العلم عدد ديسمبر 2009

العام المصري - الإيطالي.. للعلوم والتكنولوجيا

تقع إيطاليا في جنوب القارة الأوروبية وتبلغ مساحتها حوالي 300000 كم مربع وتتكون من ثلاثة أجزاء أساسية هي الأرض المتصلة بأوروبا وجزيرتان هما صقلية وسردينيا ويحدها من الشمال جبال الألب ويوجد داخل الأراضي الإيطالية دولتان مستقلتان هما الفاتيكان وسان مارينو يبلغ عدد سكانها 60 مليون نسمة الديانة هي المسيحية الكاثوليكية التي كانت روما مركزاً لها حتي عام 1929 إلي أن تم إنشاء دولة الفاتيكان المستقلة في قلب روما في ذلك العام لكي يتسني لساسة البلاد فصل الدين عن الدولة فعلياً.
تجسد العلاقات بين البلدين نموذجاً عملياً لفكرة المتوسطية التي تسعي مبادرة الاتحاد من أجل المتوسط إلي تحويلها إلي واقع عملي تستفيد من القرب الجغرافي نسبياً في إقامة مشاركة حقيقية تقوم علي تبادل المنافع والمصالح الأمر الذي أدي إلي تطور العلاقات الاقتصادية بينهما بشكل كبير وبمعدلات قياسية في زمن وجيز.
يشمل التعاون بين مصر وإيطاليا العديد من المحاور منها نقل التكنولوجيا الإيطالية إلي مصر في صناعات مثل الأثاث. الجلود. الصناعات الغذائية والكيماوية ودعم برامج التدريب الفني والصناعي وتفعيلا لجهود الشراكة المصرية الإيطالية فقد تم توقيع عدد من الاتفاقيات بين وزارة التجارة الخارجية والصناعة وعدد من الجهات الإيطالية لإنشاء سبعة مراكز لنقل التكنولوجيا وهي تمثل آلية مهمة لتحقيق الأهداف التنموية الصناعية ونجحت خلال هذه الفترة في خدمة 5 آلاف شركة صناعية وتكوين طبقة جديدة من شباب المصممين والمبتكرين وقد كان لها الأثر الواضح في تحسين جودة الانتاج وإعداد الكوادر وفق احتياجات سوق العمل وهذه المراكز هي:
- مركز تكنولوجيا الصناعات الجلدية
- مركز تكنولوجيا الرخام والمحاجر
- مركز تكنولوجيا الصناعات الهندسية
- مركز تكنولوجيا الحلي
- مركز تكنولوجيا دباغة الجلود
- مركز تكنولوجيا الأثاث
- مركز تكنولوجيا التصميمات وفي إطار فعاليات العام المصري الإيطالي للعلوم والتكنولوجيا 2009 وتحت رعاية المكتب الثقافي المصري بروما وأكادديمية كارارا للفنون افتتح يوم 6 مارس 2009 بأكاديمية كارارا للفنون معرض المشغولات المعدنية للدكتور سامي محروس الاستاذ المساعد بكلية الفنون التطبيقية بجامعة المنصورة حيث ضم المعرض خمسين قطعة من المشغولات المعدنية باستخدام معادن كالفضة والنحاس المرصع بطبقة من الذهب في بعض الأجزاء بالاضافة إلي بعض الأحجار النفيسة حيث جسدت تلك الأعمال في مجملها الطابع المصري بأفكاره الإسلامية أو المدرسة الفنية الحديثة والتأثر الواضح بثقافات دول حوض البحر الأبيض المتوسط.
وفي مجال التعاون البيئي.. تم التصديق علي المرحلة الثانية من البرنامج المصري الإيطالي حيث تضمن: تحسين بيئة سيوة. دعم اتخاذ القرار بالنسبة للموارد المائية علي أساس التوازن البيئي. دعم محمية وادي الريان. دعم محمية جبل علبة. الإدارة المتكاملة للمخلفات الصلبة بالمنيا. دعم التراث الحضاري في سقارة والفيوم. علاوة علي تفعيل مذكرة التفاهم مع وزارة البيئة الإيطالية ووزارة الدولة لشئون البيئة لدعم مجالات بناء الكوادر - السياحة البيئية - تغير المناخ - الاستغلال الأمثل للموارد المائية.. واستثماراً للعلاقات المتميزة مع الجانب الإيطالي تم نقل ورش المدابغ والجلود من منطقة مصر القديمة بالقاهرة "مجري العيون" إلي منطقة الروبيكي بمدينة بدر بطريق السويس. يقوم الجانب الإيطالي بتمويل المشروع بمبلغ وقدره مائة وثلاثة وستين مليون جنيه مصري من خلال اللجنة المصرية الإيطالية المشتركة لإدارة المقابل المحلي للديون الإيطالية.
وسماته وعكست روح التناغم بين المدارس الفنية المصرية المختلفة سواء الفرعونية أو القبطية أو والموضة


جامعة مشتركة.. وتعاون تكنولوجي

شهد عام 2009 تطوراً ملحوظاً في العلاقات المصرية الإيطالية كما شهد مستوي غير مسبوق من التعاون في مرحلة جديدة بدأت مع انعقاد أول قمة بين الحكومتين في شهر يونيو 2008 في مدينة روما عندما تم توقيع إعلانين مهمين في مجال الثقافة+ أولهما إعلان عام 2009 بشكل رسمي عاما مصريا إيطاليا للعلوم والتكنولوجيا. وثانيهما إعلان عن التعهد بإنشاء جامعة مصرية إيطالية.
وتشمل العلاقات الثنائية الإيطالية المصرية مجالات ومسائل ذات أهمية استراتيجية مثل البيئة والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والحفاظ علي التراث الثقافي وترويجه بالاضافة الي علم المواد والتكنولوجيا الحيوية والبحوث في مجال الفضاء والتحديات الكبيرة التي تواجه الطب وغيرها من المجالات الهامة. كما حفل هذا العام بلحظات من التأمل والحوار مابين الثقافات بشأن العلاقة متعددة الجوانب بين الآداب والعلوم وكذلك بين الفنون والتكنولوجيا في الثقافة المعاصرة بالاضافة الي ما تفرضه التقنيات علي فناني اليوم من تحديات جديدة تخص التعبير والمعرفة والثقافة.
وتم افتتاح العام المصري الإيطالي بمكتبة الاسكندرية في العاشر من يناير 2009 بحضور وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري ونائب وزيرة التعليم والجامعات والبحث العلمي الإيطالي ورئيس أكاديمية البحث العلمي والسفير الإيطالي بجمهورية مصر العربية والعديد من رؤساء الجامعات والمراكز البحثية المصرية. وشهد حفل الافتتاح محاضرات في النانوتكنولوجي من كل من نائب رئيس المركز الوطني الإيطالي للتكنولوجيا الجديدة والطاقة والتنمية الاقتصادية المستدامة ENEA وعميد كلية علوم بجامعة القاهرة. ومحاضرة من العالم المصري مصطفي كمال طلبة في علوم البيئة. ثم قام الوزير بافتتاح معرض الصور الإيطالي عن عالم النانو.
وفي الثاني من فبراير تم افتتاح المهرجان السنوي الثالث للعلوم بمكتبة الإسكندرية برعاية أكاديمية البحث العلمي وبالاشتراك مع معهد تقنية البوليمرات Polytechnique الإيطالي والمركز الرقمي للتراث والحضارة بالقرية الذكية. ويعد موضوع "الطاقة" هو الموضوع الرئيسي الذي ألقي بظلاله علي المهرجان باعتباره واحداً من أكثر التحديات إلحاحا في القرن الحادي والعشرين. وحضر المهرجان الاستاذ الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي والبحث العلمي والأستاذ الدكتور يسري الجمل وزير التربية والتعليم. كما شارك فيه العديد من المدارس الحكومية والخاصة والجامعات والمعاهد وكذلك ممثلون دوليون وشهد المهرجان عرضاً للدكتور فتحي صالح عن التوثيق الرقمي للحضارات المصرية المتتابعة ومحاضرة في علوم النانو من الدكتور كارلو نالدي نائب رئيس معهد تقنية البوليمرات بتورينو إيطاليا Prof. Carlo Naldi, Vice Persident, Polytechnique Institute OF Turin Italy وأخري القتها دكتورة مادالينا سكاندولا Dr. Maddalena Scandola عن التركيب الدقيق والنظم البيولوجية وصحب ذلك عرض لمعرض صور عالم النانو من معهد S3 Modena Italy.
وتوالت فعاليات العام المصري الإيطالي للعلوم والتكنولوجيا الذي ارتكز في أجندته علي محاور ثلاثة رئيسية وهي:
* تبادل الخبرات من خلال عقد مؤتمرات وندوات في مجالات متخصصة مما يشجع علي المزيد من مجالات التعاون.
* نشر العلوم من خلال إقامة معارض علمية وعرض أفلام وثائقية وإجراء مناقشات وتقديم كتب وعروض موسيقية وأعمال مسرحية تستهدف جميعها علي وجه الخصوص الشباب لكي يدركوا جمال الاكتشافات العلمية وروعتها وأهمية التقدم العلمي في جميع مجالات الحياة اليومية.
* التعاون علي مستوي التعليم العالي والتدريب المهني وهو ماتجلي في انعقاد العديد من ورش العمل واجتماعات بين الجانبين المصري والإيطالي تخدم هذا الهدف.
اتفاقيات علمية هامة
أثمر عام 2009 عن عدد من الاتفاقيات بين الجانبين المصري والإيطالي تعزز التعاون العلمي بين الدولتين في خطوة هامة تسهم في تنمية كلا الشعبين علي الصعيد العلمي وتتمثل هذه الاتفاقيات في:
** توقيع عقد مشاركة مع مركز أبحاث الماكروبيوتك
عقد مشاركة مع مركز ابحاث الماكروبيوتك لأبحاث علوم التغذية وعلاج مرض السكري بنظام "Ma Pi Diet" وينتج عنها نقل المعرفة وحقوق الملكية الفكرية للطرفين للأبحاث المشتركة.
كذلك تضم الاتفاقية تدريب أطباء وزراعيين وطهاة في المركز الإيطالي يتم تخصيصهم لهذا المشروع وإنشاء مركز متميز لعلاج السكر بطريقة التغذية في المركز الإقليمي بسوهاج والذي يحتل موقعاً متميزاً في جزيرة نيلية تتمتع بكل الصفات اللازمة للمنتج الصحي المزمع إنشاؤه. ويشترك في هذا المشروع كل من المركز القومي للبحوث. وجامعة سوهاج. ومعهد التغذية. ومعهد السكر.
** توقيع عقد مشاركة مع المركز الوطني الإيطالي للتكنولوجيا الجديدة والطاقة والتنمية الاقتصادية المستدامة ENEA
ويهدف الي تعزيز وتوسيع قدرات البحث في مجال الطاقة لكل من الطرفين المشاركين في ضوء تحقيق ابتكارات ذات الصلة في تكنولوجيات تركيز الطاقة الشمسية وتطوير العلاقات والشراكات المستدامة مع الصناعة لتعزيز التفاعل بين نتائج البحوث والابتكار وتشجيع الاستفادة من النتائج الواعدة الأولية وبناء نموذج أولي في الساحل الشمالي ويمتد بعد ذلك عن طريق الخبرة المصرية المكتسبة الي دول شمال افريقيا وبهدف تصدير الطاقة الي أوروبا. يشترك في هذا المشروع كل من وزارة الكهرباء والطاقة ووزارة البحث العلمي.
*. توقيع اتفاقية بين الجامعة المصرية للتعلم الالكتروني والجامعة الدولية عن بعد بإيطاليا
وتهدف الي تقديم برامج للتعلم عن بعد علي مستوي البكالوريوس والدبلومات العليا والماجستير بالاضافة الي برامج مهنية متخصصة حيث يحصل الطلاب علي شهادة معترف بها من كلتا الجامعتين في أحد المجالات التالية: الاقتصاد وإدارة الأعمال هندسة الاتصالات هندسة الحاسبات تكنولوجيا المعلومات هندسة مدنية هندسة الإدارة الإعلام الحقوق والمؤسسات الدولية.
 

الميكروبيوتيك.. نظام غذائي آمن

في إطار التعاون العلمي المشترك بين أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا وجمعية Un Punto Macrobiotic (upm) بمدينة تولتنيو - بإيطاليا قام كل من الأستاذ الدكتور حسين فوزي حسين أبو زينه أستاذ باحث بقسم النبات - شعبة البحوث الزراعية بالمركز القومي للبحوث والأستاذ الدكتور سعيد إبراهيم شلبي - الأستاذ الباحث بقسم بحوث وتطبيقات الطب التكميلي - شعبة البحوث الطبية بالمركز القومي للبحوث والأستاذ الدكتور محمد صابر محمد السيد - الأستاذ بكلية السياحة والفنادق - جامعة حلوان بزيارة لأكثر من ثلاثين حقلا مزروعاً بأسلوب الزراعة شبه الطبيعية لإنتاج محاصيل الحقل دون استخدام أي أسمدة كيماوية أو مبيدات للآفات.
زيارة لمصانع إعداد بعض المنتجات الغذائية بالطرق التقليدية. ومصانع لصناعة الأقمشة غير الصناعية والبويات والألوان والأثاث والتي تعتمد علي منتجات نباتية وحيوانية طبيعية.
زيارة كلية الزراعة بجامعة "أكوانا" وإجراء العديد من المناقشات العلمية مع أساتذة الكلية حول الزراعة المتعددة وشبه الطبيعية والميكروبيوتك.
زيارة عدة مدن لمشاهدة طرق إعداد الأرز البني والجيلاتين النباتي وغيرها من المنتجات الغذائية.
إمكانية تطبيق المشروع بمصر:
الأستاذ الدكتور حسين فوزي يري الآتي:
إن أسلوب الميكروبيوتك Mapi - Diet أعطي نتائج جيدة لكثير من الحالات المرضية المرتادة للمطاعم بإيطاليا الذين يعتمدون علي هذا النظام الغذائي كعلاج لأمراضهم وأيضا بالنسبة لي علي المستوي الشخصي.
يعتمد نظام الميكربيوتك علي استخدام غذائي آمن واستخدام منتجات زراعية منتجة عضويا في حالة عدم توفر الإنتاج الطبيعي. وعدم استخدام اي كيماويات زراعية وقد أمكن بهذا النظام علاج كثير من الأمراض وخاصة مرض السكر بدون عقاقير ومن خلال نظام غذائي متوازن. وقد لمست ذلك علي المستوي الشخصي ففي اقل من شهر أوقفت استخدام العقار المضاد للحساسية.
ويتساءل الأستاذ الدكتور سعيد إبراهيم شلبي
لماذا لم تطبق هذه التجربة في أي دولة أوروبية أو حتي في إيطاليا نفسها؟ وحيث انه لا يوجد دليل علمي مؤكد علي قدرة هذه الأغذية في الشفاء. فإنه يجب أولاً إتباع هذه الدراسات العلمية قبل التطبيق علي المصريين. وبالنسبة لنتائج تطبيق هذا النظام في كوبا فقد تبين أن مرضي السكر الذين كانوا يعتمدون علي الأنسولين قد توقفوا تماما خلال شهر عن الحقن بالأنسولين واعتمدوا فقط علي هذا النظام الغذائي في ضبط مستوي السكر. فيما عدا مريض واحد تحول إلي العلاج بالأقراص. هذه الملاحظة تثير الجدل الطبي بالنسبة لي كطبيب حاصل علي الدكتوراة في الأمراض الباطنة.
فيجب أولاً اختيار وجبات من البيئة المصرية تناسب الذوق المصري ويتم تقييمها غذائياً وطبياً أولاً قبل تنفيذ الماكروبيوتيك في مصر وتطبيق نظريات الطب الصيني التي يعتمد عليها غذاء الماكروبيوتيك.
فقيام مصر بهذا المشروع وتعميمه. بعد نجاح التقييم الطبي له بمصر. ستكون مصر رائدة في هذا المجال في المنطقة العربية. وخاصة أن بمصر أصناف خضر ومحاصيل ونباتات طبية ذات جودة عالية وصفات لا تتواجد في كثير من الأصناف الإيطالية ويعمل علي عودة التنوع البيئي وتقليل التلوث من خلال الزراعة بدون استخدام كيماويات.. كما سيعمل علي توفير فرص عمل للشباب في منتجات طبيعية مثل الدهانات والألوان وصناعة الأقمشة والأثاث من المنتجات المحلية مثل استخدام بعض المخلفات مثل الألبان والجبن منتهية الصلاحية في صناعة الدهانات.
 

 

تزاوج العلم والفن في معرض لوتشيا كوفي

يعتقد البعض أن العلم والفن قضيبان لا يلتقيان ويستندون في ذلك إلي وجود عدة فروق بين العلم - الذي يمثل جمعا منظما ومثبتا بالبراهين العملية والأدلة لمختلف الأبحاث المادية التي تدرس ميادين محددة في هذا العالم - والفن - الذي يعد إنتاجاً جمالياً ينتجه الإنسان الواعي ويضيفه إلي الطبيعة - وتتمثل هذه الفروق كما يستعرضها الدكتور سامي الشيخ محمد - مدرس فلسفة في قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية بكلية الآداب بجامعة حلب - في وجود فرق في أداة المعرفة. فالأداة التي يعتمد عليها العلم هي العقل. وهو واحد لدي جميع البشر. وموضع اتفاق في النتائج التي يتوصل إليها. فينظر إلي الظواهر من الخارج ويسعي إلي اكتشاف الروابط والعلاقات فيما بينها. بغية التوصل إلي وضع الفرضيات وصياغة النظريات وصولاً إلي القوانين العلمية اليقينية العامة. والثابتة نسبيا.
بينما الأداة التي يعتمد عليها الفن هي الوجدان. وهو ليس واحدا لدي البشر. مما يجعل النتاجات الفنية موضع اختلاف تبعاً لذوق المتلقي لها.
كما يري بعض المفكرين وجود فرق في الغايات والأهداف. فغاية العلم وهدفه المنفعة والمعرفة والتعميم. والتوصل إلي قوانين عامة وثابتة نسبيا. بينما غاية الفن الخلق الفني للواقع والبحث عن الجمال. والتخصيص. كما أن هناك فرقاً في النظرة والمنهج. نظرة العلم ومنهجه في التعامل مع الأشياء تبدأ من انطباع حسي مباشر للأشياء علي الحواس. وتنتهي باستخلاص النظريات والقوانين من المعطيات الحسية الأولية. بعد خضوعها للاختبار والتجريب. بينما نظرة الفن لعالم الوجود. نظرة ذاتية مباشرة تعتمد علي الحدس المباشر.
وهناك أيضاً فرق في اللغة. اللغة التي يستخدمها العلم هي المصطلحات التي تحمل معني واحدا وتدل عليه في أي مكان من العالم. وهي غير قابلة للتأويل والاجتهاد. بينما لغة الفن تنطوي علي معان عديدة. وهي قابلة للتأويل بألف معني ومعني كما يقال. من ناحية أخري هناك فرق بين طبيعة المصطلح العلمي واللغة الفنية. فالمصطلح العلمي من طبيعة كمية أما اللغة الفنية فمن طبيعة كيفية.
وهناك فرق آخر في معيار الصدق. معيار الصدق في العلم خارجي قابل للقياس الموضوعي. أما في الفن فمعيار الصدق داخلي باطني. وغير قابل للقياس الموضوعي لكونه من طبيعة ذاتية فمعيار الصدق فيه معيار ذاتي. وأقرب إلي الاستنارة وإيقاظ البصيرة منه إلي احتمالات التطبيق العملي المباشر. ويوجد فرق في الوضوح والشمول والثبات: العلم معرفة جلية. لها ثبات وشمول. تصل إلي أكبر عدد من الناس بسهولة ووضوح يتعدي الإنكار والتشكيك والتناقض. وتضئ مساحات واسعة من وعي الناس بشكل ثابت ومستمر يترجم إلي فائدة عملية. بينما الفن يحقق ومضات رؤية خاطفة. قد تخترق أبعد مما يحققه السير الأبطأ للعلم وبصور أكثر إبهارا.. ولكنها ومضات خاطفة سرعان ما تنطفئ.
ومن هذه الفروق أيضا فرق في زمن الإنجاز والجهد. حيث إن العلم عملية بطيئة نسبيا وجهد كبير ومثابر ومتصل. يتعدي طاقة الإنسان الفرد في عمره الزمني المحدود. بينما الفن يعتمد علي الومضة الخاطفة القصيرة زمنيا. ويعتمد علي نشاط الفرد الفنان.
ومن ناحية أخري يري البعض أن العلم والفن يتناغمان في ملحمة واحدة تثري الحياة الإنسانية ويضربون الأمثلة علي ذلك بأن أولي الأفكار والتصورات العلمية قد انعكست في الملاحم الشعرية الأولي. وهو ما يتجلي في ملحمة جلجامش السومرية وفي الكثير من ملاحم بلاد الرافدين الأخري. وما سطره أيضا شاعر اليونان الأول. الذي جسد علوم اليونانيين القدامي في ملحمتيه الخالدتين الإلياذة والأوديسا. كما أن رواداً أوائل في علم النفس "مثل يونج وفرويد" استشهدوا بالفن بشكل فعلي وحيوي في صياغة نظرياتهم عن النفس الإنسانية ورغم أن هذا النهج قد تضاءل كما يبدو مع مرور الزمن. فإن التيارات الحديثة والاتجاهات المعاصرة استعادت هذا المزج بشكل واسع في مجالات مختلفة علي نحو يجمع بين الفن والتكنولوجيا وكذلك بين العلوم والتعبير. وهو ما أكد عليه معرض صور من عالم النانو للفنانة لوتشيا كوفي.
معرض صور من عالم النانو للفنانة لوتشيا كوفي
إن معرض صور من عالم النانو هو معرض فريد يمزج بين التصوير الإبداعي الذي يتسم بمعايير الجمال والعلم بجوانبه الجامدة.فقد استطاعت المصورة لوتشيا كوفي الدخول إلي ما هو خفي. وإن كان حقيقيا والتمعن في رقائق دقيقة من مادة لم يسبق لأحد أن رآها. واستكشاف مادة أبعادها المحضة يصعب إدراكها فقد استطاعت التقاط صور لعالم النانو ذلك العالم الذي تبلغ مقاييس الأشياء فيه قليلا من النانومترات. أي واحد علي بليون من المتر. والنانومتر هو تقريبا المسافة التي تشغلها عشر ذرات هيدروجين في صف أو يشغلها جزيء صغير ومثل هذه المسافة يصعب أن تقارن بالحجم المميز للأجسام في عالمنا. واضعين في الاعتبار مثلا أن علامة الوقف في نهاية هذه الجملة عرضها مليون نانومتر. وعالم النانو لا يمكن تصويره بكاميرا. ولا يمكن أن يشاهد حتي بأقوي المجاهر البصرية ولأول مرة تعرض مثل هذه الصور للجمهور فعادة ما تظل مقصورة علي معامل البحث وفوق مكاتب العلماء. والصور عبارة عن لقطات ساكنة وبمضي الوقت تجمعت معا من أطر مختلفة. وهي ما يمكننا أن ننظر إليها بفضل وساطة الآلات وبعض هذه الصور يمثل أحداثا غير عادية. أو نتائج بارزة تتصدر أنباؤها أغلفة المجلات العلمية. وصور أخري نقلت من البحث العلمي. وكل هذه الصور تبين خلفية تشابكها العلماء ومشهدا يختلف تماما عما يمكننا أن نراه.. وتقول لوتشيا كوفي عن هذا العمل إن الطرافة الكبري في هذا العمل أن الكاميرا عديمة الفائدة. فلا يوجد عدسات نستعين بها. وكل لقطة هي نتيجة عملية بحث. وتضيف أن دافعها في هذا العمل هو الفضول فلقد أرادت أن تعرف وتفهم بدافع التحمس من أجل تفاصيل المادة مبهورة بفكرة الدخول إلي الأبعاد المجهولة والمجال غير المستكشف.
 
اعلى الصفحة
الصفحة السابقة
الصفحة الرئيسية