المحل لا تزيد مساحته علي متر في متر.. والبضائع القليلة الموجودة علي الأرفف الخشبية المحدودة.. لا يتجاوز رأس مالها الـ 500 جنيه بحد أقصي .. وأغلي ما في الدكان ثلاجة زجاجية بها بعض المشروبات الغازية والعصائر تقدمها شركات الكازوزة من باب الدعاية المجانية نسيت أن اذكر لك أنك ستجد علي باب الدكان بالونات محلقة تبدو ذابلة مثل صدر عجوز تجاوزت السبعين.. وتحت شجرة دائما يجلس وفي يده جريدة الأهرام مفتوحة غالبا علي صفحة الوفيات.. وأمامه صديق في مثل سنه.. يتطلعان إلي بعضهما البعض كأنهما يمارسان اليوجا.. وكلاهما يلتمس في آخره .. آخر ما تبقي من الحياة..
ذات يوم بينما الأفندي الذي يحمل أوراقه يرصد المشهد يوميا ويعبره صامتا.. لاحظ ان رجل الدكان بشعره الابيض وعمره الذي يناوش الثمانين.. يصعد فوق الرصيف بسيارة 128 موديل السبعينيات ويركنها علي مقربة منه هنا ايقن الافندي أن عمنا هذا موظف كبير بالمعاش كما تبدو من هيئته المهندمة ونظافته الواضحة ووقاره الزائد.. وان محله هذا ما هو إلا للتسلية.. وتأكد له هذا عندما رآه ينزل من عمارة قديمة تبعد 150 مترا بالكاد من هذا الذي نسميه تجاوزا بالمحل.. وغالبا ما يقطعها بالسيارة.
ولأن الأفندي هذا من أرباب الصحف والكتب وهذا الداء البطال في عصرنا الذي يعرفونه بالثقافة.. أراد أن يقدم للرجل هدية قد تسعده وتشغل فراغه المميت هذا.. توقف عنده ذات مرة واخرج من حقيبته التي يحملها كأنها أوزاره في الذهاب والإياب.. بعض الصحف وكتاباً دينياً بسيطاً وقدمها الي رجل الدكان.. أخذها بامتنان وابتسامة تعتصرها فتتساقط منها قطرات المودة الخالصة.. وقبل ان يمضي الافندي الي حال كتابته استوقفه الرجل وفتح الثلاجة واخرج منها علبة عصير ومعها القسم الأعظم برب الكون ان يتقبل هديته والا يكسر بخاطره.
وعلي مدي مرات قادمة لا نذكر عددها علي وجه التحديد تكرر المشهد بين الافندي "ابوجرائد" .. والعجوز "أبوعصير" لا الأول سأل عن اسم الثاني.. ولا عن وظيفته ولا تبادلا حديثا من أي نوع.. الا كلمة وحشتني كان العجوز يرددها اكثر من سبع مرات وكأنها تعويذة محبة يلقيها علي مسامع الافندي الذي يتصرف في خجل ولا يدري ماذا يقول لمن احاطه بكل هذا الحب مقابل جرائد قتلها صاحبها قراءة حتي كادت كلماتها تنفد.. وكيف لا.. والحياة نفسها تنفد وتنتهي.. وهكذا ايقن الافندي عندما عبر علي المحل كالمعتاد ووجده مغلقا.. وعند باب العمارة القديم وجد شادرا للعزاء.. وعلي الفور ربط بين هذه وتلك .. لكنه لم يجرؤ علي السؤال لانه لا يعرف اسم رجل العصير وبعد ايام استجمع شجاعته وسأل البقال الموجود اسفل العمارة القديمة:
- امال فين عمك مدحت "هكذا اختار له اسما يناسب مظهره وفعلها من باب التخمين".
نظر اليه البقال مندهشا.
- مدحت مين؟.. انت تقصد عمك محسن؟
ولما هز الأفندي رأسه بنعم.. كانت اجابة البقال قاطعة:
- تعيش انت!!
في هذه اللحظة فقط وقف يقرأ الفاتحة علي روح رجل أحبه ولم يعرف اسمه الا بعد مماته!!
وفي الطريق كان يتردد في سمع الافندي قول الأمام الشافعي:
احب من الأخوان كل مواتي
وكل غضيض الطرف عن عثراتي
يوافقني في كل أمر أريده
ويحفظني حيا.. وبعد وفاتي!!
 
 
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
Email: eltahrir@eltahrir.net
بيان الخصوصية

الجمهورية - المساء - The Egyptian Gazette - Le Progres

شاشتي - الكورة والملاعب - عقيدتي - Egyptian Mail - Progres Dimanche

العلم - كتاب الجمهورية