من شخص عادي ألبسه الروائي سمير عبدالفتاح هذا القميص العجيب.. اندلعت رواية "خيانات شرعية" شاب بائس من حيث وضعه الاجتماعي الكئيب يائس من حيث الوضع العام للمجتمع. حصل علي دبلوم التجارة.. يسكن وحده في جحر من جحور تتخلل حارات وشوارع حي عابدين.
جزئية اقام لها الكاتب مفارقة ساهمت في تعميق الفجوة الحاصلة التي نعيش فيها
لاعجب .. فالمصري القديم بني الأهرامات العملاقة لملوكه وعاش هو في بيوت تشبه المقابر"!
بدأت الرواية بما يشبه التمهيد لما ينوي الكاتب الاقدام عليه.. وهو اختراع حكاية عجيبة. تظل ومع سطورها تتعجب من الربط المحكم بين فانتازيا الرواية وواقع المجتمع... حكاية تشبه "حلم الجوعان" وماهي بحلم ... شاب يعاني من غربة البطالة وغربة الروح..
... لم يعد العبد يساق من أغلاله.. ولكن من معدته .. وربما من وعيه.. يصور الكاتب بطله .. وكأنه قرأ كل كتب المذاهب الوجودية وفي النهاية نعلم انه لايريد من الدنيا سوي شربة ماء ونفس هواء.. كيف يتحول "العادي" الي أسطورة .. وهل يمكن؟ لقد حدثت في رواية سمير عبدالفتاح ظلال مايحدث في الحياة.. أغنياء الحرب.. هؤلاء اذكي ممن؟ أين صائدو دبابات العدو؟
هل يذكرهم أحد؟ قارنهم بأصحاب الالبومات والكليبات الهابطة!! والرواية لاتكرس لهذه الفكرة وان كنت أتمني من جميع كتاب مصر ان يوقفوا ابداعاتهم "يجعلوها همهم الوحيد" لمدة خمس سنوات للالحاح علي تلك الفكرة "وحتي لو فعلوا ذلك لافائدة"! رواية سمير عبدالفتاح تريد ان تقول انه بالصدفة يمكن ان يتحول الانسان المهمش العادي الي شيء اسطوري.. ولم يكن هذا هو هم الرواية ايضا. صفوان يمثل ازمة الانسان المعاصر الضائع في بلده الضائع في بلاد الخليج ".. وبعد ستة شهور رجعت مديونا ومهزوما.. وين اغراضك يافرعون؟ قلت سرقوها الهنود والسنود.. قالوا.. غادر فغادرت.." شفافية وصراحة وبوح وبعد عن التضليل.. في حيلة من حيل الكتابة.
ويقرر البطل المأزوم ان يدخل أي بار ليشرب كأسا من الخمر لينسي همومه ويسكت الجزء الصاحي من عقله. ومن خلال العلاقة بين البطل والمشاهدين كان امامه فرصة لاستنطاق اكثر من طرف. وحرية الاسقاطات واعطاء فضاء اوسع للرواية والمقابلة بين الاضواء تهبط علي البطل قناة فضائية تستضيفه في برنامج "اسبوعان من حياة مواطن" ليظل علي الهواء مباشرة طوال ساعات اليوم لاتفارقه الكاميرا. حتي في الحمام "بشرط ان تسلط علي نصفه الاعلي فقط!" يتخلي صفوان عن كل الكوابح ليعبر عن كل حرمان وكبت. جعلت الرواية بطلها ظاهرة. وبقدر ما أظهرت الفضائية أوجاع المهمشين صورت مدي تفاهة وسطحية الاعلام ومساهمته "كنظام مجتمع" في تضييع الوقت والاهتمام بالتافهين. وتتوالي مداخلات الجمهور كاشفة عن التفاهة والابتزاز والجشع والنفاق والانانية ".. كل في قوقعته.. يضع عطره تحت انفه كي لايتسلل الي غيره".
فانتازيا ممزوجة بالواقع. وواقع يعالج بالفانتازيا.. لدرجة ان المشاهدين "رأوا معدة صفوان وهي ملأي بالنفايات اللزجة والانقباضات الدائبة".. جاءت الرواية بفضاء واسع اتاح للكاتب ان يظهر مدي التخدير والتضليل والتزييف لوعي الناس ومشاعرهم. عاطل بائس.
لايخاف السجن فهو سجين شقته الحقيرة ووعيه المحافظ المهادن في عالم يتصارع فيه الناس.. كما تتصارع النسور علي جيفة".
لقد جسد الكاتب اوجاع مجتمعه من خلال طموحات ومطامع البطل.. في لغة روائية طريفة وعميقة.. ويفلسف الكاتب تجربة البطل في آخر الرواية. كما جاء الحوار غاية في الجمال والروعة. تلقائية ومنطقية ومقدمات تؤدي الي نتائج. يذكرك سمير عبدالفتاح في عالمه السحري بعالم محمد مستجاب الاسطوري.. ولكل طعمه ومذاقه في تفعيل الافاعيل وتقويل الاقاويل.
|