نشتاق رمضان فنبدأ جلساته واستعداداته قبل ميعاده.. تماماً كما نشعر بالحنين للحبيب فنستحضر صورته من قبل موعده.
وفي واحدة من الجلسات الرمضانية المبكرة بمنزل صديقتي.. طرح علينا ابنها الصغير سؤالاً بريئاً "من فين حييجي رمضان" فقد تصوره كائناً من المنتظر وصوله. وجاءت الإجابة من شقيقته الأصغر بإشارة من يدها لتقول.. من هنا ويد الصغيرة تشير لجهاز التليفزيون.. فما تعرفه الصغيرة عن شهر الصيام أنه يأتي من الشاشة. ورغم بساطة التعبير فهو يحمل مدلولاً ليس بالبسيط فلحظة الإفطار يطلقها مدفع صورته وصوته علي الشاشة. وأذان المغرب نلتقطه من التليفزيون الأقرب لنا من أي مسجد.. وقبلهما معاً تلاوة القرآن والأحاديث التي تسبقهما.. ثم نأتي لما بعد ذلك.. المادة المقدمة والتي تتجمع حولها أكبر نسبة مشاهدة علي مدار العام بأكمله. فالساعات التي تلي الإفطار تسمح بوقت كاف للمتابعة.. ومهما كانت المشاغل التي نمر بها في صباحنا ومسائنا وأياً كانت نوعية أعمالنا.. فنحن نحتاج راحة بعد يوم صيام ووجبة إفطار وعادة ما نكون أمام التليفزيون.. لذلك كان لأصحاب الجلسة الرمضانية طلبات.. وأمنيات واقتراحات. وإذا كانوا الأطفال قد استطاعوا الإشارة لمكان وجبت مناقشته.. فمناقشات الكبار أولي بالطرح.. سمعت في جلستي أن التليفزيون المصري بقنواته الأرضية ظل لسنوات طويلة يكفينا.. ثم تنحي جانباً وأحوجنا للفضائيات وحدثت حالة من التوهان.. تماماً كما كان إنتاجنا من الدراما يرضينا. ونتابعه بشغف ثم ظهرت المسلسلات التاريخية السورية والاجتماعية التركية فقد كنا نردد جملاً حوارية من مسلسل بعينه.. ونستعين بمشهد علي بث قيمه في نفوس أولادنا. ودوماً كان المثل والقدوة والتربص بالخطأ. فالزوجة تهوي ساعات جلوس زوجها وأبنائها بجوارها أمام التليفزيون ففي المادة المقدمة درس درامي لطيف سيأخذه "أبو عين زايغة" وطريقة مهذبة لحوار بين ابن وأمه. وكل هذا يتم وسط سياق موضوعي وبشكل طبيعي.. هو في كل الأحوال مريح.
وخرجنا من الجلسة بأكثر من كلمة ياريت.. أولها ألا تحدث زحمة كل عام حتي لا نفقد متعة المتابعة. وياريت نشوف الممثل في عمل واحد وليس خمسة ستة.. في نفس الوقت. وياريت تقدر قناة أرضية بث مسلسلات تغنينا عن الفضائيات بالذات المشفرة وياريت الممثلون الكبار في السن والمقام يؤدون مايناسب سنهم ومقامهم. فالممثلة التي تجاوزت سن المعاش لا تظهر علي مكتبها وكأنها في بداية التعيين. والممثل "المسن" يحترم عمره.. فلا نفاجأ بابنة العشرين تقع في غرامه.. فنحن نحب فنانينا الكبار ولا نقتنع بعودتهم للصبا. مهما كانت براعة مشرط الجراح. وتاريخهم مع مشاهديهم أجمل من أي عملية تجميل. ونعود لكلمة.. ياريت ونقول.. نشاهد ممثلاً يقف ويجلس ويتحرك بإخراج مبهر.. ولا يتحرك لمجرد تغيير الأوضاع. وأن نسمع جملاً حوارية أرفع مقاماً مما نسمعه من "عيال الشوارع".. وياريت نعمل ما عملته البنت الصغيرة ونشير معها بأيدينا للتليفزيون.. لأن رمضان جاي من هنا. بغير أن نخجل مما يخرج منه.
|