يحلو للبعض "فاهم أو غير فاهم" أن يتحدث عن كل شيء والغالب انهم لا يعرفون حقيقة ما يتكلمون عنه.. والكارثة ان البعض من غير الفاهم يشغل مواقع المسئولية.
مثلا البعض يتحدث عن أراض تم بيعها بسعر بخس وهذا اهدار للمال العام.. يتحدثون عن ذلك بعد أن اكتسبت هذه الأراضي أهمية نتيجة لجهود بذلت.. وأموال أنفقت إذ انهم يتحدثون عن قيمة الأرض الآن بعد أن ارتفعت الأسعار للأراضي بشكل جنوني.. والأعجب ان هناك اتهامات مثلا تنهال علي وزارة السياحة لأنها باعت أراضي بثمن بخس. ومن الممكن أن تكون هذه الوزارة لا علاقة لها من قريب أو بعيد عن مضمون هذه الأرض.. مثلا أثار أعضاء مجلس الشعب موضوع أرض ميدان التحرير التي اشترتها شركة أكور والتي يساهم فيها المهندس أحمد المغربي وزير الاسكان والتي يقولون ان سعر المتر بلغ عشرة آلاف جنيه في حين ان قيمتها أكثر من ذلك بكثير وفي هذا أقول باديء ذي بدء ان وزارة السياحة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالشركة المالكة وهي "إيجوث" والتي باعت الأرض من خلال الشركة القابضة للسياحة والفنادق والسينما والاسكان ومحلات صيدناوي والمصنوعات المصرية وربما هناك غيرها.. وهذه الشركة القابضة تتبع وزارة الاستثمار: أي ان المشروع السياحي والوزارة لا علاقة لها به ففيما أعلم ان في مصر جهاز أو أجهزة لتسعير أراضي الدولة والمفروض ان بها خبراء يقدرون قيمة كل شبر من الأراضي في مصر.. وإذا كان تقديرهم لهذه الأرض بالقيمة التي بيعت بها فما ذنب المشتري. فالمخالفة تقع أولا وأخيرا علي الجهاز الذي سعر قيمة الأرض أما إذا تم البيع بدون الالتزام بالتسعيرة الموضوعة فتلك مسئولية الشركة التابعة لوزارة الاستثمار وعموما أنا متأكد ان أحدا من السادة الأفاضل الذين أثاروا هذا الموضوع لم يعرف حقيقة هذه الأرض علي ما أتذكر انها كانت فيلا فاخرة. صارت بعد الثورة متحفاً للفن الحديث.. ثم فجأة أزيل هذا المتحف وأصبحت الأرض خالية وكان ذلك في الستينيات من القرن الماضي.. ثم صدر قرار بضمها لشركة إيجوث وهي الشركة التي تملك فنادق القطاع العام سابقاً قطاع الأعمال حاليا.. ودخل معها شريك لبناني علي أساس اقامة فندق يسمي فندق القاهرة وملحق به مركز تجاري وجراجات وغيره.. وتم وضع تصميم ماكيت بالفعل.. وفجأة أيضا فوجيء الناس بخروج مواسير مياه ضخمة من هذه الأرض وتخرج مياه جوفية ثم دب خلاف بين الشركة المالكة والشريك.. وعلي ما أتذكر ان هذا الشريك حصل علي تعويض.. وعموما فإذا كان متر الأرض بيع بأقل من القيمة الحقيقية له.. فإن المسئولية تنحصر في جهاز تسعير الأراضي الحكومية وأيضا في الشركة التي باعت وهي تابعة لوزارة الاستثمار وليس لوزارة السياحة. ولي هنا أن أتساءل هل يمكن لأي بائع أن يرجع عن السعر الذي باع به لأن القيمة زادت.. وفي الوقت نفسه إذا كان أعضاء البرلمان يهتمون بمثل هذه القضايا.. علي أساس انها أموال الدولة.. فلماذا لا تعرض عليهم أو علي خبراء القانون العقود لكي يفحصوها جيدا قبل اتمام أي صفقة حتي لا يحدث لبس لأن العقد شريعة المتعاقدين.
ثم وهذا هو المهم لماذا ينظر البعض إلي المواقع التي تم تعميرها.. علي ان أصحابها حصلوا عليها وهي كاملة التعمير ويقدرون أثمانها علي أساس واقعها الحالي.. لماذا لا يفكرون في أن هذه المناطق الصحراوية أو البور قد انفق عليها المبالغ الطائلة وبذل فيها جهودا حتي تم تعميرها.. وأصبحت تملأ العين والقلب وعلي سبيل المثال.. من كان يتصور أن تتحول جوانب الطرق الصحراوية إلي مجتمعات عمرانية خضراء جميلة استوعبت آلافاً من البشر.. وقد كانت صحراء جرداء موحشة.. هل الآن ينظرون إليها علي أن المتر يساوي فيها الآلاف.. ويعتبرون ان عدم تقديرها بالسعر الحالي يعتبر اهداراً للمال العام..
لماذا لا ينظرون إلي الجهود التي بذلت.. أليس لها ثمن وقيمة. ونفس الحال بالنسبة لأراضي الاستصلاح التي ذهب إليها الشباب وذاقوا الأمرين لكي يخلقوا من أراضي الصحراء هذه.. مجتمعات زراعية ويحولوا الرمال إلي أراض خضراء يانعة.. هل يمكن ان يكون تقدير قيمة الأرض لصاحبها الآن علي شكلها الحالي.. أو يكون علي واقعها قبل الإصلاح.
وأتذكر انني في الستينيات من القرن الماضي ذهبت إلي الغردقة وكان محافظها المرحوم اللواء عبدالعزيز مصطفي.. وكانت الغردقة صحراء جرداء بالفعل.. المياه تصل إليها عن طريق فناطيس عربات البترول.. وأذكر يومها انه قال لي: تستطيع أن تأخد ما تشاء من أرض الغردقة. وطبعا نظرت إليه باستغراب قائلاً: وماذا أفعل بهذه الصحراء؟.
ومرت سنوات وذهبت مرة أخري إلي الغردقة مع الصديق المحمدي حويدق صاحب الريادة في القري السياحية بالغردقة وسرنا بسيارته. علي شاطيء البحر وكان يحلم بأن هنا ستكون قرية سياحية.. وتحقق حلمه.. وأصبح المتر في الغردقة يباع بالآلاف بعد أن كان مجانا أو بجنيهات قليلة..
بصراحة لابد من احترام عرق الناس الذين كدوا وتعبوا حتي استطاعوا أن يخلقوا من الفسيخ شربات علي رأي المثل.. أما هذه الاتهامات ففي رأيي انه يلزمها دراسة..
|