اتصل بي الأستاذ كامل زهيري.. منذ 3 سنوات ليهنئني بصدور العدد السنوي من جريدة "الجماهير" المستقلة.. التي كنت رئيسا لتحريرها في ذلك الوقت.. قبل أن أقدم استقالتي.. وقال لي: انت عملت عدد "كويس" قوي يا عبدالوهاب.. أنا ماكنتش اعرف أنك صاحب امكانيات بالشكل ده.. مانشيت.. "الإدارة بالمزاج".. بيقول كلام كتير.. استمر وربنا يوفقك.. بس أنا عايزك تهتم أكتر بالقضية الفلسطينية.. هي دي أكبر هموم العرب..
عرفت الكاتب الكبير كامل زهيري.. قبل أن أعمل بالصحافة.. فقد تربيت علي كلامه سواء في روزاليوسف أو الجمهورية.. كان عموده اليومي.. "من ثقب الباب" في الصفحة الأخيرة بالجمهورية.. هو الزاد المهم لي كل صباح.. وكنت احرص علي الاحتفاظ بالصفحة الأخيرة في ملف خاص جنبا إلي جنب مع عمود "فكرة" لمصطفي أمين.
تعلمت من كامل زهيري.. أن أهم ما يجب أن يشغل الكاتب.. الدفاع عن الديمقراطية والحرية.. والقضية الفلسطينية.. أحببت كتاباته عن باريس.. وشوارع باريس.. والأماكن التي كان يقيم فيها هو.. وكل المبدعين من المصريين الذين أقاموا في باريس أمثال د. طه حسين ونجيب محفوظ وغيرهما.. كنت أشعر أنه التصق بباريس.. عشق سحرها.. ونقله لنا.. فعشقتها.. لعشقه لها.
مازلت أذكر كلامه عن حي الفنانين الذي أقامته باريس بجوار الكنيسة المعلقة.. وكيف اختارات باريس أعلي بقعة.. لتقيم فوقها حياً للفنانين.. إيمانا منها بقيمة إبداع العقل البشري.. وأنها بلد الحرية.. تفتح ذراعيها وقلبها لكل فنان.. لديه موهبة الرسم.. يجلس في هذا الحي.. ليبدع بريشته.. أمام الزائرين من مختلف أنحاء الدنيا الذين يأتون إلي باريس.. وكانت فلسفة كامل زهيري.. أن باريس تريد أن تؤكد للعالم أنها بالفعل بلد يستقبل كل مبدع.. وتمنحه الفرصة وقبلها الجنسية الفرنسية كوطن ثان لهؤلاء أصحاب المواهب.
لقد سدد كامل زهيري ثمن تمسكه بمبادئه وبما يؤمن به.. غاليا.. فقد كان وهو رئيس مجلس إدارة مؤسسة روزاليوسف.. رافضا ومعارضا عنيدا لسياسة الرئيس الراحل أنور السادات في مسيرته نحو السلام والتطبيع مع إسرائيل.. ونقله السادات ليعمل كاتبا متفرغا في الجمهورية.. وعهد لرئيس تحريرها في ذلك الوقت الأستاذ محسن محمد.. بعمل اللازم لتجميد كامل زهيري بالجمهورية.. وعدم السماح له بكتابة أفكاره المعارضة للسلام.. ولكن محسن محمد.. فعل العكس تماما.. ومنح الفرصة كاملة للكاتب الكبير كامل الزهيري.. في عمود يومي وبالصفحة الأخيرة.. وهو ما يحسب للأستاذ محسن محمد.. استمر كامل زهيري في كتابة معارضته العنيفة لسياسة أنور السادات.. تحت حماية رئيس التحرير محسن محمد.
كان مقال كامل زهيري في الجمهورية.. وراء زيادة توزيعها.. نتيجة لإقبال القراء وتلهفهم علي ثقب الباب يوميا.. فقد كان العمود الأكثر معارضة في كل الصحف القومية في ذلك الوقت.. وهو ما فطن إليه أستاذنا محسن محمد.. فما أعظم من أن تخرج صحيفة قومية.. وبها مقال معارض لسياسة رئيس الدولة.. وهو مازال في الحكم.. وهو ما أقبل عليه القراء بشغف وإيمان بصدق وقيمة لكامل زهيري..
لعل كامل زهيري.. من القلائل جدا الذين لا توجد بينهم وبين أي شخص عداء.. فهو إنسان بلا أعداء.. وهذا شيء نادر جدا للعاملين في بلاط صاحبة الجلالة.. كان صديقا للجميع.. لا يعرف سوي الابتسام في وجه كل من يلقاه.. كم كانت سعادتنا بحضوره للجمهورية في المرات القليلة التي كان يحضر إليها.. منذ حوالي 6. 5 سنوات.. وكنا نحرص علي استضافته بحجرتنا التي كانت تضم الزملاء علي هاشم وحسن الرشيدي ومؤمن ماجد والعبد لله.. وكنت أحرص علي الاستفادة من معلوماته وآرائه.. في مختلف القضايا. فقد كان موسوعة مستقلة.. يتحدث عن القاهرة.. وشوارعها ومقاهها ومبانينها.. كما يتحدث عن باريس.. كان مولعا بالأدب الفرنسي.. متأثرا بفيكتور هوجو.. وموليير وفولتير والفونس دوديه.
سألت كامل زهيري.. من من أدباء فرنسا يعادل شكسبير في الأدب الإنجليزي.. أجاب.. لابد أن نعترف بأن فولتير صاحب فضل في الثورة الفرنسية سنة ..1789 فقد قامت علي مبادئه وأفكاره.. ولابد أن نذكر أن الفونس دوديه.. كان السبب الرئيسي لاتجاه د. طه حسين للفرنسية.. بعد أن قرأ له.. وأحب الفرنسية بسبب اعجابه بهذا الأديب المبدع.
كان كامل زهيري عملاقا.. شامخا.. لم ينحن يوما.. أو يغير مبادئه أو ينافق الحاكم أو أصحاب السلطة والنفوذ.. كان كاتبا في قوة صحفية كاملة.. عملت له السلطة ألف حساب.. وعاقبته أصعب عقاب.. حيث انزلته من رئيس مجلس إدارة.. إلي كاتب في صحيفة.. ليصبح أشهر وأكبر كتابها.. بل وكتاب مصر والعرب كلهم.. من لم يقرأ مقالات كامل زهيري.. فاته الكثير.
كان كامل زهيري.. مدرسة تخرجنا جميعا فيها.. تعلمنا منه كيف نتمسك بما نؤمن به.. لقد تنبأ بانقسام العرب واختلافهم علي اتفاقية السلام المصرية.. وكان يردد في كل مقالاته.. أن الإسرائيليين يخادعون.. ولا يعرفون السلام.. ولا يريدونه.. ولا يؤمنون به.. وأنهم إرهابيون.. لا يعرفون سوي البندقية والمدفع والطائرة.. وقد صدقت نبوءاته..
كان كامل زهيري.. نموذجا.. لم يلهث وراء منصب.. أو يرتمي في أحضان النظام.. أو يبيع مبادئه بأي ثمن.. كان مقاتلا يحمل قلما عتيدا.. صادقا.. لذلك دخل قلوب القراء بسهولة وسرعة.
إن أمثال كامل زهيري.. لا يموتون أبدا.. فسوف تظل مبادئه وقيمه وعظمته وشموخة.. في وجداننا مدي الحياة.
 
 
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
Email: eltahrir@eltahrir.net
بيان الخصوصية

الجمهورية - المساء - The Egyptian Gazette - Le Progres

شاشتي - الكورة والملاعب - عقيدتي - Egyptian Mail - Progres Dimanche

العلم - كتاب الجمهورية