تيسيرا علي المواطنين الذين يقضون عطلاتهم خلال الصيف تقرر فتح وحدة طبية متنقلة لغسيل الكلي في منطقة شمال ويلز ببريطانيا.
الوحدة أقامتها الهيئة الصحية هناك بعد دراسة أكدت أن العديد من المرضي يترددون علي المنطقة لتمضية الإجازات في بيوت متنقلة "قارفان" تضم الكابينة المحمولة وحدتين لغسيل الكلي ويمكن للمرضي الاخرين من خارج منطقة التنزه تلقي العلاج فيها أيضا.
ما هذا.. إنه اهتمام بالمريض ما بعده إهتمام.. وحرص علي أن يؤدي إجازته في راحة تامة دون أي منغصات.
الامر لم يحتاج إلي إمكانات عالية ولكن فقط إلي تفكير متزن يهتم بالمواطن أولا وأخيرا وتحقيق الراحة له ورعاية صحته أينما كان بلا روتين أو تعقيدات لم يقل المسئول الذي فكر في إقامة هذه الوحدة المتنقلة المفروض أن يذهب المريض إلي المستشفي المتخصص أو وحدة العلاج الثابتة المقامة في المكان الفلاني فهي الاقرب له وعليه أن يذهب بالوسيلة التي يراها فهو الذي يحتاج الخدمة وعليه أن يبحث عنها.. مثلما يحدث للأسف عندنا من البعض.
بل بادر هو بالانتقال إلي مريضه في مكانه.. لأن هذا من وجهة نظره حق المريض علي المجتمع الذي يعيش فيه وينتمي له- وهذا حق- لأن المجتمع الذي يفكر في مريضه أو مواطنه بهذا الشكل وعلي هذا النحو ينمو ويتقدم عكس المجتمعات التي تعتبر الناس كما مهملا ولا قيمة ولا وزن لهم.
فكم من المستشفيات عندنا يتكدس البشر فيها وهم يتألمون ويفترشون الطرقات أو البلاط بحثا عمن يخفف عنهم الآلام ولكن بلا فائدة ولا جدوي!!
لا تعامل آدمياً ولا إهتمام بالاوجاع التي يعانون منها.. نري ذلك ونشاهده في العديد من الامراض المستعصية كالاورام بأنواعها والفشل الكلوي وغيرها.
وعندنا المريض ينتقل بنفسه أو تنقله أسرته إلي مكان العلاج فلا يجد العناية أو الرعاية.. والشماعة دائما جاهزة الامكانات لا تكفي وأسرة مرضي الاورام أو أجهزة الغسيل محدودة فماذا نفعل؟!
تري هل هذا منطق؟.. وهل هذا تصرف يعمق الانتماء لدي المواطن.. بالطبع لا وألف لا.
لذلك لابد وأن نعيد النظر في منظومة التعامل داخل المستشفيات وفي فكر المسئولين عن تقديم الخدمة للمرضي بحيث نحقق مفهوم المواطنة وأن يجد المريض علاجة يستوي في ذلك الفقير والغني.. لانه ليس معني أن المريض فقير ولا يجد إمكانات الدخول إلي مستشفي استثماري أو خاص أن نتركة يموت.
أقول هذا الكلام وأنا أعلم تماما أن مراكز طبية متخصصة تشكو من نقص الميزانيات المخصصة للامراض المستعصية التي باتت تنخر في المجتمع لعوامل كثيرة.. وأن هذه الميزانيات بالفعل لا تكفي تلبية طوابير المرضي إلا لفترات محدودة من شهور السنة.. وأن هذه المراكز تفتح باب التبرعات لسد النقص وتوفير احتياجات العلاج.
وأذكر أنني في مرة قادتني قدماي إلي مستشفي جامعي وآخر حكومي في وحدتي علاج لامراض السرطان وهالني ما رأيت من رجال يبكون بالدموع لكي تقبل هذه الاماكن مرضاهم الذين أتوا بهم بحثا عن الشفاء أو من أجل حقنة مسكنة للامراض ولكن دون جدوي.
رأيت أصحاب البالطو الابيض داخل حجرة النوبتجية وكأنهم تعودوا علي هذا الوضع المأسوي الذي لم يعد يؤثر فيهم من قريب أو بعيد وكل منهم مشغول في حاله فهذا يضع ساقا علي ساق والثاني مشغول بحديث تليفوني ويضحك من كل قلبه. وثالث يلوك اللبانه بين فكيه دون أي تأثر بما يجري فقد فقدنا جميعنا الاحساس ببعضنا البعض وتلك بداية غير مبشرة أو قل بداية الانهيار.
أعداد المصابين عندنا بالفشل الكلوي والسرطانات والكبد في تزايد وغيرها من الامراض المستعصية في تزايد ولابد أن يكون هناك تحرك علمي واع للمواجهة والشعور بالآخر وهو المريض أخي وأخوك وأبي وأبوك وابني وابنك من الجميع بلا استثناء.
وهنا لابد أن تتعاون وزارة الصحة مع الجمعيات الاهلية ورجال الاعمال من القادرين.. صحيح أنه لا أحد يعرف علي وجه التحديد كم عدد المرضي بهذه الامراض الخطيرة خاصة في ظل تضارب الأرقام وعدم وجود إحصاء دقيق لها في ربوع مصر لكن بالتأكيد هم بالملايين.. وهذه الملايين تحتاج إلي مستشفيات متخصصة وتجهيزات وفوق هذا وذاك تعامل آدمي نفتقده في كل المستشفيات الحكومية.. وزيارة واحدة من د. حاتم الجبلي وزير الصحة كفيلة بكشف المستور.
عموما شهر رمضان الذي نستقبله خلال ساعات ربما يكون فرصة للقادرين للمساهمة لتوفير العلاج لمرضانا.. ولابد أن يكون هناك جهاز قومي مهمته الأولي تنسيق الجهود واعادة الثقة للمواطن المريض حتي نشعره بأن هناك من يهتم به ويرعاه ويعطيه حقوقه لكي يشفي ويسترد عافيته وحتي لا يقول بينه وبين نفسه مرضي بلاد بره.. يا بختهم!!
|