كتاب وكلمة نقد: مدحت الجيار يعزف علي انغام السرد القصصي المعاصر تنويعات علي أنغام "السرد القصصي المعاصر
محمد دغيدي
عن سلسلة "الكتاب الفضي".. ضمن مطبوعات نادي القصة بالقاهرة صدر مؤخرا كتاب "السرد القصصي المعاصر" للناقد د. مدحت الجيار والكتاب يعتبر بالفعل نتاجا مبتكرا واصيلا لجهد دؤوب ومخلص قام به مؤلفه لكي يسهم بشكل جدي في مجال التأريخ الحديث لفن "السرد القصصي المعاصر" نظريا وتطبيقيا من خلال ابرز واهم المتاح لديه من نصوص ادبية وقصصية يبدأ الدكتور مدحت كتابه بمقدمة عن "علم السرد" يذكر فيها ان "السرد" في البداية يشمل كل شيء "يروي" و"يقص" و"ويخبر عنه" ولكنه لابد ان يحمل عناصر فنية تعطيه مصداقية عند المتلقي من خلال اتفاق خصائص في السرد مع رغبة الإنسان المتلقي للمعرفة أو للمتعة والمشاركة وانه في النصف الاول من القرن العشرين قد سيطر "الرومانتيك" وازدهرت في عصرهم جميع الأنواع الأدبية الأصيلة والوافدة. وزادت جرعة الغنائية في كل الأنواع الأدبية. وأخذت الفنون السردية شكل التوسل بالشعر ونصوص الغناء الشعبي. وازدهرت فنون الكتابة السردية خاصة القصة القصية والرواية فيما يبن الحربين العالميتين وان "الرومانتيكية" قد فتحت السبيل الي كل الانواع الادبية في شكليها الاحيائي والجديد ومهدت لموجات الحداثة ان تشارك الواقعية بتقنيات سوريالية وبتداخل الانواع الذي يشبه التدخل التقني السوريالي وانه في بداية المد السياسي لحركات التحرير العربية خلال عقدي الاربعينيات والخمسينيات كان اهتمام المبدع منصبا علي الانحياز في الكتابة دون الوقوع في المباشرة والصوت العالي والهتاف والتهديف فكانت الواقعية السحرية وتجلي ذلك في السرد الحداثي وخاصة السرد النثري الأمر الذي خلق تقنيات القناع والرمز والاستعارة والتناص وغيرها.
ثم يتحدث عن حكايات "ألف ليلة وليلة" وكيف انها عالجت عشرات القضايا الازلية التي تمثل حيرة العقل والنفس البشرية لدي كل الشعوب وعلمت حتي البشرية كيف تحكي وتقول.. وانه قد ظهرت فيها فكرة "التلاعب بالزمن" وتعميقه احيانا وكذلك تقنيات التخليص والثغرة والاسترجاع والاستباق وغيرها وانه لابد من الالتفات الي حقيقة الزمان في "الف ليلة وليلة" وارتباطه بالمكان والقدرة علي السحر والمسخ وان لغة الخطاب فيها تنتقل من الاستشهاد بالشعر والحكمة والدعاء والامثال إلي مرحلة التخاطب الشعبي مرورا بمرحلة ادني يتضمن السرد فيها عبارات مباشرة في الجنس واللهو وما شابه.
وينتقل د. مدحت بعد ذلك في كتابه الي القسم الثاني "رؤي تطبيقية في السرد القصصي" ويتحدث فيه بداية عن الكاتب عبدالعال الحمامصي وعن مجموعته "للكتاكيت اجنحة" يقول ان بنية القصة القصيرة فيها بسيطة تبدأ بمقدمة تمثل خلفية المشهد التي نراه فيما بعد وهي مقدمة سريعة دالة علي المتوقع من كتابة هذا النص بالذات وتقوم هذه المقدمة ايضا بربط سريع بين المتلقي والنص فهي تدخله مباشرة ولكن عبر قنطرة سردية يعتمد الكاتب علي ان تكون حادة ودالة وعن مجموعة "بئر الاحباش" يقول ان نهاياتها جاءت مختلفة حيث يجتر الكاتب من ذكريات طفولته وشبابه ورجولته في لحظة امعان وصدق.
وعن الراحل "يحيي الطاهر عبدالله" يقول انه واحد من الذين قدموا تجارب جديدة في تشكيل القصة القصيرة حتي وصلت عنده إلي شكل مكثف يقترب من القصيدة وضرب لذلك مثلا مجموعته القصصية الاخيرة "حكايات للأمير حتي ينام" التي يلعب فيها الشكل القصصي دوره في بيان خصوصية التناول وخصوصية اللغة حين تصفو وتتوثق في شكل تركيبات لغوية خاصة كما يكشف الشكل عن ذات قاص متفردة نحتت من التراث الشعبي.. بحكاياته وسيره.
كما يعرج د. مد حت في جولته علي مجموعة من الكتاب الكبار مثل: محمد المخزنجي. صالح الصياد. ومن الشباب صبري سعيد.. إبراهيم قنديل. أحمد درة كما يحدثنا عن عماد أبو زيد. طارق إمام.
وهكذا يقدم لنا د. مدحت الجيار عزفا جديدا وممتدا علي اوتار تقنيات "لغة السرد القصصي" من خلال كتابه الجديد "السرد القصصي المعاصر" والذي يعتبر بحق اضافة مهمة وحيوية في مجال النقد الأدبي الحالي.