الخميس 19 من ربيع الأول 1426 هـ - 28 من أبريل 2005 م
شيل الدماغ
بقلم: خيريه البشلاوي
الدوجما .. من جديد
مرت الآن عشر سنوات منذ أن أعلن المخرج الدنماركي لارس فون تريير وزميله توماس فنتبرج عن سينما "الدوجما" Dogme وكان فيلم "كسر الامواج" "1996" اول عمل نشاهده ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. كتجسيد لهذا التيار السينمائي الجديد الذي دفعت به امواج الدولة الاسكندافية الي العالم.
الفيلم ميلودراما محكمة البناء محملة باندفاعات شعورية طموحة وصادمة عن الحب والجنس والإيمان والعذاب والخلاص. في مواجهة احداث متلاحقة عنيفة وقاسية يقوي من مفعولها اداء النجمة اميلي واتسون التي تركت بهذا الدور علامة في ذاكرة المتلقي.
في ذلك الحين ترددت كلمة "دوجما" كثيرا في الاعلام المصري.. المرئ والمكتوب أثناء تغطية فعاليات المهرجان. وبعد ذلك تراجع الكلام عنها الي أن تلاشي .. ليس عندنا فقط. وانما في الاركان الفنية من الصحف والمجلات المتخصصة الاجنبية.
هذا الاسبوع ظهر مقال في صحيفة بريطانية يعلن أن "الدوجما" القديمة مازالت تتنفس .والدليل فيلم جديد يرد اليها الحياة ويجدد الايمان بها.. الفيلم بعنوان "بين ايديك" للمخرجة الدنماركية آنيت.. ل. اولسون Annette L Olesen التي اختارت الدين لتسليط الضوء علي الحياة وعلي خيارات الانسان وتداعيات هذه الخيارات علي حياته .
و"الدوجما" حسب التعريف الذي شاع وقت ظهورها: اسلوب في صناعة الفيلم يجردها من التأثيرات التقليدية المصطنعة .. ويتركها بلا مؤثرات خاصة. او ديكور مصنوع. او مناظر تحدد زمن القصة. مثلما يجردها من الموسيقي التصويرية الا من تلك التي تعزف بشكل مباشر كجزء من تفاصيل المشهد وتشترط "الدوجما" ايضا التخلص من "حركات" الكاميرا او الزوايا الغريبة او الاضاءة الصناعية.. الخ.
وسرعان ماتسللت قواعد ذلك "المانفستو" المعلن من اصحاب هذا التيار الي مواقع جديدة في السينما الدنماركية.
والقواعد المعلنة لاصحاب هذا التيار توحي بالجدية والجهامة بينما الحقيقة كما تؤكد مخرجة "بين ايديك" ان الكثير من الافلام التي ظهرت في الحقبة الاخيرة في الدنمارك افلام كوميدية.. بما في ذلك الفيلم السابق للمخرجة نفسها وعنوانه "أحداث صغيرة مؤسفة" والذي استعانت فيه باظرف كاتب للافلام الدنماركية وهو كوز اكسون. وهو نفس الكاتب الذي استعانت به في هذا الفيلم "الدوجما" الجديد لكن بعد ان غيرا الاتجاه كلية.
"وبين ايديك" قصة " دينية" بطلتها "آنا" "قسيس امرأة" انسانة مثالية لكنها قليلة الخبرة.. تكلف بمهمة دينية داخل سجن للنساء حيث توجد نزيلة جديدة قيل انها تصنع المعجزات وان "هناك شئ ما علي مايبدو بينها وبين الله" بشهادة سجينة اخري استفادت من معجزاتها في التخلص من الادمان .
ورغم انبهارها واحساسها بخوف منذر من هذه السجينة التي تلعب دور "المخلص"داخل زنازين النساء. تلجأ "آنا" رسولة الكنيسة اليها حتي تساعدها بعد ان تأكدت بالتشخيص الطبي أن طفلها الذي لم يولد بعد لديه نقص خلقي في "الكرموزومات" قد يجعله معاقا طيلة حياته
وتقول المخرجة تعليقا علي هذا السياق الخاص بالفيلم : ان اعلي مراحل النجاح بالنسبة للفرد في مجتمعنا. قدرته علي امتلاك زمام حياته بالكامل الي درجة التنبؤ بما قد يحدث له. ومانريد الكشف عنه هنا هو: اذا شئت ان تسيطر علي كل مليمتر مربع في حياتك. عليك الا تخضع نفسك لاي شئ.. لان هذا يساوي التفريط في هذه السيطرة.. فان اسلمت نفسك لسيطرة الحب مثلا فانت في نفس الوقت تترك الباب مفتوحا للخيانة .. ولخيبة الامل..
ومن المفارقات ان فيلم "الدوجما" الجديد يختار "قسيسا" كشخصية محورية للاحداث . ولكنه يعالج هذه الاحداث من منظور وجودي اكثر منه ديني . فالفيلم لايتضمن مواعظ ولايقدم نصائح وانما يطرح اسئلة ويرفض تقديم اجابات لها.
وتقول "آنيت" نحن لن نطلب من الناس الذهاب الي الكنيسة ولكننا تحدثنا بطريقة وجودية تماما بدرجة تجعل المشاهد يتصور اننا ننتمي الي اصحاب الفكر الوجودي اكثر من التيار الديني
وتجتهد المخرجة من اجل ان توائم بين ايمانها بالله وبرحمته غير المشروطة وبين شروط المجتمع الذي يشدد جدا علي مسئولية الفرد وعلي كمال ادائه.
والسؤال المطروح بلا اجابة:
هل تقدم القسيس "آنا" علي انهاء حياة طفلها الذي لم ير النور بسبب احتمال ان يعيش معاقا؟؟ وان فعلت هل سيكون بمقدورها ان تستمر في الحياة مع وعيها بما فعلته؟!
القرار لاشك معذب.. والمسئولية كبيرة علي مستوي الذات والمجتمع.. والحياة لاتأتي دائماً بما يريده الانسان ولا احد يعيش الحياة دون ان يتجرع نصيبه من العذاب.