ليالي المحروسة
بقلم : خالد إمام
E-mail:khaled@almessa.net.eg
انشروا ثقافة الحج بين المسلمين
عدت من الأراضي المقدسة بعد أن لبيت دعوة المولي عز وجل وأديت مناسك الحج.. داعياً الله عز وجل أن يكون حجي مبروراً وذنبي مغفوراً ودعواتي للجميع مستجابة.
وشهادة للحق سبحانه وتعالي.. فإن حكومة خادم الحرمين الشريفين بذلت جهوداً خارقة ولم تقصر أبداً تجاه ضيوف الرحمن.. كما ان حكومتنا أدت ما عليها وأكثر لتوفير كل سبل الراحة لحجاجنا.
لكن.. لأن الكمال لله وحده ونظراً للأعداد غير المسبوقة في حجاج هذا العام.. فقد تعرض الحجيج بصفة عامة لضغوط نفسية وعصبية وبدنية. زادت علي البعض منهم في عرفات ومشعر مني.
إلا أن التنسيق الدائم بين وزارة الحج السعودية ورؤساء البعثات الرئيسية والنوعية حل المشاكل أولاً بأول.. جزي الله الجميع خيراً فيما قدموا.
ومن واجبي هنا.. أن أشيد بكل إنجاز. وأن أعرض المشاكل التي تعرض لها الحجيج وأسبابها وطرق حلها بشفافية ورغبة حقيقية في أن نتلافاها الموسم القادم.
عندما توجهت إلي الأراضي المقدسة لأداء مناسك الحج تلبية لدعوة من العظيم الأكرم المولي عز وجل.. كنت أعلم جيداً وأؤمن إيماناً راسخاً بأن الحج مشقة ولذا جعله الله لمن استطاع إليه سبيلاً.. والاستطاعة هنا عقلية وبدنية ومالية.. إضافة إلي البلوغ والحرية.
وكنت أعلم جيداً أيضاً ان هذا المؤتمر الإسلامي الأكبر علي الاطلاق يحضره مليونا مسلم علي الأقل من مختلف الجنسيات.
وكنت أعلم جيداً كذلك أن حكومة خادم الحرمين أجرت توسعات ضخمة جداً في الحرمين وفي مشعر مني وجعلت جسر الجمرات ثلاثة طوابق وتستوعب كل جمرة 300 ألف في الساعة بكل طابق كما مدت قطاراً لأول مرة بين عرفات ومني لنقل الحجيج وأنشأت طرقاً وأنفاقاً جديدة لتسهيل المرور.. وغير ذلك من الخدمات التي تعتبر رصيداً ثقيلاً في ميزان خادم الحرمين وحكومته جزاهم الله خيراً.
وكنت أتوقع أن يكون هذا الموسم هو الأنجح علي الإطلاق.. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان وبشكل يخرج عن إرادة الجميع.. حيث توافد علي الأراضي المقدسة من خارج السعودية وداخلها سبعة ملايين حاج وفق الإحصاء غير الرسمي بينهم 2.5 مليون بشكل رسمي.
من هنا.. كان الزحام رهيباً في الحرمين وعرفات والمزدلفة ومني.. ومن أراد أن يتخيل الشكل الذي سيكون عليه يوم القيامة فما كان عليه إلا أن ينظر نظرة بسيطة إلي أي الأماكن المقدسة ليري نموذجاً مصغراً لهذا اليوم.
وأنا هنا لا أبالغ.. فأمامي مثلا سبعة ملايين شخص فوق عرفات يرتدون ملابس الحج البيضاء والتي تشبه إلي حد كبير الاكفان وكل واحد يلهث بالدعاء للواحد القهار الغفور الرحيم أن يقبل حجته ويغفر ذنوبه ويرضي عنه ويستره فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض. أن يمنحه الصحة والعافية ويشفي مرضاه ويرحم موتاه ويرزقه من حلال. أن يهدي أولاده ويوفقهم ويحفظهم.. أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلبه ونور عينه وأن ينير به قبره ويجعله شفيعاً له يوم الحشر.
أدعية.. أدعية كثيرة وبألسنة عديدة انطلقت في هذا اليوم من قلوب عامرة بالإيمان إلي رب العرش الكريم تبتغي فضله وتتمني رضاه لينزل الرحمن إلي السماء الدنيا ويباهي الملائكة بضيوفه الذين جاءوا إليه شعثاً غبراً ويشهدهم بأنه غفر لهم في أكبر طعنة يتلقاها ابليس اللعين.
هذا المشهد .. تكرر في باقي الأماكن المقدسة سواء كانت ركناً من أركان الحج أو كان التواجد بها وأداؤها واجباً وإن كان هذا التواجد فيها بأعداد أقل.
ولك عزيزي القاريء أن تتخيل المشهد.
* * *
الحكومة السعودية حققت إنجازات كثيرة وكبيرة من أجل راحة الحجيج.
* توسعة غير مسبوقة في الحرمين.. رأسياً وافقياً. وإضافة سلالم كهربائية لكبار السن والمرضي.
* شقت العديد من الطرق والانفاق لتقليل أزمنة الرحلات والذهاب والعودة بين الحرمين وأماكن الاقامة.
* استبدلت كل خيام عرفات ومني وجعلتها مقاومة للحرائق ومنعت الاقامة بينها لتيسير السير ودفعت بالمزيد من فرق النظافة لرفع المخلفات أولاً بأول.
* مدت قطار المشاعر بين عرفات ومني بخط مفرد وعندما يستكمل بإذن الله العام القادم سيحقق طفرة مهولة.. وعلي كل فهو انجاز حضاري هائل.
* جسر الجمرات متعدد الطوابق أصبح يستوعب في كل جمرة أكثر من مليون حاج في الساعة.
* دفعت بأعداد ضخمة جداً من رجال الشرطة والجوازات لتأمين الطرق وإنهاء إجراءات الدخول والخروج من المطارات.
* وفرت آلاف الأطقم الطبية في كافة الأماكن المقدسة لعلاج المرضي.. كما دفعت بالمئات من سيارات الثلاجات لتوزيع الأطعمة والمياه علي الحجيج خاصة في عرفات.
كل هذا وغيره.. جهد مشكور ثوابه عند الله سبحانه وتعالي.
* * *
مصر كانت علي مستوي الحدث أيضا:
* الرئيس حسني مبارك كان يتابع أحوال الحجاج بشكل يومي.. ويبادر هو بالاتصال بالبعثة الرسمية للاطمئنان علي حجاجنا ويوجه إلي ضرورة توفير كافة التسهيلات لهم خاصة بعد المشاكل التي تعرض لها البعض في عرفات ومزدلفة وأيضا بعد الأمطار الرعدية التي هطلت علي مني ومكة في ثاني وثالث أيام العيد.. وكان حريصاً علي أن يتابع كل صغيرة وكبيرة تخص الحجاج.
* د.هاني هلال وزير التعليم العالي والدولة للبحث العلمي ورئيس بعثة الحج الرسمية لم يهدأ لحظة.. أخذ يتنقل هنا وهناك ويزور الحجاج في إقامتهم بالفنادق والخيام.. بل وجلس معهم علي الأرصفة.. يبحث. ويناقش. ويتابع. ويستمع للشكاوي ويحلها فوراً.
* حبيب العادلي وزير الداخلية كان علي اتصال يومي مع اللواء دكتور صلاح هاشم الرئيس التنفيذي لحجاج مصر ورئيس بعثة حج القرعة وتم فتح خط ساخن بينهما للوقوف علي أحوال 32 ألف حاج مصري هم حجاج القرعة.. وتم حل كل المشاكل التي تعرض البعض لها من خلال فريق عمل علي أعلي مستوي برئاسة العميد هاني عبداللطيف مدير إدارة الإعلام بوزارة الداخلية ومعه المقدم اشرف عناني.
ويكفي القول ـ وقد كنت شاهداً علي ذلك ـ أن هذا الفريق المحترم كان أفراده يمرون يومياً علي فنادق حجاج القرعة في المدينة المنورة ومكة المكرمة لتذليل أي عقبات. وكانوا يزورون مواقع خيام عرفات كل يوم لمتابعة الترتيبات أولاً بأول حتي تمت النفرة إلي مزدلفة.. كما تابعوا رمي الجمرات وعودة الحجيج إلي فنادق مكة مرة أخري.
وهذا يدل بلا شك علي أن حج القرعة هذا العام كان عالياً جداً.. أما المشاكل التي حدثت لنفر قليل فهي مشاكل عادية وواردة وسط هذه التجمعات الضخمة.
* أسامة العشري وكيل أول وزارة السياحة كان شعلة نشاط قبل وأثناء الحج.. وكان يشرف بنفسه علي كل كبيرة وصغيرة ومعه فريق عمل ممتاز.. كان الكل علي قلب رجل واحد في كل مكان.. ولذا مرت المناسك علي خير ما يرام علي 30 ألف حاج تابعين للسياحة.
هذا إن دل.. فإنما يدل علي أن مثل هذه المواقف الكبيرة لها رجالها.. وحتماً هم أهل لها.. وقد لمست ذلك بنفسي.
* القصور الوحيد الذي تألمت بسببه كان فيما تعرض له حجاج الجمعيات وعددهم 5.12 ألف حاج.. وكان لذلك اسبابه المعروفة والمحددة في تعدد اسعار هذا الحج بشكل غير منطقي وغير مفهوم وقد كان ادناه مثل حج القرعة واعلاه يقترب من الحج السياحي.. إلا أن الخدمات المقدمة للجميع واحدة ودون المستوي سواء في التسكين أو الاهتمام.. كما أن رئاسة بعثة هذا النوع من الحج كانت هي الأدني والأقل ديناميكية وتحركاً.
* * *
ولعدم تكرار المشاكل التي تعرض لها بعض الحجيج.. وحتي يؤدي الجميع المناسك في خشوع وهدوء بعيداً عن "الزق" والدفع واللكم والركل والتشاجر أحياناً.. اقترح الآتي :
* علي جميع الحكومات الإسلامية ان تنشر ثقافة الحج بين مواطنيها.. فإذا كان لكل شعب عاداته وتقاليده وموروثاته.. إلا أن المناسك واحدة ويجب أن يؤديها الجميع بريتم واحد وآداب واحدة.. وأن يتم زرع الآداب الإسلامية في النفوس وان يؤمن الحجيج بأنهم بشر كرمهم الله وجعلهم أعلي المخلوقات وأن كل الكون مسخر لهم.
صحيح أن الحج مشقة لكنه أبداً ليس اهانة أو مهانة أو امتهاناً للنفس البشرية.. فلا يصح أبداً أن ينام الحجيج في الشوارع في مشهد مهين لايليق بالإنسان وبينهم سيدات واطفال. ولايصح أبداً أن يدفع حاج الآخر عن عمد بصورة استفزازية أو يضرب أحدهم الآخر بالكوع. ولايصح أبداً إلقاء المخلفات في الشوارع أو يبصق أحد هنا أو هناك أو يتبول علي مرأي من الجميع.. هذا لايجوز أبداً.. وواجب الحكومات أن لم يكن فرضاً عليها أن تثقف مواطنيها وتجعلهم متحضرين بدلاً من هذه الصورة التي تسئ لجميع المسلمين.
* اقترح علي الحكومة السعودية أن تخفض اعداد الحجاج بتقليص حصة الحج قليلاً وتوقف مهزلة اسمها "التأشيرات الحرة".. إذ يكفي أن 30 ألفاً خرجوا من مصر للحج بهذه التأشيرات ومعظمهم ناموا في الشوارع.. وقس علي ذلك باقي الدول.
ولي حجتي في هذا الاقتراح واعتقد أنها حجة منطقية إلا إذا كان للسعودية رأي آخر وحل آخر.
حجتي هي.. أن الحرم النبوي إذا كان يقصده الحجاج علي دفعتين.. الأولي قبل الحج والثانية بعده. وإذا كانت مكة كلها حرم بالتالي يستطيع الحرم والشوارع المحيطة استيعاب عشرات الملايين في وقت واحد.. فإن "الحج عرفة" كما قال الرسول الكريم ومعني ذلك أن كل الحجاج يقفون فوق عرفة وفي وقت واحد.. ومساحة عرفة محددة ومحدودة.. فليس كل الجبل عرفة ولايمكن أن تستوعب هذه المساحة سوي عدد معين.. ومن هنا لابد من تقليص الاعداد بحيث لاتزيد علي ثلاثة ملايين بأي شكل من الأشكال.
أخشي ما اخشاه أنه مع هذه الزيادة الرهيبة ألا يستطيع بعض الذين ذهبوا للحج من أن يقفوا علي عرفة وبالتالي لايحجون لأنه ركن الحج الأكبر.
إن تقليص الاعداد يريح الناس ويخفف الضغط عن الشوارع والمرافق بصفة عامة ويجعل الجميع يؤدي المناسك في هدوء وخشوع وهو المطلوب.
* اقترح علي حكومتنا الغاء حج الجمعيات وتوزيع حصته علي حج القرعة والحج السياحي فهما أولي وأجدر بها.
هذا النوع من الحج ليس خالصاً لوجه الله.. ولابد أن يتولاه من يستطيع ادارته.. ولتتفرغ وزارة التضامن للمعاشات وتوفير السلع الاساسية فهذا افضل عند الله ورسوله.
* * *
إنني أقول هذا ابتغاء مرضاة الله ولكوني مسلماً يريد أن يري المسلمين في أبهي صورة بصفة عامة فما بالك في يوم مؤتمرهم الأكبر؟
ضيوف الرحمن من الممكن أن يتعرضوا للمشقة والاجهاد وقد يصل الأمر إلي حد ان يتناولوا الطعام مرة في اليوم.
لكن ضيوف الرحمن.. اتباع الحبيب محمد.. ليس من اللائق أبداً ان يتعرضوا للإهانة وهم يؤدون ركنهم الخامس.
والله الموفق.