محمد هزاع
Moh.Hazzaa@yahoo.com
ربما كانت الميزة الكبري للنخبة السياسية العسكرية المؤسسة للكيان الصهيوني هي القدرة علي القراءة الصحيحة لخارطة المنطقة والعالم وتوظيف معطيات هذه القراءة لتحقيق أهداف الصهيونية العالمية علي المستويين الاقليمي والدولي بالطريقة وفي الوقت المناسبين وهو الأمر الذي مكنهم من تحقيق معظم هذه الأهداف بعكس العرب والمسلمين الذين فقدوا بدرجة أو بأخري بوصلة الاتجاهات منذ زمن بعيد فلحقت بهم هزائم كثيرة. اللهم إلا في حالات استثنائية كحرب 1973 و2000 و.2006
الآن يبدو واضحا تماما أن النخبة السياسية العسكرية الحاكمة للكيان الصهيوني من جانب والمهيمنة علي مقدرات التنظيمات السياسية الصهيونية في العالم من جانب آخر قد فقدت هذه الميزة بدرجة كبيرة جداً والدليل علي ذلك انهم يتعاملون مع كثير من الأحداث بنفس الطريقة التي كان أسلافهم يتعاملون بها رغم أن أشياء كثيرة جداً قد تغيرت وبالتالي لم يعد يوسعهم إدراك حقيقة ساطعة كالشمس في كبد النهار وهي ان خارطة المنطقة والعالم حاليا لم تعد هي خارطة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وربما الثمانينيات.
والمؤكد ان نقطة التحول في تاريخ الصهاينة بدأت مع بداية التسعينيات حينما انهار الاتحاد السوفيتي وتربعت أمريكا علي عرش العالم منفردة فظنت إسرائيل ومن خلفها يهود الشتات في العالم - الديسابورا - انها بدعم امتها المسماه بالولايات المتحدة الأمريكية قد باتت خارج العالم وفوق القانون الطبيعي والوضعي بحيث لا يطولها شيء ولا يؤثر فيها شيء من المتغيرات الجارية علي الأرض أو في الجو أو في البحار!!
في نفس الوقت كانت مياه كثيرة تجري تحت الجسور ولم تعد مياه النهر هي نفس المياه الطبيعية المستسلمة لفكرة ان إسرائيل قضاء وقدر لا يهزم ولا يمكن التعامل معه علي أساس انها لا تقهر حيث نمت وترعرعت ثقافة المقاومة بالتدريج بعدما بات يقيناً ان الكيان الصهيوني لا يريد السلام بل الاستسلام التام.
ومن الأمثلة الواضحة علي فقدان الكيان الصهيوني للرؤية وبالتالي فقدانه لاستراتيجية واضحة المعالم الموقف من لبنان الشقيق.
لقد كانت العقيدة القديمة التي صاغها السفاح ارييل شارون هي أن لبنان كبلد صغير جغرافيا تتنازعه منذ النشأة الطائفية الدينية والسياسية ويمكن غزوه بفرقة "موسيقي عسكرية" علي حد قوله وخاصة أن صاحب هذه المقولة قد أثبت ذلك فعليا حينما تمكن بقوات قليلة جدا غزو لبنان ودخول بيروت العاصمة نفسها عام 1982 كما استطاع ان يستميل بعض الطوائف أو قطاعات منها لدرجة تشكيل جيش من اللبنانيين - اسماً - موال لإسرائيل يحارب بني وطنه لحسابها!
كانت أطماع إسرائيل في لبنان كثيرة ومتوسعة علي الدوام. منها تحويله إلي حزام أمني يحمي إسرائيل من الشمال ومنها الاستيلاء علي منابع المياه الكثيرة نسبياً فيه ومنها استخدامه كشوكة في ظهر سوريا وغيرها كلما لزم الأمر. وقد استطاعت إسرائيل تحقيق هذه الأهداف وغيرها لفترة طويلة ولكن الأمر اختلف الآن تماما!!
لقد كان الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 هو بداية النهاية حيث خرجت فصائل المقاومة اللبنانية وفي مقدمتها حزب الله من رحم الكارثة وتمكنت في غضون سنوات قليلة وبأقل الامكانيات من دحر الجيش الإسرائيلي واجباره علي الانسحاب من الجنوب اللبناني في 25 مايو عام 2000 ثم جاءت حرب تموز عام 2006 لتؤكد وترسخ فكرة المقاومة وقوتها وانتصارها.
لم يعد لدي إسرائيل ورتبها من وسيلة لاستخدامها في لبنان سوي اللعب علي الطائفية داخل لبنان وقد كان وتحولت لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري في مارس 2003 إلي ساحة مفتوحة تعيث فيها إسرائيل مع الولايات المتحدة فسادا حتي بات لبنان أقرب ما يكون إلي حرب أهلية أخري تدمر الأخضر واليابس.
ولكن المقاومة استطاعت حسم الموقف وفرضت حقها في البقاء ومن خلال مؤتمر الدوحة تم الاتفاق علي انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة وطنية جديدة وتعديل قانون الانتخابات بشكل يسمح بتمثيل أفضل لكل الطوائف اللبنانية.. وتم فعلا انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة الوطنية وبقي قانون الانتخابات.
ولأن رئيس الجمهورية يدرك أهمية المقاومة ويعتبرها رصيداً للبنان فقد صدر البيان الوزاري الذي ينص علي حق المقاومة في البقاء الأمر الذي لم يرق إسرائيل ولا أمريكا اللتين تصورتا انه بالامكان الخلاص من المقاومة بيد فريق من اللبنانيين وكان هذا الفريق قادراً علي تحقيق ما فشلت إسرائيل وأمريكا في تحقيقه بالسلاح والهدم والتدمير علي مدار سنوات طويلة.
والمؤكد ان إسرائيل الحالية لم تعد قادرة علي قراءة الخريطة جيداً ولا التعامل معها بشكل مناسب حيث تصر علي امكانية تحقيق ذلك بواسطة هذا الفريق الموالي لها ومن ذلك تنديد مندوبها الدائم في الأمم المتحدة بالبيان الوزاري لأنه يعطي للمقاومة حقوقا يري الكيان الصهيوني انها تعتبر تهديداً له.
والأدهي من ذلك ان يهدد رئيس الأركان الإسرائيلي لبنان كله بالويل والثبور طالما انه - لبنان - قد أقر بحق المقاومة في البقاء وهو دليل لا يقبل الشك علي أن النخبة الحاكمة في الكيان الصهيوني لم تعد تمتلك أي تقدير صحيح للأمور.
ولذلك يمكن القول بأن إسرائيل لم يعد باستطاعتها التعامل مع الأحداث بشكل يخدم مصالحها بل ربما يعارضها ويتناقض معها لإصرارها علي ممارسات سياسات القوة بنفسها أو ممن تظن انه قادر علي ذلك من عملائها وحلفائها بينما موازين القوي قد تغيرت تماما.
وليس المقصود بموازين القوي. القوي العسكرية ولكن موازين القوي الاستراتيجية فقد أصبح هناك فصائل تدين بدين المقاومة وقد نقلت المعركة لأول مرة إلي أرض إسرائيل التي لم تعد تملك مبادرة نقل الحرب إلي أرض أعدائها كما حدث طوال تاريخها.
والمؤكد كذلك ان تهديدات إسرائيل للبنان باعتباره كله ساحة قتال أو باعتباره كله حزب الله تعد استمراراً لسياسات القوة التي اعتادتها دون معادل موضوعي حقيقي علي الأرض لانها تعلم جيدا انها - إسرائيل - غير قادرة علي تنفيذ هذه التهديدات فارغة المضمون اللهم بخسارة جديدة وهزيمة جديدة لا تحتملها.
ومن ثم يصبح القول بأن ما يحدث بداية النهاية لأن ما تفعله إسرائيل مناقض لسنن التاريخ كلية ولكن ليس معني هذا ان إسرائيل لم تعد تمثل تهديدا للبنان أو غيره. لكن هذا التهديد ليس كتلك التهديدات التي كانت تطلقها وهي قادرة علي تنفيذها.
 
 
الصفحة الأولى
تحقيقات
مواقف وأخبار
أخبار المساء
الفن والفنان
الناس و المترو
حوادث وقضايا
نبضات قلب
أحزاب و نواب
المقالات
أراءوأفكار
الشارع الاقتصادى
قضاياأدبية
طيران x طيران
مع تحياتى لـ المساء
الملحق الرياضى
 
 
 

 

 

   
بيان الخصوصية
Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net