فاجأتنا الزميلة ناهد الشافعي الكاتبة الصحفية بمجلة "صباح الخير".. بمولودها الأول "طيار طار حلمه".. وهو كتاب من الأدب الساخر.. والمفاجأة في أن ناهد تكتب بمثل هذه السخرية.. وتترجم لنا معاناة الناس وقسوة الحياة.. بهذا الأسلوب البديع.. بداية من استخدام الميكروباص في الذهاب والعودة للعمل.. مروراً ببطاقة التموين.. وأزمة الثانوية العامة.. وقضية البطالة.. والاحتقان في الشارع.. وأرقام المحمول المميزة.. وغيرها.
لكن أجمل ما في كتاب ناهد الشافعي.. أنها تغلغلت داخل مافي نفس الإنسان.. وعكسته علي الورق.. وبمعني أدق.. كشفت لنا ناهد الشافعي ما في داخلنا جميعاً.. أو ما قد لا نبوح به لأحد.. من معاناة وصعوبات.. وقسوة الحياة.. ومواقف يومية.. وهذا هو سر عظمة كتابها "طيار طار حلمه".. ولعل عنوان الكتاب.. هو المترجم الحقيقي لما بداخله.
تعالوا نغوص في أعماق ناهد الشافعي.. وما قالته لنا عن علاقة أبناء هذه الأيام بآبائهم.. وكيف صورت لنا الأزمة في حوار بليغ بين أب وابنه.. وهو يقول لوالده: بابا هذا قرار نهائي.. وكيف أخرج الابن ما في داخله.. ليقول لوالده: مش عاوز مصيري يبقي متعلق بقرار واحد غيري.. العميد مثلاً.. وكمان الأمن.. كل سنة مش بتقرأ عن أوائل رفض عمداء كلياتهم يعينوهم لأسباب غير مقنعة.. أنا عارف دول اترفضوا ليه.. عشان ماعندهمش واسطة.. أو عشان الأمن مش راضي عنهم.. مش فاكر جارنا اللي طلع الأول من كام سنة.. أنا قابلته وقال لي إنه اترفض عشان كان بيكتب آراء معارضة في مجلات حائط.. بالرغم من أن المجلات دي كانت بتتشال بعدما تتعلق بدقائق.. ويستمر الحوار.. ليقول الأب متسائلاً: أنت كنت بتكتب آراء معارضة؟ يجيب الابن: أنا باحاول أشرح لك أن فيه أسباب كتير ممكن تتسبب اني ماأتعينش.. عشان كده أنا مصمم إن مصيري يبقي في ايدي.. وبعدين حضرتك عارف لما أبقي معيد مرتبي حيبقي كام؟ - الأب: كام: كانوا ميتين جنيه حيبقوا تلتمية.. ويطول الحوار.. أتوقف طويلاً.. أمام هذا الحوار.. الذي رسمته ناهد الشافعي ببراعة.. لتكشف لنا أهم وأخطر ما يواجه المجتمع.. إن الإدارة عندنا.. بالمزاج.. مزاج العميد.. ومزاج الأمن.. ولا يوجد شيء يطبق عليه القانون أو اللوائح المنظمة للعمل.. وللأسف ولا حتي العرف.. انما فقط مزاج المسئول.. وكل مسئول في موقعه.. يلغي القانون واللوائح.. ويعمل طبقاً لمزاجه أو للميل والهوي.. وطبعاً الواسطة.. والمحسوبية.. حتي لو كان مرتبطا قراره بمستقبل أبنائنا.. لعل هذا ما أرادت أن تقوله لنا ناهد الشافعي.. وتدق ناقوس الخطر.. بأن الإدارة عندنا.. في حاجة إلي تطبيق معايير ثابتة لا تعترف بالواسطة.. ولا بمزاج المسئول.. انما المفروض أن تكون الكفاءة هي الميعار الوحيد للتعيين. بالإضافة إلي الدرجة العلمية.. والمؤهلات المميزة.. وليس أي شيء آخر.
الحوار بين الأب وابنه.. ممتع.. ويتعرض لغالبية مشاكلنا وأزماتنا.. وقد صورته ناهد الشافعي بريشة كاتبة تعيش أعماق المجتمع.. و معاناته.. وتلمس عن قرب إلي أي مدي يعيش المسئول في قلق.. وانزعاج.. من أفكار الطلاب والأساتذة.. وأن هم المسئول الأول والأخير.. السيطرة علي الأفكار.. حتي الأفكار!!
من هنا.. جاء حلم السفر الذي يراود شبابنا.. وشبابنا من المتعلمين والمتفوقين.. مش أي شباب.. وهو ما صورته لنا ناهد الشافعي.. بدقة واتقان.. في إصرار الابن المتفوق.. النابغ.. علي السفر للخارج.
وتستمر ناهد الشافعي في تصوير ما نعاني منه.. علي لسان الأم.. السيدة التي أنجبت الطالب الأول علي دفعته.. أو أفضل ما في جيله.. فهو الأول طوال دراسته.. انظروا ما قالته ناهد الشافعي.. علي لسان الأم.. "أنا حاسة إنه مقهور!".. ويكفي أن يقول الأب: انتي مصدقة أن القسم بتاعه مش محتاج معيدين السنة دي.. ويجيء الجواب سريعاً: الولد قال إن فيه طالب في الدفعة بتاعة السنة الجاية شايلين له الوظيفة.
لا أريد أن أتعرض لكتاب ناهد الشافعي "طيار طار حلمه".. أكثر من ذلك.. لأمنح القاريء متعة قراءته.. فهذا الكتاب يستحق القراءة..
بقي أن أقول.. أن الكاتبة الصحفية ناهد الشافعي.. هي كريمة الصحفي الكبير الأستاذ مرسي الشافعي رئيس مجلس إدارة "روز اليوسف".. رحمه الله.. وانها دخلت روز اليوسف والتحقت بمجلة "صباح الخير".. عندما كان والدها يتولي مسئولية المصور "دار الهلال".. وبعد انتقال الأستاذ مرسي الشافعي إلي رئاسة روز اليوسف.. لم يكن يعرف أحد أن ناهد الشافعي.. ابنته..
أقول.. لناهدالشافعي: نحن في انتظار كتابك التالي.. ومهما طارت أحلام مازلنا قادرين علي الحلم من جديد.. احلمي.. كما قلت لنا.
 
 
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
Email: eltahrir@eltahrir.net
بيان الخصوصية

الجمهورية - المساء - The Egyptian Gazette - Le Progres

شاشتي - الكورة والملاعب - عقيدتي - Egyptian Mail - Progres Dimanche

العلم - كتاب الجمهورية