تعدت مشكلة ارتفاع أسعار الغذاء الحدود المحلية والاقليمية لتصبح قضية عالمية تؤرق الملايين علي كوكب الأرض.. وانتفضت منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها مثل منظمة الفاو والبنك الدولي والبيئة والتنمية لعقد المؤتمرات ومناشدة القادة والحكام لتغيير الخطط والسياسات السائدة ووضع برامج آنية ومستقبلية لمحاربة الجوع الزاحف علي سطح الأرض بسرعة قد تهدد الحياة والاستقرار والأمان لبني البشر! في روما العاصمة الايطالية اجتمع أكثر من 40 زعيماً يغطون كافة القارات في "قمة الغذاء" وذلك في يونيو 2008م وفي نفس الشهر اجتمع قادة القارة الافريقية علي أرض مصر في شرم الشيخ وكان أهم المحاور كيف نواجه التحدي لإطعام الناس وتحقيق تنمية مستقرة للمجتمع. منظمة الصحة العالمية حذرت من كارثة إنسانية تتصل بسوء التغذية وعرقلة النمو نتيجة أزمة الغذاء التي أخرت مكافحة الفقر لسنوات طويلة فارتفاع أسعار السلع الأولية يهدد حياة المرضي والحوامل والأطفال وقد تظهر أمراض جديدة نتيجة ذلك تتسبب في وفيات إضافية فمرضي الإيدز يحتاجون إلي تغذية مناسبة لتقوية الجهاز المناعي كما أن المرضي المصابين بأمراض الإسهال والرئة والحصبة والملاريا والحوامل والأمهات اللاتي وضعن حديثاً وأطفالهن يلزم توفير غذاء صحي لهن ومناسب لعدم التعرض للتدهور الصحي والموت. وكما يعلم الجميع فإن الغذاء من المكونات الرئيسية للبقاء واستمرار الحياة ويكفي أن البر والبحر قد أصابهما العبث والتدهور نتيجة فساد الناس وما لحق بالبيئة من تلوث وتدمير وظيفي وجمالي شمل تقريباً كل عناصر البيئة والمحيط الحيوي! قلة إنتاج المحاصيل الزراعية.. وأرتفاع الوقود.. وندرة المياه.. التصحر وعدم تشجيع المزارعين ودعم الفلاحين.. كلها تمثل بعض عناصر أزمة الغذاء إضافة إلي زيادة عدد السكان بما لا يتناسب مع معدلات التنمية وعدم وجود خطط وسياسات واستراتيجيات علمية تلائم ظروف كل دولة لمواجهة ارتفاع أسعار السلع الضرورية ومنها الغذاء. قمة الغذاء في روما والتي حضرها وفود أكثر من 150 دولة فتحت الأبواب لمناقشة كل الافكار وطرح كل الآراء والمقترحات حتي لا ينضم مائة مليون انسان إلي 850 مليون فرد يعانون بالفعل من الجوع والحاجة في العالم. الوقود الحيوي واستخداماته كان عند اكتشافه في العقود الماضية ثورة في عالم المحافظة علي البيئة حيث إنه وقود يتسم بقلة تلويثه للبيئة مقارنة بالوقود الأحفوري.. ولكن أزمة الغذاء وتذمر وتجمهر الجائعين والباحثين عن لقمة خبز جعل الوقود الحيوي أحد المتهمين في هذه الأزمة العالمية. الوقود الحيوي هو طاقة مستمدة من الكائنات الحية سواء النباتية أو الحيوانية وهو أحد مصادر الطاقة المتجددة وينتج الوقود من الذرة وفول الصويا واللفت في الولايات المتحدة وأوروبا ومن قصب السكر في البرازيل ومن زيت النخيل في جنوب شرق آسيا. كما يتم الحصول علي الوقود الحيوي أيضا من التحليل الصناعي للمزروعات والفضلات وبقايا الحيوانات التي يمكن إعادة استخدامها مثل القش والسماد والخشب وقشر الأرز ومخلفات الاغذية وتحلل النفايات التي يمكن تحويلها إلي الغاز الحيوي عن طريق الهضم اللاهوائي. الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل أكبر دولتين تستخدمان الوقود الحيوي وبالتالي يقع عليهما دور إنساني في معالجة أزمة الغذاء العالمية وبالفعل قامت شركة جنرال موتورز الامريكية بالتضامن مع شركة أبحاث كوساتا المتخصصة في الطاقة البيولوجية المتجددة في إنتاج الايثانول من مخلفات المصانع وبقايا البلاستيك والاطارات القديمة وأكدت النتائج أن ذلك سيسهم في تخليق وقود ذي انبعاثات أقل من غاز ثاني اكسيد الكربون كما أنه يتطلب طاقة ومياها أقل من وقود الايثانول المصنع باستخدام الذرة إضافة إلي انخفاض تكلفته إلي أقل من دولار أمريكي واحد للجالون وسترتفع الشركة بالإنتاج إلي مائة ألف جالون بحلول عام 2010. عموماً. الايثانول الحيوي نوع من أنواع الايثانول المستخرجة من مصادر طبيعية أو بيولوجية ويتم استخدامها كمصدر من مصادر الطاقة وخاصة كوقود للسيارات وهو يساعد في تقليل كمية الغازات السامة المتصاعدة للجو مما يقلل من معدلات التلوث البيئي ويحتاج الوقود إلي نسبة 20% من الايثانول لخلطه مع وقود المركبات أي أن كل لتر من الوقود يحتاج إلي 200 ميلليمتر من الايثانول ويتم الوصول إلي الايثانول من الحبوب كالتالي. * ذرة أو قمح ـ نشاء ـ التحليل المائي للنشاء ـ السكر ـ تخمير السكر ـ عملية التقطير ـ ينتج البيو ـ ايثانول. إذن أحد الحلول القائمة للمحافظة علي غذاء البشر ووقف ظاهرة الجوع وذلك بزيادة الأراضي المزروعة وتقدير الاحتياجات الفعلية لاطعام الناس والاعتماد علي الانتاج المحلي من الذرة والقمح والشعير والارز والسكر وتقديم الحوافز والاغراءات المادية والفنية للمزارعين وتوفير الأراضي للشباب لزراعتها وتوفير الاسواق المحلية لهذه المنتجات بما يوفر عائدا مجزيا فالدول الفقيرة والنامية يجب أن تكون التنمية الزراعية من أولويات سياساتها والصناعة والزراعة هي التالية ثم تفكر في الصناعات الأخري ولنتذكر أن الابداع والابتكار المعرفي والصناعي لا يتحقق والانسان قلق ومتوتر ويتسابق في تأمين رغيف الخبز له ولأسرته؟!! علي الجانب الآخر. فإن وقف نزيف حرق الغابات والأشجار بمثل ضرورة كبيرة للمحافظة علي التوازن البيئي الذي أدت ظاهرة الاحتباس الحراري والتغير المناخي إلي تغيير في طبيعة النباتات ونمو المزروعات وتغيير فصول الزراعة "المحاصيل ـ الفواكه" في الكثير من دول العالم وبما أن الوقود الأحفوري ملوث رئيسي للبيئة واستخدام الطاقة البديلة المتجددة هي الطاقة النظيفة والآمنة للمستقبل فإنه يمكن انتاج الوقود من البقايا الزراعية والغذائية وليس من المحاصيل أو المنتجات مباشرة فمثلا يمكن توظيف قش الأرز في انتاج الوقود بدلاً من حرقه وتلويثه للبيئة كما يمكن استخدام مخلفات المجاري في ذلك إضافة إلي التوظيف الأمثل للنفايات والمخلفات في إنتاج الطاقة. إن زيادة الطلب علي الوقود الحيوي نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار النفط والخوف علي المخزون الاستراتيجي العالمي للبترول أدي إلي زيادة أسعار المواد الغذائية بنسبة تصل إلي 30% كما أن نظام المعونات الغذائية من الدول الصناعية والغنية الي الدول الفقيرة لعب دوراً في تفاقم أزمة الغذاء في هذه الدول ويلزم تقديم المعونات بشكل نقدي أو شراؤها محلياً من المزارعين المحليين بدلا من شحنها من الخارج إلي هذه الدول. إن رسالة بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر إلي العالم "بعولمة التضامن" وأن الفقر وسوء التغذية غير مقبولين في عالم يحقق مستويات إنتاج وموارد ومعارف متقدمة وذلك لوضع حد لهذا النوع من المآسي والكوارث الإنسانية.. كما ناشد رئيس وزراء اليابان ياسوفوكودا العالم بفتح المخازن وطرحها في الأسواق وستطرح اليابان أكثر من 300 ألف طن من وارداتها من الارز والمخزنة لديها في الاسواق العالمية رغم ان اليابان اكبر مستورد للاغذية في العالم؟!! والأرز هو الغذاء الرئيسي لشعبها؟!! علي المستوي الأفريقي فلعل أزمة الغذاء هي جرس إنذار للقارة الأفريقية بتفعيل شعار "الثورة الخضراء" وأن يكون إطعام أفواه شعوبنا وملء معدتهم من عرق أيديهم وبجهدهم في مجال الزراعة واستصلاح الأراضي وأن تكون التنمية الزراعية من اولويات سياساتنا وخططنا التنموية كما أن الاهتمام بالابحاث والدراسات حول الطاقة المتجددة أمر ضروري.. إن التوازن بين متطلبات البيئة واحتياجات التنمية يمثل قضية جوهرية لتحقيق الراحة والأمان والصحة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للانسان واستدامة الحياة وتعمير الأرض. والله المستعان
|