و لغة بصرية عالية . سعي المخرج و فريقه لتحقيق سيمفونية سينمائية من خلالها . و لم يضعفها إلا ضياع هذا الوتر .
 
 
 
Powered by

Powered by :

بيان الخصوصية

جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net