كان الحاج المجلي مغموراً بالدهشة. ومشاعر متباينة تسيطر علي أحساسيسه. ماذا بوسعه ان يقول لهذا الرجل الجالس أمامه؟ لولا اليوم الرمضاني. وثقل الصوم علي شيخوخته ومرضه. لخرج من حجرته للحارة منادياً بأعلي صوته كل جيرانه. صائحا فيهم:
"يا كابتن رمزي.. يامعلم عويضة.. يا بو كريم.. تعالوا وشوفوا يا عالم.. اسمعوا الرجل ده.. يا تصدقوا يا متصدقوش.. وأنتم أحرار.. أنا نفسي مش مصدق وحيران.."
أيام الشهر الكريم مضت تباعاً. ومصاريفه تفوق مصاريف عدة أشهر غيره.
قبل ان يطرق هذا الرجل بابه كان قد اطمأن علي طعام إفطاره: طبق المكرونة علي البوتاجاز وشرائح بطاطس محمرة وخضروات السلاطة والعرقسوس في الثلاجة. لا يقلقه طعام يومه فهو ومنذ شبابه واغترابه لفترات بعيداً عن اسرته تعلم كيف يدبر نفسه. ما يقلقه حقا اقتراب العيد وموسم زياراته للبنات وكيفية تدبير نفقاتها. في الماضي كانت زوجته فردوس تتكفل بالأمر وتعد له قبل مجئ الشهر بشهور فلا يلقي للمواسم بالا. ولا يكاد يحس بقدومها. أو وطأة تكاليفها. في مرضها الأخير اقترح عليها ان يعطيهن نقوداً بدلاً من الزيارة لكنها رفضت وأوصته الاً يقطع العادة. منذ رحيلها توجب عليه ان يجهز لكل واحدة من الثلاث زيارتها: علبة كحك وعلبة بسكويت وعلبة حلوي وفاكهة الموسم وعيدية للبنت وهدايا للأحفاد. كان الأمر هيناً في سنوات مضت. لكنها الأسعار التي طارت للسماء جعلته شاقا. يزور كل واحدة بنفسه حاملا "موسمها" في "توك توك" مخصوص. كأنما يؤدي شعيرة مقدسة يخشي عقاب الله علي نسيانها أو تأخيرها. رغم إنهن في كل مرة يلححن عليه ان يكف ولا يتعب نفسه. يكفيهن حسه في الدنيا. يقلن ان الواجب يحتم عليهن ان يذهبن هن إليه في شيخوخته ومرضه ووحدته. بل ويلححن عليه ان يقضي الشهر الكريم معهن. ويوزع ايامه بينهن. لكنه كان يأبي. يعرف ان البني آدم ثقيل حتي علي نفسه. لا يأخذ كلامهن علي محمل الجد. عندما يطرق ابوابهن يتأكد إنهن كن ينتظرنه. يري رئوسهن المرفوعة بإباء امام ازواجهن. والسعادة تطفو من اعينهن. يفتح ذراعية علي اتساعها. يندفع الاحفاد بلهفة لأحضانه والتعلق بثوب بابا جدو المجلي. فتغمره بهجة لا حدود لها. يؤكد لهن وهو يلتقط انفاسه المبعثرة ان عادته لن تنقطع أبداً. طالما يمتلك قدمين جيدتين يسعي بهما علي وجه الأرض. إلا إذا اراد الله له غير ذلك.
يقاطعنه بجذع حقيقي:
- "بعد الشر عنك يا حاج.. العمر الطويل لك.. وربنا ما يقطع لك عادة."
غلاء الاسعار وفاتورة علاج القلب والضغط ومتطلبات المأكل والملبس.. وغيرها من الضروريات. أصابت المعاش بالضربة القاضية. فتضاءل بين كفيه عاماً بعد آخر وسقط ارضاً بعد أيام قلائل من الشهر الكريم. الجنيهات المتبقية لا تكفي حاجات زيارة بنت واحدة من الثلاث بنات. كان مأزوماً من فكرة ان تنقطع العادة وهو حي يرزق. فأل سئ يعني انتهاء دوره في الحياة. تمني ألا يحدث وفي صدره نفس يتردد. ومكروباً ايضاً من فكرة ان يلجأ للاقتراض. ولمن يلجأ؟ جاره الكابتن رمزي علي المعاش مثله والحال من بعضه. الحاج عويضة صاحب وكالة الفاكهة علي الناصية هو الثري الوحيد بالحارة. لكنه بخيل. ميت علي الدنيا. ليس له صاحب إلا القرش الذي يدخل جيبه.
كان مهموماً عندما سمع صوت العربة التي توقفت أمام بابه. والرجل السمين الذي ترجل بصعوبة وطرق بابه بعد صلاة العصر وسأله وهو ينهج:
- "مش حضرتك الحاج المجلي؟"
أجابه:
- "أيوة انا.. تفضل يا بني"
سلم ودخل ولملم جلبابه السابغ وجلس علي أول مقعد. قال له الحاج مرحباً ومعتذراً:
- "رمضان كريم"
جفف الرجل وجهه بمنديل ورقي. وهو يتجول بعينين متشككتين في اثاث الحجرة الفقير. وصور الحاج في مراحل شبابه المعلقة علي الحوائط المغبرة بإهمال في عتمة آخر النهار. يقارن بتشكك بينها وبين الرجل المسن الذي امامه.. ورد:
-"الله اكرم"
مد ايده في جيب جلبابه العلوي. واخرج ورقة مطوية فردها امام عينيه. ومر علي سطورها بسرعة. ونظر في عيني الحاج خلف النظارة نظرة فاحصة للحظة ما لبثت ان عادت للورقة. وسأل مرة أخري يتأكد:
-" حضرتك الحاج المجلي علي المجلي"
خمن الحاج. وعرف ما يدور برأس الرجل الغريب. فأشار لصورته الشبابية بالشعر الغزير المفروق والمرجل علي جانبي الرأس. ثم مسح رأسه الصلعاء بكفه. وأقسم:
- "والله. ما لك علي حلفان.. هو أنا"
فوجئ الرجل بفراسته محرجاً وعقب قائلا:
"مصدقك والله يا حاج.. وعارف ان حضرتك كنت ساكن جنب وابور النور سنة ..79 صح؟"
- "وابور النور؟!"
ردد الحاج اسم المكان. كأنه يستخلصه بصعوبة من بئر مظلم في أعماق ذاكرته.
وعاد الرجل الغريب لأسئلته المتشككة. وتزاحمت برأس الحاج أسئلة اخري:
من هذا الغريب الذي يعود به لأكثر من ثلاثين عاماً خلت؟ لقد انتقل من بيت وابور النور هذا منذ زمن بعيد لبيوت أخري كثيرة. اربعة أو خمسة بيوت ما بين المنشية وكفر الحوت وفاقوس البلد.. داخل المدينة وعلي حدودها. بيت وابور النور هو البيت الذي شاهد ليلة دخلته بفردوس. ومولد ابنته البكرية أحلام. وسفره للعمل بالسعودية.
عندما رجع من رحلة عمله القصير هناك. وعرف بحادث سرقة بيته. قالت له فردوس مخفية رغبتها في ترك الحي: "نبني بيت قبل ما تخلص الفلوس يا حاج". قال لها: "المالك له بيت واحد.. أما المستأجر له كل بيوت البلد". وبحث عن بيت آخر.
مدخراته من سنوات الغربة انفقها فيما بعد علي تعليم البنات الثلاث. وتجهيزهن عندما كبرن وتزوجن واحدة تلو الأخري. فلم تتعرض زيجة منهن لمشكلة مادية.
عندما رحلت الحاجة فردوس بعد مرض قصير في البيت الأخير. لم يستطع البقاء فيه شهراً كاملا. وطيفها يعايشه كل لحظة في كل ركن فيثقله بحزن الفراق. قرر تركه. واستأنف حياته بعد بحث بهذه الحجرة منذ خمسة أعوام. المهم ان منافعها تكفي حاجياته بمفرده.
خرج الحاج من شروره. وتأمل الرجل القلق الذي يفيض بجسمه الثقيل علي جانبي الكرسي. وبدأ الفأر يلعب في عبه. إنه يذكره بماض عفا عليه الزمن. هل هو جار قديم سقط من الذاكرة أم انه احد ابناء الحي القديم يقصده في حاجة؟ سأله:
- "لا مؤاخذه يا حضرة.. العتب ع النظر.. من حضرتك؟ وتسأل علي ليه؟"
عاد الرجل بكل ثقله للخلف فطقطقت مفاصل الكرسي القديم. وقال وهو يرسم ابتسامة علي وجهه:
-"واسطة خير"
فبادله الحاج الابتسام وقال له:
- "حضرتك اسمك واسطة خير؟"
بدأ الرجل مهموماً فلم يستجب للدعابة. وضع الورقة أمامه. ومد يده في الجيب الجانبي المنتفخ. اخرج رزمة من الاوراق المالية وبان علي ملامحه الجد. وفرد كفه الاخري برجاء مؤمل وهو يقول:
"ارجوك.. وحق صيامك في الشهر المفترج.. لا تسألني عن اسمي ولا اسم اللي باعتني لك.. انا زي ما قلت لك واسطة خير وبس".
بسط الحاج المجلي كفيه أمامه باستسلام قائلا:
"مرحبا بك ياواسطة الخير وانا تحت امرك.. بس افهم الحكاية".
وباصبع الابهام ليد مدربة. عد الرجل عشر ورقات مالية من فئة المائة جنيه في ثانية وبسطها امامه:
"بص ياسيدي.. الالف جنيه دي دين مستحق لك علي الرجل اللي باعتني لك.. هي دي كل الحكاية".
وقبل ان يسأل الحاج": أي دين وأي مدين يا حضرة؟ وألف جنييه مرة واحدة!. منذ متي.. وأين؟ اردف الرجل يقطع عليه حبل افكاره:
"دول ثمن حاجات اخدهم من بيتك.. بيت وابور النور سنة 79 لما مراتك كانت بتزور اهلها في مصر وانت كنت برة في السعودية".
البقية العدد القادم
محمد عبدالله الهادي - الشرقية
|