في رواية "السمان والخريف" لأستاذنا نجيب محفوظ. أحيل الموظف الكبير عيسي الدباغ الي المعاش لأن لجان التطهير التي فحصت أوراقه وجدته مداناً. بينما برأت آخرين. وثبتتهم في وظائفهم لكيدية البلاغات المقدمة ضدهم.
لجان التطهير..
هذا هو المعني الذي يطرح نفسه إزاء تصاعد المطالبات بالعزل والتنحية. من تربح وأفسد. وأساء الي وظيفته علي أي نحو. فإن لجان التطهير - المؤلفة من قضاة - تفحص أوراقه جيداً. وتصدر قرارات التبرئة أو الإدانة وفق حقائق ثابتة.
في تقديري أن الدعوات بعزل كل من كان ينتمي الي فترة الحكم السابق. لابد أن ترافقها مراجعة. حتي لا نحكم علي من تولي الوظيفة العامة في مدي ثلاثين عاماً بأنه يستحق العزل. وبتعبير أدق. فإني لا أتصور ادانة مسئول ما. والمطالبة بتنحيته لمجرد أنه كان في موقع المسئولية في الخامس والعشرين من يناير.
عانت الجامعات- علي سبيل المثال- من أساتذة انتسبوا بالقرابة الي عبده مشتاق. فداهنوا وتملقوا وأثروا ووجدوا في الفساد بيئة صالحة لتحقيق تطلعاتهم.
في المقابل. تحصن آخرون بالانتماء لهذا الوطن. وانتصروا للمبادئ ضد ظواهر الفساد. ودفع هؤلاء الأساتذة ثمناً لوقفاتهم الرافضة. بلغ حد الاعتداء عليهم من الحرس الجامعي الذي طالبوا بإلغائه!
المثل يتكرر في كل الوظائف العامة. من اختار طريق عيسي الدباغ فإنه لابد ان يواجه العزل أو المحاكمة. أما من حافظ علي شرف مهنته فإن من حقه - وواجبنا- ان نرفع الي مقامه كل التقدير والاحترام.
دفع عيسي الدباغ ثمن خطئه تنحيه من الوظيفة. ولو أن الخطأ بلغ حد الخطيئة. أي الجرم الذي يستحق المحاكمة. فإن لجان التطهير كانت ستحيله الي المحاكمة. هذا ما يواجهه العادلي وجرانة وعز والمغربي والفقي وغيرهم من رموز الفساد. في حين عهد المجلس الأعلي للقوات المسلحة بمنصب رئيس الوزراء الي وزير سابق للنقل هو المهندس عصام شرف. لأنه حرص - أثناء فترة وظيفته القصيرة- ان يحتفظ بنقائه وشرفه الوظيفي.
التعامل بأسلوب "الجملة" خطأ يجب تداركه. والمساءلة والثواب والعقاب. هو ما يجب ان نعهد به الي لجان تتولي المحاسبة. لا أقول التطهير كما أعلنت ثورة يوليو. وإن كان التطهير- كما تشي أوضاع ما قبل 25 يناير- لا يحتاج الي مجرد التسمية. وإنما الي غربلة لا تبقي إلا كل من هو جمعي التفكير. ومهموم بقضايا الوطن.
العزل لابد ان يجاوز منطق استبدال الحمام القديم. لأن ضحاياه-لو حدث ضحايا- بشر. ادركوا ما عليهم من حقوق. وما لهم من واجبات. وحرصوا- دوماً- علي الصالح العام.
|