أرهقتنا القضايا والصراعات.. وأخذت من وقتنا وجهدنا وفكرنا الكثير.. وجعلتنا في اشتباك دائم مع الأحداث والتطورات المتلاحقة من حولنا في الداخل والخارج.. ووسط هذا الزحام ربما لم تسمح لنا الظروف والتقلبات بأن نتناول الجانب الإنساني في الإسلام.. ذلك الجانب المضيء المبهر الذي ننشغل عنه ونهمله بينما هو في الواقع الأكثر جاذبية وأهمية في الخطاب الديني المنشود.
منذ فترة جمعني لقاء مع مجموعة من المثقفين والكتاب العرب والأجانب وكان محور حديثنا هو الإسلام ومدي قدرته علي الانسجام مع مبادئ العولمة والحضارة الحديثة التي تركز علي الإنسان من حيث الحقوق والقيمة والحرية.. وتطرق البعض بالطبع إلي ظاهرة التطرف والإرهاب. وحاول ربطها بالإسلام وليس بالسياسة. وكان من رأي هذا البعض أن الإسلام يحمل في بنيته الداخلية بذور العنف.. وأن المسلمين بطبيعتهم مفطورون علي العنف والقتال والجهاد وقلما يميلون إلي السلام والأمن وإنسانية الإنسان.
وقد كان المؤلم في هذا الحديث هو ما ألصق بالإسلام من اتهامات ظالمة.. أما ما أصاب المسلمين والشخصية المسلمة من سلبيات فهو صحيح إلي حد كبير.. وأسبابه تعود إلي عوامل كثيرة سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية.. لكن الإسلام بريء من ذلك تماما.. الإسلام مازال ناصعاً وجذاباً لمن أراد أن يعرفه من مصادره الحقيقية وليس من خلال المسلمين الذين لا يغيظون عدوا ولا يسرون صديقاً..
حين جاء الدور عليّ لأتقدم بمداخلتي آثرت أن أتحدث عن انسانية الإسلام.. من خلال المفاهيم التي يبثها في أتباعه.. وفي المجتمع الذي يعيش فيه.. وانسانية الإسلام لا تظهر في التعامل الكريم مع الإنسان فحسب وإنما مع الحيوان والجماد.
تركزت الأنظار عليّ فقلت: في الإسلام دخلت امرأة النار بسبب قطة ودخل رجل الجنة بسبب كلب.. ورحت أسرد حديثين معروفين عن النبي - صلي الله عليه وسلم - يكشفان عناية الإسلام ورسوله بحقوق الحيوان.. يقول الأول ما معناه: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها.. لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".. ويقول الثاني ما معناه: "بينما رجل يسير في الصحراء يعاني من الحر والعطش إذ وجد بئرا فنزل فشرب.. ثم خرج فإذا به يجد كلباً يتلوي من شدة العطش فقال في نفسه: لعله يعاني مما كنت أعانيه من العطش.. فنزل إلي البئر مرة أخري فملأ خفه وتوجه ناحية الكلب فسقاه.. فنظر الله إلي صنيعه فشكر له فأدخله الجنة".
وإذا كان الله عز وجل - في مفهوم الإسلام - يدخل النار من يحبس الهرة فما بالك بمن يحبس الإنسان ويمنع عنه الطعام والشراب ويعذبه؟!.. وإذا كان الله عز وجل يدخل من يسقي الكلب ماء الجنة فما بالك بمن يوفر للناس الماء والطعام ويعمل من أجل أن ينال الفقراء حقهم الطبيعي في الحياة.. وأول عناصر هذا الحق هو المأكل والمشرب؟!
ولا تتوقف إنسانية الإسلام عند هذا الحد.. بل إن الإسلام العظيم قد أعطي الجماد روحاً.. وجعل منه كائناً يستحق أن يتعامل معه الناس بكل احترام وتقدير.. فقال تعالي في القرآن الكريم: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفهقون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً".
وقد أنبأنا ربنا سبحانه وتعالي في كتابه العزيز انه قبل أن يعرض الأمانة علي الإنسان عرضها علي الجماد "السماوات والأرض والجبال" لكن الجماد هذا أشفق علي نفسه من تحمل الأمانة فاعتذر عنها.. وهو مفهوم يجعل المسلم دائماً لديه تصور بأن الجماد له إرادة وله قرار فما بالك بالكائن الحي.. يقول تعالي: "إنا عرضنا الأمانة علي السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً".. وقال جل شأنه: "لو أنزلنا هذا القرآن علي جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله".
وإذا كانت هذه حقيقة الحيوان والجماد في المفهوم الإسلامي فما بالك بحقيقة الإنسان وحقوقه ووضعيته.. وهو الذي كرمه الله سبحانه وسخر له كل المخلوقات لتكون في خدمته.. ونحن هنا نتحدث عن الإنسان كإنسان.. بصرف النظر عن دينه وجنسه - ذكر أم أنثي - وعرقه ولونه ولغته ومستواه الاجتماعي والثقافي.
يقول تعالي: "ولقد كرمنا بني آدم".. وقال: "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك".. ويقول: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض".
ومن باب التكريم والإكرام يخاطبنا ربنا - سبحانه - بكل إعزاز وتقدير: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد".. و"يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم".. و"يابني آدم لا يفتننكم الشيطان".
وفي الخطاب القرآني حديث مباشر إلي الناس جميعاً يحمل الحب والرحمة والمغفرة.. ويؤصل إنسانية الإسلام.. فيقول تعالي مخاطباً رسوله الكريم: "نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم".. ويقول: "إن ربي رحيم ودود".. ويقول: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني".. ويقول: "قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إن الله يغفر الذنوب جميعا. إنه هو الغفور الرحيم".
وهكذا تتأكد إنسانية الإسلام.. فالله سبحانه وتعالي خلق الإنسان في أحسن صورة.. وعلمه بالقلم.. وهداه إلي الطريق القويم الذي يضمن له حياة سعيدة.. وأكرمه وأعزه.. وضمن له ألا يجوع ولا يعري في هذه الحياة.. ومنحه نعمة العقل التي بها يختار ويعبر عن إرادته.. وأحاطه بحبه ورحمته.. فإذا أخطأ غفر له.. وإذا تاب فتح له باب الخلاص.. وفي الحديث الشريف يمثل لنا الرسول الكريم - صلي الله عليه وسلم - فرحة ربنا بعودة الإنسان التائب كفرحة الأعرابي بناقته التي شردت منه في الصحراء القاحلة.
هذه بعض لمحات من إنسانية الإسلام.. وأكمل الأسبوع القادم إن شاء الله.
|