أشرف توفيق
حينما جاءها طلق الولادة لم تكن تعلم أن وليدها سيكون مصدر تعاستها وسر شقائها.. حملت به بعد أن ظلت لسنوات طويلة تعاني من انسداد في القنوات لم تعالج منه إلا بتدخل جراحي ولمي حدث ذلك إلا بعد أن خسرت الجلد والسقط فقد هجرها زوجها وتزوج بأخري أنجب منها ستة أولاد ذكوراً وإناثاً وأصبحت حياتها معه علي المحك إلا أن الست "همت أبوزيد" مثلها مثل الكثير من بنات البلد لم تتخل عن صغيرها حامد محمود لم تبخل عليه بشيء وأعطته جهدها وعرقها وخرجت إلي سوق القرية تبيع الفجل والجرجير والخضروات و من ربحه البسيط قامت بتعليم صغيرها فكانت تقوم مستيقظة من الفجر حتي تحجز مكاناً لها في سوق البندر وتظل طوال اليوم تبيع الخضروات وتعود إلي بيتها حامدة لربها شاكرة لفضله ونعمه.
ظلت همت علي ذلك سنوات طويلة حتي أتم حامد تعليمه الجامعي وتخرج في هندسة القاهرة وأصبح يمتلك مكتب استشارات هندسية من أكبر مكاتب العاصمة وطوال تلك السنوات كان يعود والدته مرة كل شهر وكانت تسعد لرؤيته وتغدق عليه من الحنان الكثير وتسهب في الدعاء له بالبركة في المال والولد وطول العمر ومرت السنوات مسرعة كالبرق وكبرت همت وأثقلها المرض وأصبحت طريحة الفراش لا تغادره وندرت زيارات حامد لها وانقطعت أخباره فازدادت شوقاً لرؤية وحيدها واكتوي قلبها بنار الفراق التي حرمها ابنها منه وهو علي قيد الحياة وبانقطاع أخبار ابنها انقطعت عنها الأموال وباعت كل ثمين لديها حتي تنفق علي المأكل والعلاج وتعرضت للاستدانة وذل السؤال وازدادت حالتها الصحية تدهوراً فنصحها أحد جيرانها باللجوء إلي القانون حتي تحصل علي نفقة من ابنها الجاحد إلا أن نفسها لم تطاوعها علي فضح ابنها فآثرت الصمت واكتفت بالدعاء وظلت علي عهدها له حتي استيقظ أهالي القرية ذات صباح علي مكبر الصوت بمسجد القرية ينادي علي وفاة المرحومة همت أبوزيد والدة المهندس الاستشاري الكبير حامد محمود والذي جاء إلي القرية التي غاب عنها منذ سنوات وأقام لها سرادق عزاء خمس نجوم كلفه آلاف الجنيهات ليليق بزائريه من أهل المحروسة الكبار وفي السرادق الكبير ازداد الهمس والغمز وما كان يخاف منه حامد طوال حياته أصبح حقيقة وانكشف المستور وعرف أهل المحروسة الكبار أن ابن الصفوة زوج بنت الأكابر ما هو إلا ناكر جاحد عاق لوالدته بائعة الفجل والجرجير والتي ربته بعرق جبينها من البيع والشراء وترحم الجميع عليها واحترمها أهل الصفوة وأثنوا علي صنيعها وامتقتوه وانتقصوا من قدره وقد كانت تلك البداية لعدالة السماء.
 
 
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
Email: eltahrir@eltahrir.net
بيان الخصوصية

الجمهورية - المساء - The Egyptian Gazette - Le Progres

شاشتي - الكورة والملاعب - عقيدتي - Egyptian Mail - Progres Dimanche

العلم - كتاب الجمهورية