الرئيسية
أخبار
تحقيقات
اقتصاد
الأسرة والطفل
فنون
رياضة
دين
صحافة الكترونية
تكنولوجيا المعلومات
استطلاع

 

 
 
 

 

العلم اكثر المجالات ذكرا في القرأن

 اعداد -نجلاء السيد :


 يُعد العلم من أكثر المجالات ذكراً في القرآن الكريم. فقد ورد لفظه ومشتقاته (عَليم، علمتم، عالم، علماء، نعلم ... إلخ) ثمانمائة وستاً وخمسين مرة. وكذلك التقوى ومشتقاتها، فقد وردت في القرآن الكريم مائتين وخمساً وأربعين مرة في أشكالها المختلفة: اتقى، تتقوا، تتقون، المتقين، .. إلخ.
ومما يشهد على اهتمام الإسلام بالعلم، أن أول آيات أُنزلت من القرآن على النبي r كانت ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[ (سورة العلق: الآيات 1 ـ 5).
إنّ الربط بين العلم والتقوى في الآية الكريمة (282) في سورة البقرة، هو ربط لتحقيق ما يفيد الإنسان في دنياه وأخراه. فقد فرض الإسلام التطور على أهله فرضاً، حين حثهم على الأخذ بأسباب العلم، وتوجيه العناية إليه توجيهاً خاصاً، لأن الشخصية الإنسانية لا يقوّمها ولا يرقيها شيء غير العلم المجلل بالتقوى. قال تعالى في الحض على العلم ]قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلبَاَبْ[ (سورة الزمر: الآية 9)، فحصرَ التذكر في أولي الألباب، ولا مُقوِّم للألباب غير العلم. إلاّ أن العلم وتَعَلُمَه، يرتبط في الإسلام ارتباطاً له غاية بالله سبحانه وتعالى، أي بالمنهج الذي ارتضاه الخالق لخلقه. فالمؤمن يتعلم العلم ويعمل به، على مقتضى ما شرعه الله، متوخياً الامتثال لما أمر به الله، والاجتناب لما نهى عنه، وتلك هي التقوى. قال تعالى: ]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[ (سورة فاطر: الآية 28). كما قال تعالى ]شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ[ (سورة آل عمران: الآية 18).وقد نص القرآن على أن العلم بحرُ لا نهاية له، فقال تعالى ]وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ[ (سورة يوسف: الآية 76). وذلك حتى يخفف العلماء من كبريائهم، ويطلبوا المزيد من العلم، ليهديهم إلى القول الفصل، في كل ما يرجون معرفته، من حقائق لا يدركون سرها أو كنهها. وقد نص الله تعالى على هذه الحقيقة في قوله ]وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً[ (سورة الإسراء: الآية 85). لذلك حث الله سبحانه وتعالى الإنسان على طلب زيادة العلم والمعرفة ]وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا[ (سورة طه: الآية 114). ولذلك كان اكتساب العلم من دون التقوى مظنة الخسران والبوار، ففي العلم محاذير يترتب على ارتكابها غضب الله، فلا بد من معرفتها واجتنابها.


إن العلم الذي يدعو إليه الإسلام ليس مقصوراً أو مختصاً بالمجال الديني أو الشرعي فقط، لأن الله تعالى يقول ]وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ[ (سورة البقرة: الآية 282) (اُنظر ملحق تفسير آخر الآية 282 من سورة البقرة) أي: كل علم يدفع الجهل، سواء أكان في الأمور الدينية أم في الشؤون الدنيوية. فقد حض الله المسلمين على تعلم العلوم كافة، ليكونوا أشد بَصَراً بعظمة الله وقدرته المتجلية في خلقه، ولذا كَثُر في القرآن مخاطبة العقل، والاحتكام إليه، وذِكْرُ (أولو الألباب). فضلاً عن أن خطاب الله سبحانه وتعالى لأصحاب العقول قد ورد في تزيل بعض الآيات مثل قوله ]إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[ (سورة الرعد: الآية 4، والنحل: الآية 12، والروم: الآية 24).

ولعل من أكثر القضايا التي حفلت بها السنة المطهرة، الحديث عن العمل وقيمته وأهميته، وأنه مدار حياة الإنسان، وحركة المجتمع. وقد حرصت السنة دائماً، على الربط المحكم بين العمل والعلم، فإنهما كلٌ واحد لا يتجزأ؛ فلا قيمة لعمل من دون علم، ولا لعلم لا يُعمل به. جاء في الحديث، ]وَلا تَكُونُ بِالْعِلْمِ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ بِهِ عَامِلاً[ (سنن الدارمي، الحديث الرقم 295). فالسنة تحرص على العلم أولاً، ولكنه علمٌ لعملٍ، ]تَعَلَّمُوا تَعَلَّمُوا فَإِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا[ (سن الدارمي، الحديث الرقم 368) ولم يكن هذا الحرص من السنة على: العمل مع العلم أو العلم مع العمل نابعاً من فراغ، وإنما مرده إلى الحقيقة الكبرى، وهي ]الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلاَ عَمَلٌ[ (رواة البخاري، في كتاب الرقاق). وقد أبان المصطفى r، هذه الحقيقة التي لا جدال حولها، في قوله ]يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاَثَةٌ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ عَمَلُهُ[ (سنن النسائي، الحديث الرقم 1911). لذلك لم يكن بدعاً أن جاء في الحديث ]كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ[ (مسند أحمد، الحديث الرقم 9508). بل أبعد من ذلك، في الحرص على أداء العمل وإتقانه، أنّ تجويد العمل لا يكون تاماً بلا علم يسنده، ]النِّفَاقُ نِفَاقَانِ نِفَاقُ الْعَمَلِ وَنِفَاقُ التَّكْذِيبِ[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 14). ولعـل من أدل سمات العمل في السنة، قول المصطفى r ]لاَ تَكُونَنَّ قَوِيًّا فِي عَمَلِ غَيْرِكَ ضَعِيفًا فِي عَمَلِ نَفْسِكَ[ (سنن الدارمي، الحديث الرقم 56).

تتمثل أهمية العمل في أنه محك الإيمان، لأن حقيقة الإيمان الصادق علم وعمل وتقوى. فلا يوجد حال من أحوال الإنسان يُسقط عنه العمل. فهو في عمل دائم، إذ لا يخلو أن يكون ناظراً إلى شيء، أو سامعاً قولاً، أو لامساً شيئاً، أو قائلاً حديثاً، أو عاملاً عملاً بجوارحه أو بقلبه، وهو عن كل ذلك مسؤول، إلا أن يكون صغيراً أو مجنوناً أو نائماً. وهؤلاء الثلاثة، إنما سقط عنهم التكليف في تلك الأحوال، لعدم التمييز، والقدرة على إحكام النية. ولكنهم مكلفون بالعمل قطعاً، في حالة مفارقتهم لتلك الأحوال، لقول رسول الله r ]رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 1343). وللعمل، كل عمل، وجه ظاهر يراه الناس، ووجه مستتر يعلمه الله U، الذي يرى بقدرته كل شيء. ومن ترك الوجه المستتر فقد باء بخسران مبين، لأن المسلم إذا ترك العمل الظاهر سقطت منزلته في أعين الناس، ولكنه إذا لم يخلص النية في عمله أُحبط عمله في معيار الصدق عند الحق عز وجل، وهذا هو الخسران المبين. فلا مناص للإنسان، من أن يكون عاملاً ومخلصاً في عمله في كل الأحوال، ولا ينجبر التقصير في العمل، إلا بإنجاز مزيد من العمل.

هناك آيات ورد فيها الحثّ على العمل، بصيغة الطلب، ولمّا كانت آمرة بالعمل، فلم تقترن بالبشرى، بل اقترنت بإشعار المخاطبين بالرقابة، ومن ذلك قوله تعالى ]قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ[ (سورة الأنعام: الآية 135). وقوله تعالى ]اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[ (سورة فصلت: الآية 40). وإن كانت الآية مثار البحث ]قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُم[ْ (سورة التوبة: الآية 105). قد خلت من البشرى إلاّ أنها موجهة، باعتبار السياق، إلى الذين يريدون استئناف الحياة على المنهج الرباني. وفيها الحثُ على العمل، والتوجيه، بأن التوبة هي بداية الطريق، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكنه في الوقت نفسه، يحتاج إلى عمل صالح يكون مُصَدِّقاً لتلك التوبة، فلا يكفي الندم على ما فات، ولا الإقلاع عن الذنب، أي ترك المعصية في الحال، بل لابد من العزم وعقد النية على ترك المعاصي مستقبلاً، وتدارك ما سبق من تقصير في العمل، بأن يلزم الإنسان نفسه بالعمل الصالح على كل حال. مثال ذلك: لو ارتكب الإنسان كبيرة من الكبائر، فليس معنى ذلك أن يترك العمل الصالح، ظناً منه أن العمل لا يجديه، ففي هذا المسلك يأس من رحمة الله، وهو القائل U: ]قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[ (سورة الزمر: الآية 53). فالله يغفر الذنوب جميعاً، وكل ابن آدم خطاء. والخطاب "وقل اعملوا" في الآية مثار البحث، يشمل كل المؤمنين باعتبار أنها القاعدة المُجمع عليها، لأن الآية قد نصت على أولية العمل، ولا ينازع العمل هذه الأولية إلا العلم، لأنه مقدم عليه، كما نص على ذلك البخاري في باب (العلم قبل القول والعمل) لقوله تعالى] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ[ (سورة محمد: الآية 19). فبدأ بالعلم أولاً. فليس للمؤمن خلاص أو منجاة إلا بالعمل، ولكن بعد علمٍ.

 

 

 

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر