قبل أن أحكي لك مشكلتي دعيني أقدم نفسي..
اسمي "فرح".. هكذا شاء أبي يوم أطللت علي الدنيا. وقال اليوم أنا أسعد رجل بمولدها. وأغني من في الوجود بقدومها بعد سنوات الحرمان.. فرح هي ثروتي الحقيقية ورصيدي في شيخوختي. فهي البكرية وهي مسك الختام!!
كانت الأمراض قد غزت جسد أمي. ورغم خطورة الحمل علي حياتها أصرت علي الاحتفاظ بي لأكون لها ذكري. أو تكتحل بي عيناها اذا كتبت لها الحياة. وشاء القدر أن تعيش أمي وهي تستمد شحوب بسمتها من شحوب بشرتها. دون أن تنجب سواي..
أما أبي فلم يكن غنيا بمفهوم الناس للغني.. لكنه بالقناعة والرضا. كان غني النفس والقلب والعين. وهذا حسبه.. أن يكون الغني عنده مجرد الستر.. ومجرد القدرة علي الوفاء بالتزامات بيته بما يتناسب ومركزه كمهندس باحدي المؤسسات الحكومية.. لهذا اعتبرني مصدر ثرائه..
في هذا الجو من الرضا والقناعة سعيدة مرفهة. كل ما يملكه والداي هو لي.. وكانت أقصي أمنياتهما أن أكمل تعليمي وأصبح مهندسة مثل أبي.. وعن نفسي كنت بحق قدم السعد علي أسرتي. فقد انهال الرزق علي أبي وأعماله الخاصة تنتعش. وبيتنا المتواضع تحول إلي جنة صغيرة وارفة أنا ثمرتها وكوثرها.. كنت السعادة بعينها والأيام تمضي بسرعة وأنا أكبر وتطول قامتي. ويستدير جسدي.. وكل يوم يمر من عمري يضيف إلي فتنتي ونضجي جمال عامين. حتي تحقق حلم أبي بالتحاقي بكلية الهندسة وتفوقي فيها.. كما فرضت احترامي وتقديري علي الجميع.. زملائي والأساتذة دون أن أسعي لذلك.. الا هو.. من البداية اعتبرني منافسته الوحيدة في مجال التفوق.. ولم يكن له هم سوي قهر نبوغي وتفوقي!!
وكان ينجح أحيانا ويسحب البساط من تحت قدمي ويسبقني في الترتيب.. وأحيانا كنت أنا من يفعل. حتي اقترب العام الدراسي من الانتهاء. ونحن نخوض امتحانات السنة الرابعة.. وجدته يتقدم مني. وبدون مقدمات صارحني أنه يحبني. ويود التقدم لخطبتي لولا خوفه أن ترفضه أسرتي. فوالدي المهندس لن يقبل بنسب البقال البسيط ولو كان ابنه مهندسا!!
لم يكن يدري وقتها أني انتظرت هذه الخطوة طويلا وأهلي يعرفون ذلك تماما.. لذا لم أتوان عن دعوته لبيتنا كي يتعرف علي أبي وأمي ويضع ظروفه أمامهما ليري بنفسه مقدار اعجابهما به وبكفاحه.. وجاء زميلي ليستقبله أبي بحفاوة بالغة. وتتندر معه أمي عن منافستنا علي التفوق.. ولم تنته الزيارة إلا بعدما اتفقنا علي كافة التفاصيل.
لن أطيل عليك. فقد تمت الخطوبة بدبلتين وأسورة اشتراهم أبي ليقدمهم خطيبي أمام المدعوين.. وبدأنا نستعد دراسيا لسنة التخرج.. وأصبحت لا أفترق عن خطيبي. وكلانا يبذل جهدا خارقا في التحصيل حتي تخرجنا بتفوق.. وتم تعييني وخطيبي في نفس الهيئة العلمية التي تقدمنا لها بطلب الوظيفة.. وهنا وقع مالم أضعه في الحسبان!!
توفي أبي فجأة بسكتة قلبية.. ثم لحقت به أمي بعد شهرين.. وبسطت علي الأيام جناحها القاتم.. واستسلمت أوراق شبابي الخضراء للكآبة. حتي كدت أغرق في ظلمتها. لولا أن اجتمع كبار العائلة وقرروا زواجنا سريعا في شقة والدي. ووجدت في اقتراحهم الحل الأمثل.. وهكذا تم الزفاف دون فرح ولا ثوب زفاف!!
ومضت خمسة أعوام سعيدة حصل خلالها زوجي علي درجة الدكتوراه وأنا أنجبت له ولدا وبنتا آية في الجمال. بقدومهما انتعشت أحوالنا المادية. ورفرفت علي أسرتنا السعادة.. والسعادة سيدتي كالشمس لاتخفي. وان تعكرت قليلا بعدم حصولي أنا الأخري علي الدكتوراه بسبب مسئولياتي المتشعبة الكثيرة. لكنني اعتبرته تأخيرا إلي حين.. وربما كانت أيضا الذريعة التي تعلق بها زوجي ليبقيني والأولاد في مصر عندما فاجأني بتعاقده للعمل باحدي الجامعات العربية!!
ومضي عام آخر سعيد.. ثم أخذت تمر علي وجه الشمس بعض الغيوم.. النظرة في عينيه لم تعد دافئة كالسابق.. انه لا يغضب.. لكن أصبح في رضاه ضيق.. لا يثور. ولكن في سكونه ضجر.. لا يسهر خارج البيت.. ولكنه جواري وليس معي.. والبيت الذي مرت بسمائه الغيوم. تسلل اليه الصمت خلال أجازته التالية.. وبدا البيت كئيبا!!
ذات ليلة سألته: ما سر فتورك هذا. هل وراءه امرأة أخري ؟!!
فحاول اقناعي ببرود أنه ليس فتورا ولكنه مجرد ارهاق.. وذات ليلة أخري اقتحم هو الكآبة قائلا: "كان بوسعي أن أغافلك وأبقي سر زواجي بعيدا عن مسامعك... ولكني أفضل أن تكوني علي علم بالأمر.. لكنه في النهاية مشروع مؤقت سينتهي بانتهاء اعارتي!!
حقيقة لم أتصور أن يحدث هذا لي وأنا التي كنت أعد الأيام علي وصوله. وأفرح باقتراب عودته... والي الآن مازلت أتعجب كيف هانت عليه العشرة وووقوفي إلي جواره.. وأخشي ما أخشاه أن يطالب بضم أولادي بحجة توفير حياة أفضل.. فماذا أفعل.. هل أطلب الطلاق وأنا وحيدة في هذه الحياة؟! وان فعلت هل أكون قد حرمت أولادي من خير أبيهم. وفيما بعد لا ألقي غير اللوم؟! قولي لي ماذا أفعل؟!
* اليائسة: فرح القاهرة
يبدو سيدتي أن زواج العاملين في الخارج أصبح موضة.. ورغم أنهم من رفضوا اصطحاب زوجاتهم ليقدمن مزيدا من التضحيات هنا في مصر. الا ان معظمهم مازالت لهم عين في الجنة وأخري في النار.. يريدون الاحتفاظ بأم الأولاد والأخري التي يعتبرها محطة يقلع عنها عند انتهاء اعارته.. واذا كان زوجك قد صارحك بزواجه وهو يعلم أن ليس لك سواه. فهناك حالات أخري تبقي فيها الزوجة غافلة. أو تقف علي الحقيقة بالصدفة البحتة وتفضل الصمت حفاظا علي البيت وسمعة الأولاد وكرامتها أيضا..
والحقيقة أن زوجك هذا رجل انتهازي. أناني بلا ضمير والغاية في نظره تبرر الوسيلة.. في البداية رسم عليك الحب وهو صفر اليدين لعلمه أنك وحيدة أبويك وسوف يكون زواجه بك "حاجة ببلاش كده" وقد حدث.. وحين جري القرش بين يديه ووجد من تساعده أكثر في بلاد الغربة لم يتردد... ومثله ان وجد فرصة أفضل سيقفز اليها لتحقيق تطلعاته.. وربما أقنعك بطريق غير مباشر أن وقوفك في وجهه سيحرم أولاده من خيره وأنها أنانية منك لو فعلت. حتي اختلطت في عينك الأمور وبدأت تحاسبين نفسك قبل وقوع البلاء.. بينما العكس هو الصحيح. فأولادك مازالوا في حضانتك وفي أمس الحاجة لرعايتك.. وليس هناك قانون حتي اذا لم يكونوا في حضانتك يحرم أما من رؤية أولادها. خاصة اذا كان الأب يعيش في بلد آخر يبعد آلاف الأميال عن موطنك..
لست وحدك يا ابنتي فمصر يحكمها قانون يقوم بتطبيقه رجال ذوو عدل.. هناك أيضا المنظمة العربية لحقوق المرأة. بها فريق خاص لقضايا المرأة ويمكنهم الدفاع عن حقوقك.. وان كان يريد هذا الزوج الاحتفاظ بك ويبقيك علي ذمته فليس موقفه حبا فيك ولا كرما منه. وانما تحسبا لما يطرأ علي زيجته الثانية من تقلبات.. لهذا أنصحك أن تخبريه بين العودة للحياة بين أسرته والخلاص من الأخري.. واما الطلاق وهذا حقك والقانون معك..
الأهم من هذا كله هو اهتمامك بنفسك أكثر. ومواصلة مشوار تفوقك. واستكمال رسالتك للدكتوراه التي أهملتها من أجله. فأنت مهندسة شاطرة وفي امكانك تعويض ما فات.. وبحنانك ومركزك وقوة شخصيتك ستعوضين طفليك عن حرمانهم من مال خيال الظل المسمي بأبيهم.. وهنا فقط قد يكتشف أنه قد أفسد حياته واختار أسوأ نهاية لأجمل بداية كانت.. معك.
|