إذا صاحب الدجاجة صياح الديكة وجب قتلها "هذا التعبير القاسي أوردة الميداني في "مجمع الأمثال" لم يعد له مكانه القديم. فقد صاحب الدجاجات وفاضت ببوحها. وبالغت أحيانا وجأرت بالشكوي منذ اقتنصت شيئاً من حريتها طارحة نفسها ثائرة علي كافة مواضعات مجتمعها تجاهها ولم تخرج "انتصار عبدالمنعم" عن السياق العام للأديبات المنشغلات بالذات ومنغصاتها. وقدمت عبر مجموعتها "عندما تستيقظ الأنثي" الصادرة عن دار نون للنشر والتوزيع بالقاهرة. قدمت سيمفونية أنثوية خالصة مهما تنافرت أنغامها. ورغم غلبة "المهادنة" في طرح علاقة الذكر بالأنثي فإنها قدمت عبر ما يقارب أربعين نصا قصصيا أسي كثيرا وسط بسمات نادرة لامرأة تعيش بين رجال.
"إلي البحر الهادر" تهدي الكاتبة مجموعتها مؤكدة أنها من اجله ولأجله فقط ستكتب وعبر هذه العتبة الهامة تؤكد انتصار انحيازها للحرية بقوة. لتقدم ذاتها علي طبق من ورق مظهرة آلام الوجد الناتج من وجود رجل في حياة امرأة: "لم يسألك يوما عن نوع الجرح الذي تفضلين خبير هو في اقتراف كل أنواع الجروح الممزوجة بملح البحر" ها هو البحر يطل علي استحياء ممزوجاً بمرارة الجرح. في قصتها الأولي في المجموعة " جروح الملح" لتقدم صورة لامتلاك الرجل لروح المرأة. في حين أنها بالنسبة له مجرد محطة انتظار. و بين هذا العشق من جانبها والإهمال من جانبه تبقي هي "راهبة في محراب ذراعيه. تتبتلين علي شفتيه ترتلينه حرفا حرفا جوقة الأيدي تردد معك مزامير الشوق" هكذا يتحول المعشوق الي معبود ينكر عابديه من خلال لغة بها خصوصية وشاعرية. غير أنها ملتبسة بسخرية مبطنة خبيئة "كريم هو في وعوده التي لا تتجاوز اللحظة التي يطلقها فيها".
ثم تضفر السخرية ببلاغتها الخاصة "لا يعلم أنك تنسجين منها ثوبا يستر ضياعك" ثم تصل إلي أشد حالات الشوق الشبق "تتأهلين لمواقعة ذكراه الباقية" وحجتي هذه تفشل فيها وتنتهي القصة ب "تضلين الطريق لغرفة نومكما" هذه صورة من صور شديدة التعدد في المجموعة لعلاقة الذكر بالأنثي عبر أنماط المرأة التي رصدها المجموعة سنجد المرأة المشتاقة. وصورة بهية للمرأة المحبة. والمرأة المقاومة للحب الرخيص وكذلك صور للمرأة المخدوعة والمرأة الأسطورية والمرأة الغبية فضلاً عن قصص قليلة جدا خارجة عن الإطار العام للمجموعة لكن هناك نموذجا مغايراً. لأنه يصور المرأة في حالة اشتهاء. وقد نجت الكاتبة في هذا النموذج من الوقوع في شرك الشبق اللغوي. فجاء الحدث دالا وموحيا في قصتها التي منحت عنوانها للمجموعة تستيقظ الأنثي.
قادت الكاتبة الصراع داخل المرأة ببساطة وبراعة. صراع الخجل والاشتهاء. بين أنوثة مؤجلة وأنوثة قادمة منتظرة تهاجمها بضراوة حين يبدأ "دبيب النمل يسري في سائر جسدها يشعرها ببرد الرغبة المقبورة.. يشتد دبيب النمل.. تنزع القميص الأحمر.. ترتدي ملابسها الشتوية مرة أخري" تبدو رهافة اللغة دالة وهامة في بنائية هذه القصة عبر بناء صراعات متوازنة دقيقة بين الذات والأخر. وبين الرغبة والواقع وربما هذا ما دفعها لتجعل الرغبة موازية للأنوثة في معادلة غير متكافئة "تحتاج دبا لتضمه إليها. لتقاوم زحف جيوش النمل".
|