ما يجري في العلن بشأن الصراع الأمريكي الإيراني. يختلف إلي حد ما عما يدور في الخفاء.. من هنا تتقافز أمامنا علامات الاستفهام والتعجب.. وتنهمر من فوقنا التساؤلات مثل المطر : إلي أي مدي يظل الصراع الأمريكي الإيراني متراوحا بين التصاعد السافر والترقب الحذر؟. إلي متي يستمر هذا الصراع بين التهديد بضرب إيران تارة وبين الخيار السلمي لحل ملفها النووي تارة أخري؟ وما حقيقة التهديدات الإسرائيلية بضرب الأهداف الحيوية في طهران وغيرها من المدن الإيرانية؟. وما هي حكاية "الضوء الأخضر" الذي تترقبه إسرائيل من أمريكا إيذانا بالضرب؟. وهل بدأ العد التنازلي ل "عمدة الكرة الأرضية"؟.. بمعني آخر : هل تتجه أمريكا صوب نفس الانحدار الذي عانت منه الإمبراطوريات السابقة؟ وماذا عن أوضاع حقوق الإنسان في أمريكا نفسها؟
تساؤلات عديدة سوف نختصر اجاباتها في مقالات لاحقة..
واليوم نطالع صفحات من التاريخ بشأن الإمبراطوريات بوجه عام والإمبراطورية الأمريكية علي وجه الخصوص :
** في حقبة طويلة من الزمن سادت حضارة مصر الفرعونية بتفوقها علي حضارات أمم الأرض المعاصرة لها. ثم كان أفولها. وفي حقبة أخري صارت الزعامة للفرس "إيران".. تسجل صفحات التاريخ أنه في عام 552 ق.م انتهز "تورش العظيم" مؤسس الإمبراطورية الفارسية فرصة زوال دولة آشور وقام وبعده ابنه "قمبيز" علي مدي ثلاثين عاما بفتح كل من "ميديا" و"بابل" و"ليديا" و"مصر". وفي عهد الملك "دارا الأول" عام 512 ق.م امتدت الإمبراطورية الفارسية غربا حتي وصلت إلي "الدانوب" وفي عام 500 ق.م طلبت المدن اليونانية في "جزر أيونيا" التي كانت تحت الحكم الفارسي الحماية من اليونان الأم. وبناء علي ذلك قرر دارا الأول غزو جميع المدن اليونانية.. وأمام هذا الخطر الأول من نوعه. اتحدت كل المدن اليونانية تحت قيادة "اسبرطه" وتمكنوا من صد الغزو الفارسي الأول في "ماراثون" عام 490 ق.م وكذا الغزو الثاني في "سلاميس" و"بلاتيا" في الفترة بين 480 479 ق.م وبهزيمة الفرس الثانية اندحرت الإمبراطورية الفارسية. وفي حقبة تالية سادت الإمبراطورية الرومانية.. ثم تشكلت الإمبراطورية العربية الإسلامية علي انقاض مستعمرات الإمبراطورية الرومانية حتي ضعفت وتفككت. وفي فترة زمنية صارت الزعامة للبرتغاليين ثم للفرنسيين حتي وصلت إلي "الإمبراطورية البريطانية" التي "لا تغيب عنها الشمس".. لكن الشمس غابت عن كل تلك الإمبراطوريات.. لذلك مهما طال بها الزمن أو قصر فإن الإمبراطورية الأمريكية صفحة من التاريخ وسيأتي اليوم لطيها لتأتي الصفحة التي تليها. وعجلة التاريخ دوارة ولا تكف عن الدوران. ولو قدرت الإمبراطورية الأمريكية لنفسها أن يكون القرن الحالي هو قرنها فقد يكون للاقدار وجهة أخري "وتقدرون وتسخر الأقدار" أو تضحك الأقدار. والأيام دول هذا لها وذاك عليها. والغيب عند الله لايعلمه غيره ولا يسطر لوح الأحداث سواه.. كلمة بديهية وضرورية وأجدر بأن تذكر.. ونعقبها بعظة التاريخ : القوة التي تنصر ظالما علي مظلوم عار يحيق بصاحبها. والقوة التي لا تعبأ بالعدالة ومعاييرها نكبة علي ممتلكها. والقوة التي لا يعلوها الحق ففي داخلها عناصر اندحارها.
و..
** نتجاوز تاريخ نشأة الولايات المتحدة الأمريكية حيث اكتشف "كريستوفر كولمبس" الأرض الجديدة عام 1492م وهي نفسها التي وصلها "أمريكو فيسبوتسي" عام 1499 إذ سميت أمريكا نسبة إلي أمريكو. ثم نعبر "مبدأ مونرو" الأمريكي عام 1823 الذي انحاز إلي سياسة العزلة ونصل إلي "إبراهام لنكولن" الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الذي سعي طوال ولايته من أجل تحرير العبيد في جميع بلدان العالم وفي المقدمة منها بلاده بطبيعة الأمر. قاد لنكولن بلاده إبان الحرب الأهلية "1861 1865" وتمكن من تحقيق الثورة الأمريكية الثانية وقد أودت تلك الحرب بحياة أكثر من 600 ألف شخص. وفي 1/1/1863 أصدر لنكولن "اعلان التحرير" الذي قرر "إن كل الناس الذين يعيشون مكبلين باغلال العبودية قد أصبحوا أحرارا". ومن أسف أن محرر العبيد في أمريكا والعالم كله إبراهام لنكولن اغتيل في 14/4/1865 برصاصة في رأسه أطلقها عليه أحد المتعصبين ويدعي "جون ويلكس بوث" عندما كان لنكولن يشهد عرضا مسرحيا في واشنطن.
** ونقفز إلي الحرب العالمية الأولي.. وهنا كانت أمريكا قد تعلمت وتخرجت في المدرسة البريطانية الاستعمارية واتبعت استراتيجية مشابهة بتأييد التحالفات المعادية لألمانيا في الحربين العالميتين الأولي والثانية واقامة حلف الأطلنطي عام 1949 لاحتواء الاتحاد السوفيتي السابق وتأييد اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية ضد القوتين الصينية والسوفيتية إبان الحرب الباردة وكان لها اليد الطولي في زرع الكيان الصهيوني في القلب من العالم العربي. وتشعبت علاقاتها القوية بين اكبر عدد من الدول لتكوين مركز اتصالات العالم السياسية والعسكرية والثقافية والعلمية والاقتصادية.. الخ. وإذا ما وصلنا الي تفكك الاتحاد السوفيتي ومرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية أصبحت أمريكا هي القوة العالمية المهيمنة مطلقة الإرادة بمقدورها أن تفعل ما تشاء كيفما تشاء.. واليوم يتساءل العديد من العلماء حول العالم : هل بدأت أمريكا عسكرة الفضاء؟.. ففي يوم 22/4/2010 الذي وافق احتفال العالم والمدافعين عن كوكبنا ب "يوم الأرض" اطلقت الولايات المتحدة الأمريكية إلي الفضاء مركبة تجريبية غامضة تحمل اسم X37B OTV وفرض الجيش الأمريكي تعتيماً كاملا علي كل ما يتصل بهذه التجربة من بعيد أو من قريب. وأحاطها بالسرية الكاملة والكتمان المريب. أثارت التجربة مخاوف العديد من الدوائر العسكرية والعلمية في جل دول العالم باعتبار التجربة بداية أمريكية لعمليات عسكرية تتم جميع مراحلها في الفضاء.
** خلاصة القول.. إن مقومات التفوق الأمريكي في القوة والاقتصاد والتكنولوجيا وغزو الفضاء لا تتآكل علي النحو الذي كان لإمبراطوريات سابقة سادت ثم بادت. لأن عصر الكمبيوتر قد حسم للقيادة الأمريكية تفوقا بعيد المدي.. ولكن.
** في "ولكن" هذه بيت القصيد. ومربط الفرس.. والحديث يتواصل.