انتقلت رحلة أوائل الثانوية العامة التي تنظمها الشقيقة "الجمهورية" والتي أشرف بمرافقتها من ألمانيا إلي فرنسا. من هدوء ميونيخ وانضباط برلين وجمال كولونيا إلي ضجيج باريس وصخبها. وزحام الناس فيها من كل الأجناس والألوان وزحام السيارات في شوارعها وطرقها السريعة.
لشد ما تختلف باريس عن مدن المانيا فهنا يسهر الناس إلي ساعات متأخرة من الليل. ويجدون المحلات والمقاهي التي تفتح أبوابها لهم ليلا. وهنا يمكن أن تري من يكسر اشارة المرور أو يقف بسيارته في الممنوع. وهنا أيضا يمكن أن تفاجأ بجنود وضباط مسلحين يسيرون بجوارك. أو يقابلونك في أي مكان. ولو كنت في حديقة عامة. وهذا الحضور العسكري المسلح قد يكون له ما يبرره لكنه - علي كل حال - أصبح ظاهراً. وهو ما لم يلفت أنظارنا في المانيا.
هنا يقف الشحاذون في كل مكان. حتي في ميدان الكونكورد أضخم وأفخم الميادين في العالم. وهو بالمناسبة الميدان الذي تتوسطه المسلة المصرية البديعة التي أهداها محمد علي باشا لملك فرنسا لودفيج الأول. ويقف الشحاذون أيضا في شارع الشانزليزيه أشهر وأروع وأطول الشوارع السياحية والتجارية في العالم والذي تغطيه الأشجار علي الجانبين. ويصل عرض الرصيف فيه إلي حوالي خمسة وثلاثين مترا.
والشحاذة هنا تتم بكل الطرق والوسائل. ومن الممكن جدا أن تفاجأ بالشحاذ. أو الشحاذة. يحتضنك في عرض الشارع ويتمسح بك للحصول علي النقود ويحلف عليك بالقلب المقدس أن تعطيه. فإذا لم يرق قلبك لجأ إلي القوة.. ناهيك عن اللصوص المنتشرين في كل مكان. والسرقات التي تتم في الميادين والمحلات التجارية الشهيرة.
هنا في باريس تري العولمة بكل وجوهها. وتسمعها تتحدث بكل لغات العالم. فعلامات الثراء الفاحش بادية في الأسعار المرتفعة التي تصرخ بأعلي صوت في المحلات التجارية الفخيمة وبيوت الأزياء ومحلات البرفانات والاكسسوارات والمجوهرات. وإلي جانب ذلك تبدو علامات الفقر واضحة جلية علي قطاعات من الناس ينامون علي الأرصفة والحدائق العامة ليلاً ونهاراً بملابس رثة ووجوه بائسة.
وفي أوقات العمل الرسمية يتزاحم الناس علي الأرصفة والميادين مما يعطي انطباعاً سلبياً متزايدا. فهذه الظاهرة التي لا وجود لها إلا في الدول المتخلفة - قل النامية - قد تعكس في حالة فرنسا مؤشرا لارتفاع معدلات السياحة. لكنها بالقطع تعكس - وبيقين أكثر - ارتفاع معدلات البطالة بين المهاجرين والفرنسيين الأصليين.
وقد حدثنا المصريون المقيمون في فرنسا كثيرا عن التغيرات المتلاحقة التي تشهدها الحياة هنا بسبب المهاجرين الأجانب. ومعظمهم من العرب والأفارقة. وبسبب البطالة والركود الاقتصادي الذي يعاني منه التاجر الوسيط وأصحاب المحلات الصغيرة. بينما يستفيد منه علي طول الخط أولئك الذين يملكون القدرة علي المنافسة ويمارسون الاحتكار وابتلاع الاقتصاديات الصغيرة.
ومع ذلك تبقي باريس هي عاصمة الثقافة العالمية وعاصمة الحرية. فباعة الكتب والصحف يعرضون كل ما يصدر من فكر إنساني علي مستوي كل دول العالم. وحي الفنانين الملاصق للكنيسة المعلقة "كنيسة القلب المقدس" يفدون من كل بقاع الأرض لكي يمارسوا إبداعهم بحرية كاملة علي هذه الأرض. والمتاحف والمراكز الثقافية تستقبل الآلاف من كل الأجناس يوميا في حركة ثقافية لا تهدأ.
وقد كشفت الدكتورة كاميليا صبحي ملحقتنا الثقافية في باريس ان هناك 500 نشاط ثقافي يمارس يوميا في العاصمة الفرنسية مما يجعل المنافسة بين القائمين علي هذه الأنشطة لجذب الجمهور في غاية الصعوبة.
وتقوم ملحقتنا الثقافية وسط هذا المناخ المزدحم بنشاط بارز للتعريف بحضارتنا القديمة والحديثة. وتقيم في سبيل ذلك العديد من الندوات والمحاضرات والاحتفاليات والمعارض التشكيلية. وتستقدم الأدباء والمفكرين والأفلام السينمائية والنقاد والفرق الموسيقية لكي يقدموا للفرنسيين وجه مصر الثقافي. فمصر ليست دولة عظمي بمقاييس الاقتصاد والمال والسلاح. لكنها دولة عظمي بمقاييس الثقافة والحضارة.. هكذا ينظر إليها الفرنسيون.
وإذا كانت حركة التنوير والتحديث في مصر بدأت بالبعثات العلمية التي أرسلها محمد علي إلي فرنسا في مطلع القرن التاسع عشر فإن المرء يعجب من تدني مستوي البعثات العلمية المصرية الآن في فرنسا حيث لايزيد عدد المبعوثين والدارسين المصريين هنا هذا العام علي 130 باحثا ودارسا وقد كان الطموح أن يكون هذا العدد خمسة أوعشرة آلاف باحث ودارس في زمن نتغني فيه بالشراكة والاتحاد الأورومتوسطي ومنح تحديث الصناعة وتوطين التكنولوجيا لكن حال المركز الثقافي المصري في باريس يغني عن السؤال. فهو ليس أكثر من جراج تم تنظيفه وطلاؤه لتمارس فيه الأنشطة الثقافية. كما أن الدول الأوروبية - ومنها فرنسا - صارت تولي اهتمامها الأكبر لدول أوروبا الشرقية ودول الكومنولث المستقلة عن روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
وذكرتنا الدكتورة كاميليا صبحي الملحقة الثقافية. وكلها أسي وأسف. ان الاعتمادات ضئيلة واليد قصيرة والعين بصيرة. و"الشاطرة تغزل برجل حمار".. أليست هذه هي الشطارة والفهلوة المصرية؟!
وتبقي بعد ذلك إشادة واجبة برابطة الجالية المصرية في باريس وما تقوم به من دور اجتماعي وثقافي رائع ينم عن وعي وإدراك لرسالة التكافل والتكامل بين المصريين. خصوصا في شهر رمضان المبارك. وفي هذه الرابطة أسماء لامعة في المجتمع الفرنسي ممن حققوا نجاحا في عملهم وسمعة طيبة وأصبحوا سفراء لوطنهم في فرنسا. وعلي رأس هؤلاء صالح فرهود رئيس الرابطة وملاك شنودة نائبه والزميل الصحفي رشدي الشافعي وجبريل محمد وعبدالرحمن سليم وأيمن حبيب وقد أقامت الرابطة حفل استقبال رائعا علي العشاء لأوائل الثانوية العامة واحتفت بتفوقهم ودعت إلي هذا الحفل السفير هشام ماهر نائب السفير المصري في باريس والسفير سليمان عثمان القنصل العام ولفيفا من المصريين العاملين في فرنسا.
وحين يلتقي المصريون في الغربة تسري بينهم أواصر الدفء وتتعانق قلوبهم بمشاعر المحبة والانتماء وتكون مصر دائما هي الحاضرة.. هي الأمل والرجاء.
إشارات:
* جيل الشباب في فرنسا يأكل السندويتشات علي سلالم الأوبرا ويرمي الزبالة علي الأرض.. جيل عشوائي الأفضل له أن يعيش في دولة نامية.. ياخسارة يافرنسا.
* فرحت جدا عندما رأيت صناديق باعة الكتب القديمة مازالت مرصوصة علي سور نهر السين. العباقرة عندنا ألغوا هذه الصناديق التي كانت سمة ثقافية لمصر علي سور الأزبكية.
* عيب تاريخي علي العرب والمسلمين أن يتم كسر حصار غزة علي أيدي أكاديميين أوروبيين قدموا عبر البحر علي متن سفينتين قبرصيتين.. أين أموال النفط؟ وأين شعارات الأخوة العربية والتضامن الإسلامي؟!
* تحرص الأسر في ألمانيا وفرنسا علي اقتناء كلب أو قط لتمنحه حبها وحنانها ورعايتها.. وإذا سألت عن الأب الأكبر لهذه الأسرة أو الأم قيل لك إنها في دار المسنين أو المصحة.. فليست هناك فرصة للزوجين لرعاية الأبوين. أحدهما أو كليهما.
* أحداث جورجيا سوف تغير وجه العالم الشهور القليلة القادمة.. وهي بالقطع ليست في صالح باراك أوباما.. لأن خصمه ماكين سوف يستغلها لتخويف الأمريكيين من عودة الحرب الباردة. وسوف يدعوهم إلي رفع شعارات التحدي والهيمنة مثلما فعل بوش بعد أحداث 11 سبتمبر.
* أروع ما في أحداث جورجيا انها ستحول أنظار أمريكا وحلفائها عن العرب والمسلمين ولو لفترة.. فقد اتعبتنا وارهقتنا بضغطها الدائم لاحتوائنا ومحاصرتنا.. والآن ظهر لها ملعب آخر.
* بالتأكيد جاءت أحداث جورجيا هدية علي طبق من ذهب لإيران علي وجه التحديد.. فقد انشغلت أوروبا وأمريكا بما هو أسوأ من التحدي الإيراني.
* أثبتت أحداث جورجيا وباعتراف كل الأطراف. أنه أينما ذهبت أمريكا ذهبت في ذيلها إسرائيل.. حتي ولو كان الملعب في جورجيا.. ناهيك عن العراق وافريقيا.
* لم يكد يمر أسبوع علي اطلاق إسرائيل سراح 198 أسيرا ً فلسطينياً مجاملة لأبومازن حتي شرعت في حملات اعتقالات جديدة للفلسطنيين في رام الله والضفة الغربية حتي تستطيع أن تجامله مرة أخري في جولة مفاوضات قادمة.. وهكذا تمر لعبة "الضحك علي الذقون".
* لكل الإخوة والأصدقاء والأحباب.. كل رمضان وأنتم بخير وسعادة.. أعاده الله عليكم وعلي مصرنا الحبيبة بالخير واليمن والبركات.
 
 
الصفحة الأولى
تحقيقات
مواقف وأخبار
أخبار المساء
الفن والفنان
الناس و المترو
حوادث وقضايا
نبضات قلب
أحزاب و نواب
المقالات
أراءوأفكار
الشارع الاقتصادى
قضاياأدبية
طيران x طيران
مع تحياتى لـ المساء
الملحق الرياضى
 
 
 

 

 

   
بيان الخصوصية
Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net