تحولت ثقافة المجتمع إلي الفهلوة بكل أشكالها البذيئة والرديئة. وأصبحت الشكليات تحكم وتتحكم في حياتنا. فالدين تم اختزاله في اللحي والثياب والخمار والنقاب والوطنية تم اختزالها في حمل علم مصر وترديد الأغاني الوطنية في مدرجات الكرة. كذلك التعليم الذي تم اختزاله في امتحانات الثانوية العامة ونتائج مكتب التنسيق وتصريحات الوزراء المختصين الواحد تلو الآخر. حتي مباديء الحق والعدل والجمال تم تشويهها هي الأخري وصارت شكلاً بلا مضمون. إننا ننظر إلي المجتمع علي أنه كل لا يتجزأ فثقافة المجتمع نابعة من أولوياته والأخيرة ناتجة عن الأولي فكلاهما سبب ونتيجة للآخر في نفس الوقت. والتعليم كان ومازال هو الوسيلة الوحيدة لانتقال المجتمعات من حالة إلي حالة. فهناك مجتمعات تنتقل من مربع التخلف إلي مربع التقدم بفعل التعليم ولنا المثل والقدوة في سنغافورة والهند وماليزيا وكوريا واليابان. وهناك دول وشعوب أخري تتآكل حضاراتها وتضمحل أسهمها بفعل التعليم كذلك ولنا في أنفسنا العبرة والعظة. فبحق إن التعليم يرفع أقواماً ويحط آخرين. والحقيقية أن المجتمع المصري مر بالعديد من التغيرات الهيكلية أثرت لا شك في ثقافته ومرجعياته. فمنذ قيام الثورة وحتي الآن مر المجتمع بالعديد من المراحل فمن مرحلة القومية العربية إلي مرحلة الإنفتاح حتي مرحلة النفط والجماعات الإسلامية مروراً بمرجعية مدرسة المشاغبين التي أثرت وتركت بصماتها علي عقول تلاميذ مصر حتي الآن. كل هذه المراحل التي مر بها المجتمع المصري ألقت بظلالها علي ثقافة لمجتمع وخلقت منه مجموعة من الجزر المنعزلة لا تكاد تتلاقي حتي تنشطر من جديد. لقد تحول المجتمع المصري إلي مذاهب شتي. والتعليم كان ومازال حائراً بين أولويات المجتمع الحقيقة التي تحددها المصالح العليا للبلاد وبين المصالح الشخصية الضيقة للأفراد. لقد انشطر التعليم المصري وبات له أكثر من مرجعية حاكمة. فمن المرجعية القومية إلي المرجعية الدينية إلي المرجعية العلمانية إلي المرجعية الليبرالية إلي المرجعية الاقتصادية إلي المرجعية التي لا نعرفها. أصبح التعليم مشوهاً ولا يمكن لأحد أن يضع يده علي ملامحه. أصبح فقه الامتحانات وفكر الاستعراض هو أساس العملية التعليمية. لقد اختفت مباديء الفهم والتحليل في مواجهة مباديء الحفظ والتلقين. ومن هنا كانت الامتحانات هي الغاية الأسمي من النظام التعليمي في مصر. والوسائل معروفة ومبتكرة فالدروس الخصوصية كانت هي طوق النجاة بالنسبة لدعاة الامتحانات. أما الغش فكان هو الوسيلة الناجعة الناجحة أمام هؤلاء جميعاً.
انني قريب الصلة بالعملية التعليمية في قمة هرمها وهو التعليم الجامعي وأعلم كم يمثل الغش من أهمية لدي الجميع! إن للفقه مذاهب متعددة وفقهاً واضحاً يعلمه الكثير من الناس. وإذا أردت أن تعرف فما عليك إلا أن تذهب إلي إحدي لجان الامتحانات في الأرياف وسوف تري العديد من المفاجآت. فالغش الجماعي والتسيب يسمونه رحمة ورأفة وتساهلاً يستحق الشكر والثناء والولائم والمكافآت. أما المراقبة الحقيقية فيسمونها ظلما وعدم إتاحة الفرصة للجميع علي قدم المساواة ويرمون القائمين عليها بالكفر والزندقة. ويكون جزاؤهم الضرب والسحل والمطاردة في ظل غياب الحماية الكافية من المختصين. إننا لا نبالغ حين نقول إن الغش بات قضية تحكم علي كل محاولاتنا بالفشل. فالغشاش تلميذ حتماً سيكون غشاشا موظفاً ومواطناً وزوجاً وأباً. فهل لنا من وقفة عملية بعيداً عن الشعارات الجوفاء التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
|