أتفق مع تشيخوف في قوله: "إن الفنان يكتب قصة عندما يريد التعبير عن فكرة". أختلف في المقابل مع ألان روب جرييه في أن الحدوتة لم يعد لها قيمة في رواية اليوم. وألح في رفض الرأي بأن رواية القرن العشرين قد انعدم فيها المغزي. إن أهم المشكلات التي تعني بها البنيوية مع تحفظي المعلن علي إمكانية تعبيرها عن مشروعنا الإبداعي أو النقدي هي معني النص. أو قدرته علي الدلالة. المعني. أو الدلالة. هي كذلك المشكلة الأهم للمشروعات النقدية التي ظهرت عن الحداثة. وإذا كان رامان سلدن يذهب إلي أن مهمة الفن هي أن يعيد إلينا الوعي بالأشياء التي أصبحت موضوعات مألوفة لوعينا اليومي المعتاد "د.جابر عصفور" فإن الحدوتة. الحكاية. الفكرة المسميات كثيرة تظل هي نواة العمل الروائي. بعداً رئيساً لها. إذا حاول المبدع أن يستغني عنها. فإنه يستغني عن عمود مهم في أساسات عمارته الروائية. أرفض قول فورد مادوكس بأنه علي الفنان أن يحتفظ برأسه. فلا يمنح تعاطفه لأحد من البشر. ولا لقضية من القضايا. وإنما عليه أن يظل ملاحظاً بلا مشاعر فياضة ولا شفقة. الفنان ينتهي كما يقول مادوكس إذا تحول إلي داعية. وهو قول صحيح تماماً. فللداعية وسيلته. ولعالم الاجتماع وسيلته. وللفنان وسيلته كذلك. وهي ببساطة وسيلة الفن. وإذا كان تشيخوف يرفض أن يكون الكاتب قاضياً يحكم علي شخصيات عمله الإبداعي. ويطالب الكاتب بأن يكون شاهداً غير متحيز. فإني أجد انحياز الكاتب لقضية ما. لوجهة نظر معينة. لموقف أو مجموعة مواقف. مسألة مهمة ومطلوبة. ولعلي أتصورها للفنان الحقيقي بديهية. الفنان لا يجدف في الفراغ. ولكن يجب أن تكون له وجهة نظر. رؤية معينة. أو ما يسمي بالنسبة للفنان المتكامل الثقافة والموهبة والخبرة "فلسفة حياة".. ولعلي أذكرك بقول كازنتراكس إن الكتابة ربما كانت ممتعة في وقت التوازن واعتدال الأمزجة. أما الآن. فالكتابة واجب حزين لتحفيز الآخرين علي أن يتخطوا الوحش الكامن في داخل الإنسان.
ولعلي أذكر لأستاذنا زكي نجيب محمود قوله: "إنه ليكفي الكاتب العربي أن تكون أحداث العصر قد ألقت في وجهه شيئاً اسمه إسرائيل. لتكون وجهة نظره إلي مشكلات العصر وحوادثه. مختلفة أشد اختلاف مع زملائه الكتاب من الجماعات التي اقترفت في حقه هذا الجرم. حين ينظر معهم إلي مسائل العصر وحلولها".
ثمة قول في سفر التثنية "الإصحاح العشرون الفقرة العاشرة" "حين تقترب من مدينة لكي تحاربها. استدعها إلي الصلح". الصلح غير العادل كما يقول القانوني فاتيل ظلم لا تتحمله أية أمة إلا لافتقارها لوسائل نقضه. وإحقاق حقها بالسيف. القضية المحور التي تشغل المثقفين في امتداد الوطن العربي منذ سنوات. هي مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي: الحياة والبقاء والموت. الكينونة وانعدامها. الاستمرار والانقطاع. تلك هي القضية التي تسبق في ما عداها من قضايا. لأنها قضية المصير العربي في إطلاقه.
الصراع العربي الإسرائيلي ليس مجرد مواجهات سياسية وعسكرية. إنما هو صراع ذو أبعاد تاريخية وحضارية وثقافية. إنه تواصل واستمرارية حياة. وتناول الإبداع لجوانب من ذلك الصراع لا يعني السقوط في هوة المباشرة أو الجهارة. بل إن الأعمال الكبيرة هي التي تناولت قضايا كبيرة. المثل: خريف البطريرك" لجارثيا ماركيث. والحرب والسلام لتولستوي والطاعون لكامي. والحرافيش لمحفوظ. والحرام لإدريس. وسمرقند لمعلوف. وغيرها.
وبالنسبة للصراع العربي الصهيوني تحديداً فمن الصعب إغفال أعمال غسان كنفاني المهمة. مثل رجال في الشمس. وعائد إلي حيفا. و"ماتبقي لكم" وغيرها. ذوي إعجابي القديم بعبقرية زفايج. وروايات كافكا. واجتهادات فرويد. ونظرية إينشتين. ولوحات شاجال. شحبت الملامح الجميلة في مرآة الصهيونية. فرض التوجس نفسه حتي فيما لم يعد يحتمل ذلك.
|