مازال المشهد العربي الحالي بكل أحداثه وتفاصيله يشكل موقفاً ملتبساً يميل إلي الضبابية عند محاولة البعض فك تعقيداته أو فهم أو تنبؤ ما سيؤدي إليه في المرحلة القادمة.. خاصة ان الثورتين المصرية والتونسية "وهما العنوان الابرز في هذا المشهد" مازالتا متلمستين خطواتهما الأولي رغم ما يعترضهما من عراقيل بعضها "متعمد".. وما يحدث في ليبيا.. اليمن.. سوريا.. والبحرين.. مازال خطوطاً تتقابل أو تتقاطع مع حالة الفوران الوطني بالعالم العربي.. أما القوي الكبري.. والتي تعاني هي الأخري من تدني أوضاع اقتصادية دفعتها للبحث عن تغيرات للمرور منها.. لم تكتف بدور المراقب لكل ما يحدث في المنطقة العربية.. بل القت بثقلها..
تارة بمحاولة اجهاض هذه الثورات بمساعدة قوي اقليمية مستخدمة رصيدها المتغلغل في الأنظمة السابقة وتارة أخري بمحاولة "التودد" للانظمة الوليدة وجذبها لدائرتها.. ولفهم كل تفاصيل هذا المشهد.. وتداعياته.. عقد حزب "التحرير" ندوة حملت عنوان "المتغيرات الاقليمية واثارها الاستراتيجية علي الوطن العربي" حضرها عدد من المتخصصين والمحللين والمتابعين للشأن الدولي والعربي.. وجمع من الإعلاميين والمهتمين.
محور الاعتدال
كانت البداية للدكتور.. مصطفي اللباد.. الخبير في الشئون السياسية ومدير مركز الشرق.. حيث توقف أمام عنوان "النظام الاقليمي البازغ".. بأن هناك خمس دول لما لها من مقومات تؤهلها للعب أدوارها وهي "مصر.. تركيا.. إيران.. السعودية وإسرائيل".. يضيف ولكن اتوقف أمام المأزق الأمريكي بالمنطقة ولا أؤيد الكلام الذي يقول ان دور امريكا انتهي.. امريكا تقوم علي أعمدة الربح.. هي "النفوذ الاقتصادي.. الانفاق العسكري.. القدرات التكنولوجية وقوتها الناعمة.. هي مازالت أكبر اقتصاد في العالم.. ورغم تخفيض ميزانيتها العسكرية الا انها مازالت تنفق نصف دول العالم علي التسليح.. والقدرات التكنولوجية رغم تفوق اليابان والصين.. مازالت تتقدم عليهما.
القوي الناعمة.. وهي تعني مدي تأثيرها في العالم.. فاللغة الانجليزية مقارنة بالصينية هي الأولي علي هذه الثقافة والمنتجات الأمريكية.. لهذا ليس وارداً ان تخسر موقعها.. ولكن بعد عقدين وطبقاً للمؤشرات تري ان الصين هي الأقرب لتتصدر أو يكون هناك نظام دولي متعدد الاقطاب.. نعود لأزمة أمريكا في المنطقة نقول انها اعتدت علي ما يسمي محور الاعتدال.. واسرائيل لديها مقومات ولكن ليس لديها قبول بالمنطقة هي تلعب دور المخرب.. هذا بالاضافة لفقدها لايران بعد قيام الثورة الإسلامية عام "69" وتردي علاقاتها مع تركيا.. لكن هذا ادخل إيران وتركيا في حالة صراع معها لتتصدر المشهد بالمنطقة.
يضيف دكتور اللباد.. ايران في الفترة الأخيرة يحتدم الصراع بينها وبين الغرب تحت اسم الملف النووي.. ولكن هذا الملف ليس مطلوباً بحد ذاته ولكن ابعادها عن لعب دور اقليمي.. خاصة ان هناك ما يسمي "بدور اقليمي عربي" بدأ مغ غزو صدام للكويت الذي صنع شرخاً وبعده لأول مرة يوافق العرب علي امتلاك دولة عربية.. ايران متحالفة مع النظام في سوريا ومع حزب الله في لبنان وتركيا تكسب تعاطف الشارع العربي منذ مؤتمر "دافوس" وبعده اسطول الحرية.. حتي أصبح "أردوغان" صاحب شعبية في العالم العربي لان القضية الفلسطينية هي "المحرك".. وبدأنا نري حالة من التنافس التركي الإيراني.. والصراع العربي الأمريكي الإيراني هو مساومات فأمريكا لديها مشكلة في الشرق الأوسط فالثنائيات التي خلقتها "الهند وباكستان.. العراق وإيران.. العرب وإسرائيل" في محاولة لمنع سيطرة طرف.. انتهت الان.
عودة مصر
* الكاتب والمحلل السياسي.. أحمد عز الدين.. الذي ابدي تحفظاً علي مصطلح ثورات الربيع العربي.. مؤكداً ان ما حدث في مصر وتونس ثورة حقيقية.. لانهما ثورتي شعب ولكل بلد خصوصياته.. فالشعب المصري كله بجميع فئاته صنع هذه الثورة وليس الشباب فقط لان مصر كانت قنبلة موقوتة والشباب لهم دور محترم كان هو المفجر وما يقال انها كانت ثورة "حريات" هذا غير صحيح.. فقد كان قوامها الأكبر من الطبقة المتوسطة التي سقطت اجتماعياً في العالم كله منذ ثورة الارجنتين فخرجت عن حدود صمتها واغتصاب حقوقها هو نوع من التمرد والرفض.. وهو أيضاً ما غير شكل خريطة العالم.
هي ليست ثورة "ليبرالية".. بل ثورة لها طبيعة شعبية هو الذي فجرها وحدد ابعادها.. ومنها السيادة الوطنية وهو مقياس نجاحها.. هناك.
يضيف.. هناك دور خارجي كبير في المراحل التالية للثورة.. امريكا لا يعنيها شكل النظام إسلامي أو غير إسلامي.. كل ما يعنيها أداء هذا النظام.. الا يكون معيقاً لاستراتيجيتها والا يغير من المعادلات الاقتصادية وان يتمثل لطلبات هذه الاستراتيجية.. فالفكرة الأساسية لضرب أفغانستان هو استخدام القوي المسلحة كاستثمار اقتصادي.. ولكن جاءت العوائد أقل من التكلفة فما حققته المقاومة في العراق وافغانستان.. منعا الاستثمار في هذه البيئة.. وكل الشركات الأمريكية لم تحقق النتائج التي كانت تتوقعها.. تكلفة الحرب "2" تريليون دولار فهي أكبر الحروب تكلفة في التاريخ وعوائدها أقل..
يضيف عز الدين.. نأتي لحلف الناتو.. الذي هو منظمة مسئولة عن مواجهة "الاتحاد السوفيتي" في الماضي وحماية أوروبا وان يلعب دوراً في جنوب المتوسط وهو ما حدث في ضرب ليبيا ومحاولة جره للدخول في سوريا.. وتركيا التي سمحت بنصب درع صاروخية علي ارضها وما يشاع ان هناك توتراً مع إسرائيل هو غير حقيقي.. فالتعاون العسكري بينهما مازال قائماً.. هناك تعميق لدور حلف شمال الاطلنطي.. لان المعارك لم تعد من الدول بل اصبحت داخلها.. فأمريكا والغرب يعانيان من أزمة مالية طاحنة ويريدون فتح أسواق ولو بالقوة والحصول علي مواد خام رخيصة وهو شكل من أشكال الاستعمار القديم.. الظاهرة الاستعمارية استمرت "500" عام ولكنها سقطت في "24" عاماً.. السقوط أسرع.
أما بعض القوي الاقليمية فهي لا تريد تكرار نموذج الثورة المصرية.. الجميع مشتركون في تحويل الثورة المصرية لكائن معاق واجهاضها أو تحويلها عن مسارها تمويلاً ودعماً.. لانهم يعرفون ان مصر لو عادت لقوتها ستعيد تشكيل المنطقة لانها مفتاح التغيير كما قال نابليون "قل لي من يسيطر علي مصر.. اقل لك من يسيطر علي العالم" فوضع مصر ليس مؤثر علي المحيط الاقليمي ولكن علي الساحة الدولية.
قاعدة شعبية
* مسترجعاً التاريخ في فهم ما يجري علي ارض الواقع يحلل لنا دكتور أحمد راسم.. رئيس الحزب.. ان التحولات السياسية لا تجري بين ليلة وضحاها. وكذلك علي مستوي الدول.. حين نقول ان أمريكا كامبراطورية قد انهارت.. فتذكر الأسد الانجليزي العجوز "بريطانيا" التي سببت لنا كل هذا علي مدي مائتي عام.. وحين سقطت تلك الامبراطورية فعليا مع نهاية الحرب العالمية الثانية.. رغم انها لم تهزم ولكن لانها خرجت منهكة.. هي لم تنزل شبراً من الأرض العربية الا وزعت به "لغماً" "حلايب وشلاتين.. الاسكندروية صراع إيران والامارات علي الجزر الثلاث.. وهو لغم بريطاني فرنسي.. في عام "1956" حين شنت حربها علي مصر بالاشتراك مع فرنسا.. فهي كامبراطورية مهزومة لم ترفع الراية البيضاء بل بقي لديها الأمل لاستعادة بعض من قواها.. كانت هناك قوي بازغة هي "أمريكا" اجبرتها علي الانسحاب الذليل.
ميزة الربيع العربي ان لديه قاعدة شعبية.. والانظمة لم تتعامل فكراً بفكر ولكن بقمع.. رغم ان الإسلام جاء بالفكر في قرآنه "اقرأ".. اهمية المعطيات الراهنة حين تتحدث عن مضيق "هرمز" هو ليس تعاطفاً مع إيران.. فالسياسة العربية تقول ان إيران خطر.. فقد بدأوا في تعميق جدار الفصل المذهبي بين السنة والشيعة منذ بداية الثمانينيات.. مئات الكتب وعشرات ورش العمل كلها من أجل حصار إيران لانها شيعية.. رغم ان شاه إيران كان شيعياً ورئيساً لدولة شيعية وكان لا أحد يسب الشيعة "كلنا سنة وشيعة".. وحين هاجم الشعراوي الشيعة وكان وزير الأوقاف وغضب الشاه واحتج للسادات وعده السادات بإخراجه من الوزارة وفعل.
سياسة الحصار ليست قصراً علي العالم العربي فهناك "كوبا" السيد الأوحد للعالم يقرر وعلي الكل ان يصغي ويطيع.. أما مشكلة الملف النووي الايراني لم تطفو علي السطح الا في القرن الواحد والعشرين رغم ان المفاعل بني في عهد الشاة بمباركة الغرب.. ولكن لأن إيران خارجة عن اللعبة لابد من ممارسة الضغوط عليها فخرج هذا الملف.
نحن لا ندافع عن اسماء.. وبرهان غليون اعطي صورة واضحة لسوريا بعد الأسد وحتي قطع العلاقات مع إيران والمقاومة.. إذن المسألة ليست لها علاقة بالديمقراطية.. رغم ايماننا العميق بحق الشعوب.. لان أي نظام يقوم علي أساس الحزب الأوحد هو نظام يقوم علي مصادرة حقوق الشعب.. الغرب يريد رسم خريطة المنطقة.. حين خرجت العراق من السيطرة فلابد من ادخال سوريا الذين يريدون فصمها عن إيران وحزب الله والعراق وحركة حماس لتترك سوريا.
روسيا وأمريكا
* في ورقته البحثية التي اعدها عن تلك المتغيرات يؤكد.. الباحث ايهاب شوقي ان في ظل ما تشهده الساحة الدولية من ارتباك وقلاقل اقتصادية واجتماعية نتيجة توحش الرأسمالية العالمية.. بقيت الساحة العربية وتخومها اكبر البؤر اشتعالاً كميدان دائم للصراعات الدولية.. فإن مصطلح الربيع العربي لا يعبر عما تشهده المنطقة من اضطرابات وتغيرات في توازناتها.. هو ربما يكون دقيقاً في حالة تطبيقه علي قوي سياسية بعينها حيث ثمار لم تزرعها.. وسألقي الضوء علي اللاعبين الرئيسيين.. وهما أولاً روسيا فوزير الخارجية الروسي "لافروف" أكد ان روسيا جاهزة للعمل مع الاخوان المسلمين.. مضيفاً ان التحولات بالمنطقة لم تتغير كليا.. أما بوتين.. فقد صرح بان هناك قوي هدامة في بعض مناطق العالم تسعي لتصعيد التوترات الاجتماعية والعرقية وتهدد أمن الشعوب.
يضيف.. صحيفة "ترود" تابعت التطورات في الخليج مشيرة إلي ان العدوان الغربي المتوقع علي إيران يهدد جزءا من الاراضي الروسية والمياه الاقليمية الروسية في بحر قزوين بالتلوث الاشعاعي ويهدد بتوريط روسيا في تلك الحرب.. وبالنسبة لموقفها من سوريا فقد أكدت انها خط أحمر وأشار "لافروف" إلي ان بلاده ستستخدم حق "الفيتو" لمنع أية اقتراحات للتدخل العسكري في سوريا.. ولم تكتف بهذا بل ارسلت اسطولا لميناء طرطوس السوري.. وهو ما يؤكد ان الموقف الروسي متناسق مع السوري ويرفض التدخل العسكري.
أما أمريكا.. فإن الوضع الاقتصادي في غاية الصعوبة.. الا ان مصالحها تقتضي التدخل العسكري حين الاضطرار له.. كما ان ظروفها الانتخابية ومصالح حليفها الصهيوني تمنع التخلي عن مصالحه وانقاذه مهما كانت التكلفة.. لذا فإن موقفها مرتبك ومتأرجح بين التصعيد والتهدئة.
* وفي نهاية الندوة التي ادارها الباحث دكتور محمود جابر.. اكد ان التغيرات التي حدثت بانظمة عدة دول كان قد مر عليها عقود وشاخت علي مقاعدها ولم تستطع ان تحمي التحالف الامريكي فجاءت الثورات لتحدث ما يشبه الزلزال.. هذه التغيرات التي حدثت بالمنطقة هو ما دعا كل الاطراف الخارجية ان تتعامل بخوف معها.. خاصة انه لا يوجد مشروع قومي يلتف حوله المواطنون العرب بعد غياب المشروع العربي الناصري.. حيث كانت الأمة العربية جزءاً من هذا المشروع وليست مصر.. بكل تأكيد الغرب يبحثون عن سماسرة جدد بعد سقوط "سماسرتهم".. ويحاولون أيضاً وأد الحلم العربي.. ولكن الثورة العربية هي حقيقة ومن الصعب اخمادها.
|