كشف اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي انعقد الأسبوع الماضي في مقر الجامعة العربية بالقاهرة عن حجم أزمة الضعف والإحباط التي تسيطر علي مواقف الدول العربية إزاء التعامل مع إسرائيل في هذه المرحلة الحاسمة.. فالعرب يدركون طبيعة التهديد الإسرائيلي الحقيقي للمسجد الأقصي والقدس وغطرسة القوة التي تتبعها حكومة نتنياهو لفرض الأمر الواقع.. لكنهم غير قادرين علي صياغة رؤية موحدة وموقف مؤثر في المقابل.. فلاهم قادرون علي الحرب ولاهم قادرون علي السلام.. وليس في إمكانهم حتي الاتفاق علي أساليب ووسائل للمقاومة.
إنهم يشعرون في داخلهم بالهزيمة والشلل.. رغم أنهم يمتلكون الكثير من أدوات التأثير والضغط.. لكنهم يفتقدون الإرادة والقدرة علي اتخاذ القرار.. ويفتقدون الثقة في أنفسهم.. وكل فريق منهم يخشي من مزايدات الآخرين عليه.
وقد اهتمت الصحف بإبراز تأييد وزراء الخارجية العرب لإجراء "مفاوضات غير مباشرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل محددة بأربعة شهور في محاولة أخيرة لتسهيل الجهود الأمريكية رغم عدم الاقتناع بجدية إسرائيل في السلام".. وهو قرار تحفظت عليه سوريا وحماس ورحبت به إسرائيل وأمريكا والسلطة الفلسطينية.
وجاء في بيان صادر عن الوزراء العرب أنهم "رأوا إعطاء فرصة للمحادثات غير المباشرة تسهيلاً لدور الولايات المتحدة في ضوء تأكيداتها للرئيس الفلسطيني أبومازن".. وهذا يعني أن الرئيس أبومازن لديه وعود من الولايات المتحدة وأنه عرضها علي الوزراء العرب فصدقوها وأعطوه الفرصة لمفاوضات غير مباشرة.. والحقيقة أن هذه الصيغة أوجدت مخرجاً ملائماً لكل الأطراف.. حتي وإن كان مخرجاً مؤقتاً حتي تمر القمة العربية القادمة بأمان.
فالرئيس الفلسطيني كان قد التزم بعدم المشاركة في أي مفاوضات إلا بعد أن يتوقف الاستيطان الإسرائيلي.. وبالطبع لم يتوقف الاستيطان وبقي الرجل معلقاً في الهواء.. لا يستطيع التنازل علنا ودفعة واحدة عن التزامه.. ولا يستطيع التحرك في اتجاه آخر غير التفاوض.. وازدادت أزمته بعد أن تراجعت إدارة أوباما عن التزام مماثل بوقف الاستيطان.
والعرب أعلنوا مبادرتهم للسلام في قمة بيروت ومنذ ذلك الحين لم يطرأ أي جديد.. سنوات تمر يتخللها تهديد خافت بأن عرض السلام لن يظل قائماً إلي ما لا نهاية.. وبالطبع لم تؤخذ المبادرة العربية حتي الآن علي محمل الجد من أي طرف بعد أن تجاهلنا إسرائيل عن عمد.. وبقي العرب أيضاً معلقين في الهواء.. ليس لديهم القدرة علي فرض مبادرتهم.. وليس لديهم القدرة علي السير في طريق آخر.
من هنا غادر أبومازن اجتماع وزراء الخارجية العرب منتصرا.. فقد وجدوا له مخرجاً.. ولأنفسهم أيضاً.. وأعطوه تفويضاً بالتنازل عن التزامه السابق.. وقد صرح هو بذلك مؤكداً أنه حصل من العرب علي موافقة مشروطة علي بدء المفاوضات غير المباشرة.. وأن نتائج اجتماع القاهرة جيدة.
لكن.. ماذا لو انتهت مهلة الشهور الأربعة ولم تصل المفاوضات إلي نتيجة؟!
الواضح أن الوزراء العرب لم يقدموا جديداً في هذا الاتجاه معتمدين علي الوعد الأمريكي لأبومازن.. واكتفوا بتكرار التهديد بالذهاب إلي مجلس الأمن.
يقول البيان الختامي لاجتماع الوزراء إنه تم تحديد الأسبوع الأول من يوليو القادم موعداً لاجتماع لجنة المتابعة لتقويم جهود السلام.. فإذا كانت فاشلة فإن الدول العربية ستدعو إلي عقد اجتماع لمجلس الأمن لمعالجة النزاع العربي الإسرائيلي بكل أبعاده والطلب من أمريكا عدم استخدام حق الفيتو.
بعد يومين اثنين فقط من الموافقة العربية علي المفاوضات غير المباشرة تلقي الرئيس الفلسطيني أبومازن من هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية رفضاً صريحاً لطلبه بتحديد مرجعية للمفاوضات وإلزام إسرائيل بوقف مؤقت لبناء المستوطنات والتهويد في مدينة القدس وباقي الضفة الغربية.. وقالت السيدة هيلاري في رسالتها إن الإدارة الأمريكية لا تضمن موافقة إسرائيل علي أن تكون مرجعية المفاوضات مرتبطة بحدود 4 يونيو .1967
المفارقة الطريفة في هذا الإطار أن يخرج محمد دحلان أقرب رجال أبومازن إلي إسرائيل وأمريكا بتصريح يؤكد فيه أنه لا جدوي من المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة مع الحكومة الإسرائيلية.
نعم.. هذه مفارقة تستحق أن نتوقف عندها لننظر في الأمر.. هل هذه قناعة صادقة توصل إليها دحلان أخيراً.. أم مجرد مزايدة لتأسيس شرعية علي أمل أن يجلس علي كرسي الرئاسة بعد خروج أبومازن.. خصوصاً أنه يتمتع بتأييد واسع من إسرائيل وأمريكا؟!
علي كل حال.. هناك مفارقة أخري حملتها صحيفتا "الشرق الأوسط" و"الحياة" اللتان تصدران باللغة العربية في لندن وتعبران عن معسكر الاعتدال العربي.. فقد نشرت "الشرق الأوسط" أمس الأول "الخميس" علي صدر صفحتها الأولي ما وصفته ب"ممازحة" رواها مصدر فلسطيني شارك في جلسة مغلقة لوزراء الخارجية العرب.
في هذه "الممازحة" قال أبومازن للوزراء: "أنا ملتزم بقراركم.. إذا وافقتم سنذهب إلي المفاوضات وسنعطيهم فرصة!!!.. وإذا رفضتم سألتزم بقرار رفضكم ولن أذهب.. وإذا كان هناك بديل فأتوني به.. وإذا كان البديل هو الحرب فأعدكم بأن أكون في المقدمة".. وهنا رد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم مازحاً: "إحنا يا أبومازن بنحارب بالفلوس فقط".. وعلق أحمد أبوالغيط مازحاً أيضاً: "يذهب للحرب من لم يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل".
أما الجانب الآخر من المفارقة فقد جاء في مقال الكاتب الكبير جهاد الخازن علي الصفحة الأخيرة من "الحياة".. حيث حشد نماذج جديدة من المقاومة التي لم نسمع عنها.. والتي تنتشر في العديد من الدول ضد الفاشية الإسرائيلية.. ومن تلك النماذج:
* تشارك جامعات عالمية في 40 بلداً حول العالم في "أسبوع العنصرية الإسرائيلي" الذي يشمل محاضرات وأفلاماً وتظاهرات ونشاطاً إعلامياً واسعاً.. وسوف يفتتح الأسبوع بثلاثة محاضرين إسرائيليين من دعاة السلام هم: الاقتصادي شيرهيفر.. وعالم السلالات جيف هالبر والسينمائي شير كارمل بولاك.
* أعلن 500 فنان في مونتريال بكندا تضمهم جمعية "تضامن" الوقوف إلي جانب الشعب الفلسطيني في نضاله ضد العنصرية الإسرائيلية.. وتأييدهم لحملة مقاطعة إسرائيل وعدم الاستثمار فيها وفرض عقوبات عليها.. وقد أصدرت الجمعية بياناً يتحدث عن النكبة والاحتلال وسرقة البيوت وانتهاك القوانين الدولية.
* أصدرت الكنائس المسيحية الأمريكية الكنيسة المنهجية والكنيسة المشيخية وغيرهما بياناً طالبت فيه أتباعها بعدم الاستثمار في إسرائيل ومقاطعة بضائعها.
* أعلن مجلس الكنائس العالمي في جنيف الذي يضم مائة كنيسة حملة مماثلة علي إسرائيل.
حين نطالع هذه المواقف سوف نكتشف أن هناك طرقاً وأساليب للمقاومة.. تمثل حلا وسطاً بين الاستسلام لليأس من الحرب المستحيلة.. والهرولة إلي مصافحة وزراء إسرائيل وشراء ودهم واعتبارهم أصدقاء وأبناء عمومة.
لاشك.. هناك طريق ثالث بين الموت وبين النار.. هذا الطريق يعرفه أصحاب الضمائر اليقظة.. وأنصار الحق في كل مكان.. لأنه طريق المقاومة.. طريق الحياة.
إشارات:
* العدد الأخير من مجلة "نيوزويك" الأمريكية يحمل عنواناً خادعاً يقول: "وأخيراً انتصرنا.. نشوء عراق ديمقراطي".. الحقيقة أن ما تراه في العراق هو ديكورات الديمقراطية لأن العراق الذي تعرفه لم يعد موجوداً.. الموجود عراق طائفي ممزق وكل قطعة فيه محتلة بنفوذ من الخارج.. وهذا هو الإنجاز الوحيد الذي حققه الأمريكان".
* اتركوا قضاة مجلس الدولة يعالجون مشكلة "المرأة" بعيداً عن الضغوط والتهديد.. وسوف تكون النتيجة صائبة.
* تقتضي الأمانة أن أصحح المعلومة التي نقلتها الأسبوع الماضي عن جريدة "الأخبار" وبعض مواقع الإنترنت والخاصة بإسلام السويسري دانييل ستريتش.. فلقد تلقيت رسالة علي الإيميل من السيدة الفاضلة مني بسيوني التي تعيش في جنيف أكدت أن دانييل لم تكن له علاقة بحملة حظر بناء المآذن.. بالعكس كان ضدها.. واستقال من حزبه الذي تزعم الحملة.. وكان قد أسلم في عام 2007 لكنه لم يعلن إسلامه إلا في نوفمبر 2009 عندما جري الاستفتاء علي حظر بناء المآذن.. وهو الآن يعيش حياة الإسلام الكاملة.
 
 
الصفحة الأولى
تحقيقات
مواقف وأخبار
أخبار المساء
الفن والفنان
الناس و المترو
حوادث وقضايا
نبضات قلب
أحزاب و نواب
المقالات
أراءوأفكار
الشارع الاقتصادى
قضاياأدبية
طيران x طيران
مع تحياتى لـ المساء
الملحق الرياضى
 
 
 

 

 

   
بيان الخصوصية
Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net