مصطفي عزت
شخصيتها ذات مفردات متعددة وجذور عميقة.. عاشت في زمن العمالقة فقفزت إلي القمة مرة واحدة.. انها ليلي رستم عميدة المذيعات العرب.
اختلف الناس حول شخصيتها البعض كان يراها متعالية والآخرون يقولون عنها: إنها شديدة الثقة بنفسها لكنهم اتفقوا جميعاً حول مشاهدة برامجها ومدي أهميتها الثقافية والفنية.
منذ عدة سنوات شعرت بتغير في المناخ الإعلامي فاعتزلت العمل التليفزيوني وتفرغت للكتابة في المجلات والصحف الإنجليزية والفرنسية.. وكان لنا معها هذا الحوار..* نريد أن نعرف قصة النجاح من البداية؟!
- بعد أن تخرجت في الجامعة الأمريكية شعرت بأنني في حاجة إلي المزيد من العلم والمعرفة.. فقررت السفر إلي الولايات المتحدة الأمريكية والتحقت هناك بجامعة "نورث وسترن" ومنها حصلت علي درجة الماجستير في الصحافة. وعلي الرغم من أنني مولعة بالصحافة وأقدرها كمهنة رائعة.. إلا أن بوصلة أفكاري اتجهت نحو العمل في الإذاعة.. وبالفعل تقدمت للعمل بالقسم الأوروبي وبعد أن اجتزت الامتحانات المؤهلة للعمل في الاذاعة بنجاح بدأت ممارسة مهام عملي كمذيعة. وخلال عدة أشهر كنت قد تركت بصمة واضحة أهلتني للترشيح بقوة للعمل بالتليفزيون والذي كان سيفتتح في 23 يوليو 1960 ومن ثم فقد بدأ ميلادي كمذيعة تليفزيونية مع ميلاد التليفزيون المصري.. وقد بدأت العمل في البداية كمذيعة ربط ثم قارئة للنشرة الفرنسية.
* ما هي أهم البرامج التي قمت بتقديمها؟!
- خلال فترة عملي بالتليفزيون المصري اعتباراً من عام 1960 وحتي عام 1967 قدمت العديد من البرامج السياسية والاجتماعية والفنية يأتي في مقدمتها "نافذة علي العالم" ويتضمن أهم الأحداث في كل أسبوع. "الغرفة المضيئة" وكان يعده مفيد فوزي وكان يتضمن أهم حدث محلي وبرنامج "نجمك المفضل" من إعداد مفيد فوزي أيضاً وكان برنامجا أسبوعيا استمر تقديمه لمدة ثلاث سنوات قدمت خلالها "150" حلقة مع كبار الممثلين والأدباء والشعراء أمثال محمد عبدالوهاب وفاتن حمامة وطه حسين. يوسف السباعي. احسان عبدالقدوس. وعمر الشريف ومصطفي وعلي أمين.. و....
ومما يجدر ذكره انني حينما ذهبت للإقامة في لبنان تلقيت عروضا عديدة للعمل في العديد من المحطات العربية فتعجبت لذلك وطرحت عليهم استفهاما واحدا.. من أين عرفتموني؟ الإجابة أيضا كانت واحدة.. من خلال برامجك..!! وساعتها اكتشفت أن برامجي كانت تباع لهذه المحطات وتمثل دخلا هاما للتليفزيون المصري دون أن أدري فالجمهور العربي وقتها كان عاشقا للثقافة وكانت مصر في هذا الوقت عاصمة ثقافية كبري وقبلة العرب.
* سافرت مع زوجك إلي لبنان.. حدثينا عن هذه الفترة؟!
- في عام 1967 قرر زوجي الهجرة إلي لبنان بحكم عمله ولم يكن هناك اختيار أمامي سوي مصاحبته والرحيل معا إلي هناك حيث مكثت 15 عاما وكنت خير سفيرة لبلدي مصر حيث لمع اسمي هناك وأصبحت نجمة تليفزيونية متألقة في سماء الاعلام اللبناني وقدمت "بين الحقيقة والخيال" و"محاكمة التاريخ العربي" و"محاكمات أدبية" ثم برنامج "سهرة مع الماضي" وفي هذا البرنامج بصفة خاصة أردت من خلاله تقديم بعض الشخصيات اللبنانية التي صنعت لبنان الحديث منذ الاستقلال حتي اليوم وقد نجح هذا البرنامج نجاحاً مدوياً ومنقطع النظير وقد نلت شعبية ومساحة حب كبري جمعت بيني وبين المشاهدين بشكل ملحوظ مما جعل الجميع يسأل عن القادمة من مصر والتي احتلت هذه المكانة بين الناس بسرعة شديدة وتفجر قضايا شائكة وحساسة وفي احدي حلقات البرنامج تعرضت لرياض الصلح رئيس وزراء لبنان الأسبق الذي اغتيل في عام 1951 وعرضت مسيرة حياته بالشكل الذي يستحقه ثم أعقب ذلك حلقة أخري مع ابنته علياء الصلح والتي أعتقد أنها كانت تستحق وعن جدارة أن تشغل منصب رئيس الوزراء خلفا لوالدها نظراً لأنها شخصية قيادية وعلي درجة عالية من الفكر والثقافة والقدرة علي اتخاذ القرار في الوقت المناسب.. إلا انني فوجئت أثناء الحلقة بمهاجمتها للحكومة ثم مهاجمتها للبرلمان بشكل ملحوظ وهاجمت القوانين التي أصدرها البرلمان وتجاهلت دوره مشيرة إلي أنه لايوجد برلمان وأنه كان وقت وجود والدها فقط..!
وبعد اذاعة البرنامج قامت الدنيا ولم تقعد حيث تقرر توقف البرنامج وحرمان علياء الصلح من الحديث في الاذاعة والتليفزيون أما أنا فقد وضعت في القائمة السوداء وفي النهاية وقف الرأي العام معنا وقفة مشهودة وغير مسبوقة.
* هل القضايا التي كان يناقشها البرنامج حساسة لهذه الدرجة؟!
- طبعاً.. وكانت تفجر قضايا حساسة وشائكة مثل القنابل التي كانت تنفجر فجأة.. ومن ثم فلقد ارتبط الناس بهذا البرنامج ارتباطا وثيقا وحرص الجميع علي متابعته في كل يوم سبت لدرجة أن أصحاب المسارح ودور العرض السينمائي اشتكوا من انصراف الناس عنهم في هذا اليوم بالذات وهذا الأمر يعد بمثابة شهادة نجاح لهذا البرنامج الذي لم أندم علي توقفه لكنني أعتبر ما حدث بمثابة محطة تاريخية لن أنساها في حياتي!!
البرنامج الناجح
* ما هي صفات البرنامج الناجح؟!
- كيفية جذب المشاهد هو سر نجاح أي برنامج بالاضافة إلي حرصه الدائم علي مشاهدته وهذا الأمر يبدأ من خلال دراسة الهدف من البرنامج ثم يأتي دور الإعداد بالشكل الذي يجب أن يكون عليه لا ينتهي الأمر إلا بعد أن تكون قد وصلت مقدمته إلي حد معقول يؤهلها للبدء في اللقاء ومن المهم جداً أن يكون المذيع أو المذيعة دارساً جيداً لشخصية الضيف بكل أبعادها حتي يستطيع أن يخرج كل ما لديه.
أما عن المذيعة الناجحة فهي التي تستطيع أن تدخل إلي قلب المشاهد ببساطة وبلا تمثيل وأن تكون سريعة البديهة صاحبة حضور قوي وأن تكون ملمة بكل ما تقدمه.. وأن تكون شخصية قوية مقتنعة بما تؤديه وليس هدفها مجرد الظهور علي الشاشة مع الحرص علي تطوير نفسها وتجديد تفكيرها بالمطالعة والقراءة.
* من يعجبك من المذيعات والمذيعين؟!
- معجبة جدا بأداء حنان منصور كقارئة لنشرة الأخبار بالتليفزيون المصري ومني الحسيني كمحاورة ممتازة تمتلك شجاعة الحوار والقدرة علي المواجهة وتتميز بالاعداد الجيد لموضوعاتها.. ومن الزملاء الإعلامي حمدي قنديل الذي يمتلك ناصية العمل الإعلامي المتميز.
شخصيات هامة
* ما هي الشخصيات الهامة التي قابلتك وتأثرت بها؟!
- قابلت حوالي مائتي شخصية من الشخصيات التي أثرت الحياة الفكرية والرياضية والسياسية في الوطن العربي بصفة خاصة والعالم بصفة عامة منها علي سبيل المثال لا الحصر ميخائيل نعيمة وطه حسين وأعتقد أنه لم يخرج ربع ما في جعبته لأنه في رأيي موسوعة فكرية. العقاد الذي أحترمه كعبقري وأعشقه كمفكر ونجيب محفوظ أفضل من فهم طبيعة الشخصية المصرية وحللها نفسيا.. ومحمد علي كلاي الذي يمتلك أدوات النجاح ويستغلها بشكل رائع وأنديرا غاندي وهي امرأة لا تشعر بفارق معها أثناء الحوار بجانب العديد من رؤساء الدول العربية والافريقية أما الشخصية التي انبهرت وأعجبت بها كمال جنبلاط والذي استضفته في برنامج "سهرة مع الماضي".
* هل اتهمك أحد من زملائك بالتعالي والغرور؟!
- نعم.. لقد اتهمني الكثيرون بالغرور والكبر.. ولكنني بكل حق لست مغرورة ولا متكبرة فقط أرفض أن يتدخل أحد في شئوني أو خصوصياتي كما انني لا أحب أن أفعل ذلك أيضا مع الآخرين فأضع سياجاً حول كرامتي لا أسمح لأحد بالاقتراب منه نهائيا.. أيضا الناس دائما يسألون بعضهم البعض في المجتمع الشرقي أسئلة مباشرة ويتدخلون في شئون غيرهم بحكم العشم.
* ما هي المواقف الطريفة التي تعرضت لها؟!
- كثيرة جداً ولكن الموقف الذي لا أنساه هو لقاء التوأم مصطفي وعلي أمين وكان التشابه بينهما كما نعرف جميعاً واضحاً تمام الوضوح لذا فإنني حينما جلست إلي جوارهما وجدت مشقة شديدة بل استحالة في التمييز فيما بينهما فاتفقت معهما علي ألا يعترضا إذا وجهت إلي أحدهما السؤال باسم الآخر واستمر الحال هكذا حتي منتصف البرنامج وعلي الرغم من وجود الجمهور داخل الاستوديو إلا أن أحداً لم يلحظ ذلك.
* ورسائل المعجبين؟!
- تلقيت الكثير منها ولكن هناك رسائل توقفت معها من أهمها قصيدة مدح كبري من لبنان وصورة التقطها أحد الأشخاص لي من علي الشاشة مباشرة وأطرف هذه الرسائل بصفة عامة رسالة مشاهد يعرض عليّ الزواج فلم أجد حلا سوي أن أنصحه بأن يتزوج ابنتي!!!
* كيف تقضين يومك؟!
- أقضي يومي ما بين الكتابة الصحفية لبعض المجلات والصحف الأجنبية وممارسة شبه يومية للرياضة وعلي الرغم من أن هناك عشرات القنوات الفضائية إلا انني لا أشاهد سوي قنوات الجزيرة. المستقبل. العربية. B.B.C. L.B.C.
* والتليفزيون المصري؟!
- لا أشاهده منذ فترة. آخر مسلسل تابعته "ليالي الحلمية" وآخر الفوازير "فوازير نيللي"..!! وأتمني أن يرتقي التليفزيون بفكر الناس وتطلعاتهم وأن يهتم بطرح مشاكلهم وأن يقدم خدمات ارشادية لتغيير المفاهيم والسلوكيات الخاطئة عند المواطنين وعلي فكرة أنا ضد البرامج التي يقدمها الممثلون والممثلات لأنها تتسم بالسطحية الشديدة والتهريج المصطنع..!!
* ما قيمة أول مرتب؟!
- أول مرتب تقاضيته "خمسة وعشرين جنيهاً" وتم تعييني علي الدرجة الخامسة بزيادة قدرها جنيهان بحكم انني حاصلة علي درجة الماجستير.
* هل أنت راضية عن برامجك بعد إذاعتها؟!
- حينما أشاهد برامجي بعد إذاعتها لا أكون راضية عنها لأنني أتمني دائماً أن أكون أفضل مما كنت عليه.
* مطربتك المفضلة..؟!
- مطربتي المفضلة أم كلثوم ولاسيما في ألحان رياض السنباطي الذي نجح في التعرف علي امكانياتها الحقيقية فجاءت ألحانه موفقة معها.
* وهواياتك؟!
- أهوي قراءة الأدب العربي الحديث وبخاصة كتابات يوسف السباعي واحسان عبدالقدوس.. كما أهوي قراءة الأدب الفرنسي علي اعتبار أن الفرنسية قريبة إلي نفسي.
* أحب زميلاتك إلي قلبك.. من تكون؟!
- أحب زميلاتي إلي نفسي الراحلة سلوي حجازي لأنها كانت رقيقة بطبيعتها ولا تتكلف في أدائها. زينب حياتي لأنها تتميز بالبساطة والبراءة رغم ثرائها بالجمال النادر.
رفضت التمثيل والغناء
* تلقت ليلي رستم عروضاً كثيرة للتمثيل والغناء.. أليس كذلك؟!
- عرض عليّ بعض المخرجين مبالغ خيالية وقتئذ.. وأحد المخرجين شاهد صور زفافي في إحدي فاترينات المصورين وانتظر حتي قدومي من شهر العسل وأبلغني بأنني وجه سينمائي نادر ووجه يشبه اليزابيث تايلور وأن قيمة العقد حال موافقتي ستكون غير محددة وسيتركها حسب ما أشاء!! إلا انني رفضت هذا العرض مثل سابقيه وأسباب الرفض لم تأت من فراغ وإنما جاءت لأسباب عديدة منها أنه لا يوجد مستوي فني عالمي يغريني بالعمل في هذا المجال وهذا ليس تقليلاً من المستوي الفني الموجود عندنا وإنما المسألة مسألة اجتهاد فالمخرج لا يستطيع أن يخرج طاقات الفنان دفعة واحدة وإنما هو محكوم بالشباك.. فالسينما العالمية حينما تكتشف موهبة تسلط عليها الضوء لتظهر طاقاتها دفعة واحدة وتقدم أحسن ما عندها ثم تتحول إلي نجم سينمائي وعلي سبيل المثال لدينا فاتن حمامة ولبني عبدالعزيز كانا من المفروض أن يصلا إلي ما وصل إليه عمر الشريف.. أيضا عرض عليّ كمال الطويل أن يلحن لي أغنية كي أغنيها في أحد الأفلام ولكنني رفضت أيضاً.. فلقد مثلت وغنيت علي مسرح الجامعة الأمريكية وقت الدراسة ونلت الشهرة منذ أن أصبحت مذيعة تليفزيونية ومن ثم فلم يغرني التمثيل والغناء بعد ذلك!!
* ما هي حدود علاقتك بالراحل زكي رستم؟
- جدتي أمينة هانم عبدالغفار والدة زكي رستم قد استنكرت عليه دخوله عالم الفن وقالتها صريحة إن من يعمل بالفن فهو أراجوز وأنا لا أسمح للأراجوزات دخول منزلي واستمر هذا الخلاف لفترة طويلة.. وقد كانت شخصيته مهابة ومخيفة وعلي الرغم من أن زياراته لنا كانت قليلة إلا اننا كنا نخشاها ونحسب لها ألف حساب وفي نفس الوقت كانت جلساته ممتعة وخفيفة وكان يتميز بخفة وحينما كنا نضحك علي ذلك كان يتعجب من هذا الضحك لأنه لم يكن يريد أن يقاطعه أحد أو يعلق علي كلامه أحد!!
وبالمناسبة كانت شخصيته كذلك في الوسط الفني حيث نقل لي الكثير من الممثلين والممثلات حكايات وطرائف تدل علي احترام الجميع له ومناداته دائما بكلمة "زكي بك"!!
 
 
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
Email: eltahrir@eltahrir.net
بيان الخصوصية

الجمهورية - المساء - The Egyptian Gazette - Le Progres

شاشتي - الكورة والملاعب - عقيدتي - Egyptian Mail - Progres Dimanche

العلم - كتاب الجمهورية