سمر عادل
تفاءل الكثيرون بعد اندلاع ثورة يناير المجيدة وسقوط رموز الفساد واحداً تلو الآخر. وتجدد الامل في استنشاق نسيم الحرية الخالي من الظلم والقهر بمحاكمة كل من خرب وأهدر ودمر وسفك دماء الابرياء لنيال الجزاء ويبرد نار أسر الشهداء.. لكن هاهي الذكري الاولي للثورة البيضاء تمر علينا والحال لم يتبدل. فالمحاكمات تتأجل والملابسات تتداخل ويزداد يقين المتهمين بأن العقاب أبعد ما يكون عنهم بينما يتضاءل أمل اسر الشهداء في القصاص.. في السطور التالية نستطلع أراء القضاة والقانونيين حول معدل سير محاكمات رموز الفساد.
المستشار ماهر أبو العينين الفقيه القانوني ونائب رئيس مجلس الدولة أكد ان محاكمات النظام السابق تسير بشكل طبيعي بل وبسرعة أكبر من القضايا العادية نظراً لكثرة عدد المتهمين والشهود والاوراق التي تضمها قضايا فساد النظام. ولاننسي أن طلب رد المحكمة قد أوقف نظر هذه القضايا شهرين كاملين توقع المستشار ماهر أن يتم الفصل في المحاكمات في عضون خمسة أشهر علي الاكثر. وهذا وقت قياسي بالمقارنة بقضية هشام طلعت مصطفي التي استغرقت شهوراً طويلة وهي تضم متهمين فقط.
أضاف قائلاً: طالما اختار الثوار طريق القانون بعيداً عن المحاكم الثورية التي قد تصدر أحكاماً عشوائية فلابد ان ينتظروا النهاية دون تعجل. وهي ليست بالضرورة إعدام مبارك. فليس كل ما يختاره الثوار هو الأصلح دائماً. فقد أتوا من قبل بالدكتور عصام شرف وأثبتت التجربة خطأهم.
أوضح ان ثورة يناير قد أتت بثمارها بسقوط حسني مبارك وذهاب نظامه إلي غير رجعة. فلن يجرؤ أحد بعد اليوم علي تزوير انتخابات أو تعميق الفوارق الاجتماعية. ويكفي ان الثورة قد أدت لمجلس شعب منتخب يعبر عن إرادة المواطنين.
لذا فلا يصلح لثوار أبهروا العالم بثورتهم ان يدعوا أن الثورة لم تحقق أهدافها أو ان يستمروا في ثورتهم لحين صدور حكم علي مبارك والعادلي أو أن يطالبوا بمحاكمة عسكرية لمبارك وأعوانه. فقد اكتوا بظلم هذه المحاكم فكيف يطالبون بتطبيقها علي غيرهم؟
شدد أبوالعينين علي أن الرئيس السابق متورط في العديد من القضايا هو وأبناؤه. وبالتالي فلن يغادرو السجون بقية عمرهم أضاف: آن الاوان لنبحث عن نظام جديد نتعاون فيه علي البناء. وليوحد الشباب صفوفهم ليندمجوا جميعاً في ائتلاف أو ائتلافين علي الاكثر بدلوا من حالة الشرذمة التي فرقتهم إلي ما يقرب من 136 ائتلاف.
اتفق معه المستشار محمد البكري رئيس نادي قضاة طنطا سابقاً قائلاً: محاكمات النظام السابق تسير بمعدل جيد جداً بالنظر لكثرة عدد الشهود والمتهمين والادعاء المدني. وبالتالي لايمكننا أبداً أن نصف التأجيل الذي يحدث بأنه إطالة لأمد المحاكمات لأن هناك اجراءات يحكمها القانون يؤدي الاخلال بأي منها إلي بطلان الحكم وإعادة المحاكمة مرة أخري وبالتالي فالمسألة ليست عفوية مثلما يعتقد الكثيرون.
وبالنظر لما يشيعه البعض من أن هناك جرائم واضحة تأخر الحكم فيها. فالقضاء لايعترف بمثل هذه الاقاويل. بل لابد من التحقيق في الدعوي خاصة ان القاضي لم ير الواقعة بنفسه. وحتي لو رآها فلايمكنه الاعتماد علي رؤيته الشخصية في إصدار حكم بل لابد من التحقق من جميع جزئيات الدعاوي المطروحة عن طريق الادلة والقرائن التي تقدم إليه.
خطأ قانوني
المستشار عماد النجار مساعد وزير العدل الاسبق أشار إلي انه لاينبغي للمشاعر الانسانية ان تتحكم في شأن القضاء فللقاضي الحق في أن يستغرق الوقت اللازم للتوصل للحقيقة كاملة حتي تتحقق العدالة. وبالتالي لابد ان ننحي كراهيتنا للنظام السابق ورموزه جانباً ونبحث عن العقل والبرهان والحقيقة. ولايصح لأحد ان يعبر عن وضوح أو غموض الادلة إلا القاضي المكلف بمتابعة القضية. أما غير ذلك فليس سوي مجرد معلومات مستقاه من صحف أو آراء عابرة يقضي أصحابها بالاعدام أو البراءة وفقاً لأهوائهم وهذا التصرف ممنوع قانوناً. فلايحق لأحد ان يتحدث أو يتناول برأيه ومشاعره قضية من القضايا المطروحة. لأن التأثير في مسيرة القضاء جريمة يعاقب عليها بالحبس لمدة ثلاث سنوات طبقاً لقانون العقوبات الصادر عام 1904 والمعدل عام .1937
والمشكلة ان هذه العقوبة لا تطبق إلا في حالة تظلم القاضي من التأثير في سير القضية. وقد أثبتت الاحصائيات ان السلطات القضائية تبحث 10% فقط من الجرائم التي تقع نظراً لعدم التظلم من النسبة الباقية. فكانت النتيجة ان كل فرد في الشارع يريد ان يصدر حكماً طبقاً لرأية. ولم يعد هناك ضابط أورابط. والاعلام يشجع علي هذا بعرض آراء كل من هب ودب باعتبار ذلك من قبيل حرية الرأي.
حكم سياسي
يري فتحي راغب المحامي بالنقض والدستورية العليا ان قضية بهذا الحجم والتعقيد لاتستغرق أقل من خمس سنوات. لأن وضوح الادلة في نظر عامة الشعب لايعني بالضرورة اكتمال الصورة لدي القاضي الذي يبحث ويدقق في كل ما يتعلق بالقضية من أوراق ومستندات ودلائل لأن تشكك القاضي في جزئية من هذه الجزئيات يعني براءة المتهم. لأن هناك قاعدة قانونية تقضي بأن الشك يفسر لصالح المتهم.
أكد راغب ان اللجوء لمحكمة ثورية كان من شأنه الاسراع بالاحكام. حيث كان سيتم إحالة المتهمين لمحاكمة أمن الدولة طوارئ ويعامل المتهمون في هذه الحالة معاملة الارهابيين علي غرار ما كان يحدث مع الاخوان المسلمين. لكن في الوقت نفسه هناك حكمة هامة من تحويل مبارك وأعوانه لمحاكمة مدنية عادية غير عسكرية وهي استرداد الاموال المنهوبة المهربة للخارج. لأن المحاكمة الاستثنائية تعني ضياع أموالنا في الخارج شدد فتحي راغب علي أن الحكم في قضية فساد رموز النظام السابق سياسي أكثر منه قانوني. وبالتالي فلو أراد القاضي ان يريح الشعب المصري فلابد ان يحكم بالاعدام وليكن ما يكون بعد النقض. لأن الحكم بغير الاعدام ينذر برد فعل عنيف.
تباطؤ متعمد
علي النقيض تماماً وصف الدكتور ثروت بدوي الفقيه الدستوري اجراءات محاكمة رموز النظام السابق بأنها مليئة بالخلل والعوار منذ بدايتها. فقد كان من اللازم بعد قيام الثورة وسقوط النظام محاكمة كل من أفسد النظام وشارك في إفساده وهم جميع الوزراء الذين تولوا مناصبهم في الثلاثين سنة الاخيرة وكل قيادات الوطني علي مستوي الجمهورية. وأعضاء مجلسي الشعب والشوري من الحزب الوطني الذين وافقوا علي قوانين الفساد وإجراءاته.. كل هؤلاء كان يجب محاكمتهم وفق إجراءات فورية بواسطة محاكمة ثورية.
أضاف قائلاً: كان من الممكن تعيين أعضاء المحكمة من قضاة عاديين وليس قيادات القضاء. لأن جميع القيادات في مصر كانت قد فسدت تماماً بحيث لايمكن ان نعفي أياً منها من المشاركة في فساد الاحوال في مصر.
أشار إلي ان الثورة لاتكون حقيقية مالم تقتلع جذور النظام الذي قامت ضده. فبقاء بعض الجذور يؤدي قطعاً إلي تعطيل تحقيق الاهداف والحقيقة أن الثورة سرقت وقامت محاكمات هزلية شاب العوار جميع اجراءاتها لدرجة ان مجرد طلب رد قضاة المحاكمة الذي لايستغرق في أي نظام عادي أو استثنائي أكثر من ساعات أو ثلاثة أيام علي أقصي تقدير استغرق لدينا أربعة أشهر. وهذا مالم يحدث في تاريخ القضاء في أي دولة في العالم ويعكس رغبة في المماطلة والتلكؤ اعتقاداً بأن الثورة ستفقد توهجها وتذهب إلي زوال وهذا اعتقاد في غير محله. كما ان الاتهامات التي قدم من أجلها البعض ليست أهم الجرائم التي ارتكبها هؤلاء. فهناك جرائم كثيرة يسهل اثباتها ولم تكن بحاجة إلي وقت طويل فمثلاً جريمة الكسب غير المشروع فيها لغط كثير ومن الممكن الطعن في أحكامها بحجج يسهل تقديمها. ولكن جرائم الفساد ونهب أموال الدولة والقتل المبرمج الممنهج علي مدي ثلاثين عاماً في جميع المعتقلات واضحة وضوح الشمس. بل إنني استطيع ان أؤكد أن الوزراء انفسهم كانت تهدر كرامتهم بواسطة الرئيس المخلوع بحيث لم يجرؤ أحد منهم علي اتخاذ قرار علي أو وضع سياسة دون الرجوع للأجهزة المعنية سواء أمن الدولة والرياسة ليصبح شعارهم جميعاً: بناء علي توجيهات السيد الرئيس!!
 
 
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
Email: eltahrir@eltahrir.net
بيان الخصوصية

الجمهورية - المساء - The Egyptian Gazette - Le Progres

شاشتي - الكورة والملاعب - عقيدتي - Egyptian Mail - Progres Dimanche

العلم - كتاب الجمهورية