الرئيسية
أخبار
تحقيقات
اقتصاد
الأسرة والطفل
فنون
رياضة
دين
صحافة الكترونية
تكنولوجيا المعلومات
استطلاع
أدب وشعر

 

 
 
 

 

رسالتى إليك...

 

تحية وسلاما معطرا من القلب إليك والدى
رحلت أيها الأب والأخ والصديق والحبيب وتركت لى دمعات حائرات يبحثن عنك فى كل مكان ثم يعدن بأيد خاوية إلا من الهموم والأحزان بعد أن أعياهن البحث عن أنفاسك الطاهرة هنا وهناك ، فماذا يملكن إذن سوى الاستقرار والهجوع فى قلب ضعيف حائر ونفس حزينة ملتاعة ، وروح تائهة تئن من ألم الفراق وأوجاع النوى والحنين
رحلت أيها الأب والأخ والصديق والحبيب بنفس راضية مرضية وروح آمنة هادئة ولم لا ،وقد كانت حياتها مع القرآن والتسبيح والصلاة ، لم لا وقد أظلت بحبها وحنانها القريب والبعيد لم لا ،وقد أخذت لله وتركت لله وأحبت فى الله واعتصمت بالله وأعطت وبذلت لله وبكت وخشعت لله وصبرت على ابتلاء الله فى المرض سنوات وسنوات ما نطقت فيها إلا بكلمة " الحمد لله "
رحلت أيها الحبيب ورحلت معك ابتسامة يقظة كانت تظلل قلبى وتلقى بسحب الأمن والأمان على مأواى وركنى الآمن . كم بكيت عندما كتبت عنك مقالا عنوانه : " عندما تكون الصلاة حياة "وكلما حاولت نفسى الضعيفة مراجعة المقال للنشر ،تساقطت الدموع لتذكرنى بنفسها عند كتابته ، كأن النفس تخشى من استعادة تلك اللحظات عند الإطلالة عليه مرة أخرى فتكتفى بنظرة حانية كل حين وآخر ،حتى اقتحمتنى صورة الموت القاسية -فجأة التى مزقت القلب والوجدان فى تلك اللحظات الدافئة التى كنت أحدثك فيها وآنس بروحك وأنفاسك فى بيتنا ، ثم توقفت الكلمات الهامسة منك فجأة-واضجعت على جنبك الأيمن ،فأنظر إليك نظرة فيها من الحب والإشفاق ما فيها ، فأجد نفسا هادئا يتسلل منك فتخيلت أن ثمة شيئا ما أصابك من الألم ،لكن لم يدر بخلدى وبالى أن لحظة الفراق قد حلت ولحظة الوداع قد استقرت ولحظة الرحيل قد استعدت لتصحبك معها ، لم أكن أعلم أن ثمة جرحا غائرا قد أطل الآن بكل قسوة وألم على نفسى وروحى ليمزق ذلك القلب الضعيف الذى طالما أحبك ،ولم يفارقك لحظة واحدة فى سنى عمره ، ننام ونستيقظ معا ،نضحك ونحزن معا نستقبل تباشير الصباح وابتسامة الليل معا ، نتحاور ونتهامس معا ،نعيش الحياة معا وتعيش فينا الحياة معا ،لكن ماذا بعد؟ مازالت نفسى تلتمس قطرة الندى الأخيرة ولم تعرف أنك فارقت الحياة الآن ، بل لم تستوعب الرسالة بعد ولم تستطع ان تستقبل كلمات " الرحيل " "والوداع " " والفراق" و " الوحشة " و " الغربة " كما استقبلها الآخرون ، فكانت لحظة الحسم القاسية بمجئ الطبيب الذى وقفت إلى جواره أرقب وأتطلع بشغف ولهفة وتحنان إلى أى جملة تخرج منه عدا كلمة " الموت " ،وقفت وكأنى أنتظر قطرة الماء الوحيدة والأخيرة التى ستعيد إلى الحياة ،فجاءت نظرات الطبيب صامتة قاسية تلقى بكلمة الموت على مسمعى وتلقى بظل قاتم وآهة حبيسة جارحة خرجت من روحى وقلبى إلا أنها التمست بعض أشلاء من قطرة الندى الأخيرة ، وبعد مغادرة الطبيب غرفتك الدافئة هرعت أحتضنك أبى ، وفعلت كما كنت أفعل عندما يشتد عليك المرض حيث أحتضنك واهمس لك "يا بابا انا سحر"لتلقى إلى بنظرة حانية أو إشارة وكانك تبعث برسالة فيها كلمة واحدة : " نعم أعرفك ، أو ما زلت معك وما زلت معى " ووجدت نفسى أفعل نفس الأشياء وأطرح عليك نفس العبارة " يا بابا أنا سحر" وتتطلع النفس إلى الإجابة تطلع الظمآن إلى الماء إلا أن ردك وإجابتك هذه المرة بمثابة روحى التى ستولد من جديد لكن .........سكنت الكلمات ،وسكنت الأنفاس ، وسكنت الحياة ، ووجدتنى أبكى فى حضنك بكاء خاصا مختلفا أستشعره أول مره من نفسى الممزقة وروحى الحيرى ووجدانى الملتاع ،ومازالت خطواتى السابقة تقودنى لما كنت أفعله من قبل ، لأنام بجوارك بل " معك " وأحاورك ، وكأنك مازلت معى بأنفاسك الحية ، وكلما أغمضت العين لحظات وجدت صوتا هامسا يحفزنى على اليقظة والتطلع إلى وجهك والتأمل فيه وكأنه يقول لى :"لا تغمضى الأجفان فهذا يوم الوداع الأخير ،كيف تفارقه عينك الآن وما فارقته من قبل "وكم حاولوا أن يخرجونى من غرفتك إلا أن قلبى أبى أن يتركك وحيدا فى تلك اللحظات وكيف أتركك وأفارقك الآن ، وما تعودت أن أفارقك لحظة واحدة فى سنى عمرى ، وجلست بجوارك أقرأ عليك القرآن الكريم ساعات ، إلى أن داهمنى الإعياء فتوقفت قراءتى رغما عنى ، حتى حلت ساعة الوداع الأخيرة لتنتزع نفسى منى بعد أن كانت بين يدى لتحملك أيدى المحبين إلى مثواك الأخير ، فأنظر إليك وأنت على الفراش ثم على أعتاب المنزل وبين الحنايا آهات وصرخات مكبوتة تحرق وتمزق وتروح وتغدو بين جنبات روحى الضعيفة وقلبى الكسير الجريح الذى يبحث عنك حتى الآن..
أبى الحبيب ،ربما تمضى أشياء وترحل أشياء وتسكن أشياء وتصمت أشياء وتذهب أشياءإلى مكان بعيد فى قلوب الناس كافة ، لكن جرحا غائرا قد استقر فى قلبى بعد وداعك أبى الحبيب ، ودموعا حائرة قد سكنت وجدانى ستظل حية الى أن ألحق بك ،لكنى لا أملك الآن سوى أن أردد ذلك الدعاء الذى علمتنى إياه قبل وفاتك ، وكأنك تربت على كتفى وتحنو على حتى اللحظات الأخيرة لتطلب منى أن أردد دائما : "اللهم يا من لطفت فى خلق السموات والأرض ولطفت بالأجنة فى بطون أمهاها الطف بنا فى قضائك وقدرك يا أرحم الراحمين"
وهأنذا يا أبى الحبيب أردد الدعاء وأضرع الى ربى ، عز وجل، فهو وحده اللطيف بعباده ، ومن أصدق من الله قيلا ، أضرع اليه وأبتهل أن يجزيك عنى وعن اخوتى خير الجزاء وأن يجعل الجنة مستقرا لك ومأوى وأن يجزيك خيرا عن صبرك ورضاك وتسبيحك وصلاتك وقيامك وصيامك وكل أعمال البر ، وأن يؤنسك فى وحشتك وغربتك وأن يؤنسنى فى وحشتى وغربتى بعد فراقك ، أيضا ،وأن يجمعنى بك فى الآخرة على خيركما جمعنا فى الدنيا على خير.
أبى الحبيب كنت ركنى وبيتى الآمن ومأواى المطمئن وسكنى ومهجعى وحضنى الدافئ ، إلا أننى أرانى الآن أتهيأ لوداعك رغما عنى مرة أخرى فى كتابة هذه الرسالة ،ولو أن الأمر متاحا لى لظللت أبكيك بعدد كلمات البشر التى لن تستطع أن تجسد وتصف وتصور آهاتى ودمعاتى وأنفاسى الحائرة وروحى الممزقة بعد فراقك .
اللهم رحمة من عندك تزيح بها الهموم والغموم وتخفف بها البلاء فأنت الملجأ والملاذ وأنت وحدك سبحانك نعم المولى ونعم النصير.
وداعا أيها الأب والأخ والصديق والحبيب وداعا إلى ان نلتقى .......
ابنتك: سحر

قصة بقلم دكتورة سحر محمود عيسى
دكتوراة فى النقد الادبى جامعة الازهر .



 

 

 

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر