هل أبدأ معكم من الماضي.. أم أبدأ معكم من الآن وأرجع بكم للماضي.. فكرت كثيراً قبل أن أكتب لكم ولكنني وجدت نفسي أسرح قليلاً عبر سنوات الحياة إلي أن كنت في طور المراهقة والشباب الغض.. وأغاني عبدالحليم التي تحلِّق بي في آفاق عالية من السعادة والتي لا أعرف لها سبباً حتي كان يوم كنت واقفة في شرفة منزلي فوجدت شاباً جميلاً يصفر بطريقة معينة ويقف علي خجل بعيداً وهنا رأيت أخي الكبير يخرج مسرعاً من الغرفة وينهرني أن أدخل وسمعته يكلم صديقه هذا ويحثه علي المجيء إليه ويقول له "اطلع يافتحي".. فدخلت حجرتي وخيال هذا الشاب يلاحقني ففتحت باب حجرتي قليلاً جداً ووقفت خلفه لأراه وهو يدخل إلي بيتنا من غير أن يلاحظ أخي وقفتي هذه ورأيته عن قرب.. شاب رشيق القوام بني الشعر ذو شارب خفيف ملابسه نظيفة وأنيقة.
ومنذ هذا اليوم صارت أغاني عبدالحليم كلها منصبة عليه هو.. وصرت أبحث عنه بعيني حينما أذهب إلي المدرسة وكنت أراه في أحيان كثيرة ولحسن حظي إنني كنت أشعر أن عينيه هو الآخر كانتا تبحثان عني.. وصارت هذه هي فقط قصتنا إلي أن جاء من خطبني من والدي وتزوجت ورحلت بعيداً.. ونسيته تماماً دون حتي أسمع ولو مرة واحدة صوته ولم نتكلم ولا كلمة واحدة.. ولكن كلما كنت أسمع أغاني عبدالحليم القديمة مثل "شغلوني وشغلوا النوم عن عيني ليالي" و"توبة إن كنت أحبك تاني توبة".. و"صدفة قابلتك ولا علي بالي".. و"صافيني مرة وجافيني مرة ولا تنسانيش كده بالمرة".. كنت فوراً أتذكر فتحي هذا الشاب الخجول.
مرت السنوات ورحل عني زوجي بعد أن أنجبنا البنين والبنات وكبروا.. وبعد كل هذا المشوار الطويل من حياتي رحل أخي الأكبر.. وفي يوم العزاء رأيت شخصاً يبكي بشدة وهو يسلم عليّ ويعزيني فلم أعرفه من كثرة عدد الناس والمعزين.. بل لم أتذكره إطلاقاً.. وبعد عدة أيام رن جرس التليفون في بيتي.. فسمعت صوتاً يقول لي كيف حالك.. فسألته عمن يكون؟ فقال لي "فتحي" صديق أخي.. فتذكرته واستأذنني أن يأتي إلي منزلي ليعزيني تعزية شخصية فأذنت له وأعطيته ميعاداً للمجيء.. ولكن في هذا اليوم وجدت نفسي علي غير المعتاد محتارة أدخل إلي هذه الحجرة وأخرج منها لأتمشي في الصالة ثم أجلس بها قليلاً ثم أقوم لأذهب إلي الصالون وأتفقد الفازات التي به وكأنني أراها لأول مرة وأعدل من هذا المفرش وأنقل هذه "الخدادية" المشغولة بخيوط مذهبة وأضعها في مكان آخر.
وهكذا مر عليّ هذا اليوم في قلق وتوتر لست أعرف سبباً لهما.. وكل الذي كان يدور في بالي هذا الشاب الرشيق ذو الشعر البني اللامع والذي كان يلاحقني بنظراته.. وهذا كان كل شيء أفكر فيه.. ونسيت تماماً عدد السنوات التي مرت عليّ.. وفي ميعاد اللقاء كنت قد تزينت خفيفاً وتعطرت خفيفاً أيضاً.. وحين رن الجرس ذهبت الشغالة وفتحت الباب وأدخلته إلي الصالون.. أما أنا فكان قلبي يدق سريعاً وتشجعت ودخلت إليه وسلمت وجلست أتأمله.. فما كان منه إلا أن قال لي أنت مثلما كنت تماماً بالماضي لم يتغير فيك شيء إلا أنك نضجت أكثر فشكرته علي هذه المجاملة وأخذت أتفحصه فوجدته نحيفاً مثلما كان وشعره صار رمادياً ولم يعد لديه شارب لأنه بالتأكيد قد أزاله لأن شعره صار أبيض.. وبدأ يتكلم ويتكلم ولم يصمت ولو للحظة و"يقول ويعيد" عن أحواله وكيف صار غنياً وهكذا من "اللت والعجن" وأنا مذهولة.. هل هذا الذي أمامي هو هو ذلك الشخص الذي كنت أتخيله في أغاني عبدالحليم حافظ.. إطلاقاً ان الذي أمامي والذي لا يكف لحظة عن الكلام شخص لا أعرفه.
وفي الحقيقة شخص كثير الكلام ولا يعرف فن الإنصات ولا حتي السؤال عن أحوالي.. بل كل الذي يهمه هو أنا وأنا.. وأصبحت وصرت حتي مللت جلسته وتململت في جلستي ونظرت في ساعتي أكثر من مرة.. فلاحظ هو ذلك وقال لي إنني سأتركك الآن وتسمحي لي أن أكلمك تليفونياً فقلت له طبعاً.. وتركني ومشي وأنا أتنفس الصعداء.. وبعد يوم واحد لا غير وجدته يكلمني وبدأ فوراً في الحكايات والحواديت فمللت المكالمة واستأذنته في أن أتركه لأنني مشغولة.
وهكذا ذهب الماضي واندثر وياليتني ما رأيته ولا كلمته لتظل أغاني عبدالحليم القديمة لها معني ولون جميل عندي..!!!
همسة في أذنك:
معه.. تحجرت الكلمات
تبدلت الخريطة.. تباعدت المسافات
وتوقفت المعاني.. في زحام المفردات
قيس.. لم يعد قيسا
وليلي.. باعته في المزاد
يهواها بكل ما فيه.. وليلي لم تعد تهواه
هائم علي وجهه.. يناجي بالشوق ليلاه
لا عاد له رشده.. ولا عادت له ليلاه.
مع الأصدقاء
إلي الصديق عبدالحميد عبدالله من السعودية شكراً لتهنئتك لي في جميع المناسبات وأعرفك أنني أذهب لأكثر من صالون أدبي وأظهر في أكثر من برنامج في التليفزيون وليس فقط في الذي رأيتني به.. وإلي تواصل دائم.
|