انتصف ليل القاهرة مع ذلك يشهد الميدان الشهير زحاماً لايطاق. البشر من كل الأعمار المركبات بكل الأحجام والأنواع صخب وضجيج يرتفع إلي عنان السماء كلاكسات السيارات بجميع نغماتها وطبقاتها النشاز عربات الميكروباص تمرق في سرعة طائشة والبشر يلهث وراءها أملا في مقعد ينقذهم من هذا الطوفان الباعة الجائلون في عالم آخر يفترشون الأرض أو يروجون بضاعتهم فوق عربات خشبية متآكلة يكتفون بنظرات جامدة أعيتها الحيلة وصعوبة الحياة تصرخ إحدي السيدات المسنات مشيرة إلي سائق التاكسي تخبره عن وجهتها وطريقها السائق يجلس إلي عجلة القيادة في برود ولا مبالاه أشبه بإنسان آلي ترتفع عقيرة أبناء السيدة الثلاثة بالشتائم والألفاظ النابية موجهة إلي السائق عند تجاهله علي بعد خطوات من الميدان الشعبي وفي أحد الدروب حشد كبير داخل سرادق مقام وصوت منفر يرتفع من أحد الأدعياء فيما يسمي بالغناء أنه أحد الافراح الشعبية العريس كهل عجوز يبدو عليه الثراء وعروسه فتاة رائعة الجمال في عمر بناته الأوراق الملونة والبالونات تحيط بهما من كل جانب معظم الحضور في ثيابهم البلدية رجالاً ونساء السيارات الفارهة تسد مدخل السرادق فأصحابها جاءوا لمشاركة العريس العجوز فرحته دخان خانق ذو نكهة غريبة يغطي أرجاء المكان ويرتفع صوت المغني الأجش حتي مطلع الفجر عبر ميكروفونات وسماعات تحيط بالسرادق والبيوت الشعبية من كل جانب منذ ساعات بدأ العمل بقانون المرور الجديد البعض قابله بارتياح وسعادة للحد من فوضي وبلطجة بعض السائقين خاصة عربات الميكروباص الذين أحالوا الشوارع والكباري إلي ملكية خاصة يحملون الركاب من أي مكان بعيداً عن الموقف الخاص وفي معظم الأحيان يقسمون المسافات علي هواهم وبتعريفة وسعر خاص بهم مناصب مرموقة ضربوا عرض الحائط بقانون المرور دخلوا المصيدة بعنادهم وعجرفتهم أحدهم يتحدث باندماج في تليفونه المحمول.. آخر يسير عكس الاتجاه.. ثالث تجاهل حزام الأمان عدد كبير من سائقي الميكروباص تحايلوا علي القانون أخذوا من الشوارع الجانبية والفرعية وسيلة لحمل الركاب معظم تلك العربات مخالفات صارخة تسير فوق عجلات مئات البشر ينتظرون تحت الشمس الحارقة في المكان المعتاد المخصص لتقلهم تلك العربات إلي منازلهم وأسرهم بعد ساعات من المعاناة في الشارع والعمل وأفران الخبز الميدان الشهير الآخر ليس بأحسن حال من سابقه الحفر والتكسير طوال الليل والنهار آلات الحفر تدق بعنف ويرتفع أزيزها المتقطع يخترق الرءوس والأجساد الحواجز الحديدية والخشبية سدت المنافد وأماكن عبور المشاة الإشارات الضوئية في ذمة التاريخ أسفل العمارات والأبراج الشاهقة المكتظة بعيادات الاطباء ومعامل التحاليل والشقق السكنية اتخذها سائقو الميكروباص مكانا لانطلاقهم بعد ان تمتلئ بالركاب من كل حدب وصوب وترتفع اصوات الصبية تعلن عن خط السير بالقرب من العربات المنتظرة في عشوائية وفوضي أصوات أخري أعياها الانتظار طوال اليوم وهي تردد في صوت واهن كلمة موبايل إنهم بعض الشباب الذين فشلوا في الحصول علي فرصة عمل أخذوا من الزحام الشديد وتجمعات البشر بكل الاعمار والأنواع وآفة المصريين في الثرثرة مكاناً لسنترال بشري متنقل لاجراء المكالمات المهمة والتافهة انهم يحملون مجموعة من أجهزة المحمول الرخيصة المستعملة وقد يضع الواحد منهم يافطة ورقية بخط ردئ عليها سعر المكالمة بالدقيقة تلتصق فوق سيخ حديدي أو عمود إنارة خلفه وبجانبه أو فوق جدار إحدي العمارات الشاهقة شباب آخر يفترش الأرض بالأحذية الرخيصة بكل الأشكال والمقاسات يصرخ الشاب بأعلي صوته وسط هذا الموج من البشر قلة علي اصابع اليد الواحدة تنتبه تقلب في البضاعة والشاب البائع علي أحر من الجمر فقد يعود بجنيهات قليلة إلي منزله بعد انتظار ويوم شاق عصيب باعة الصحف يكتفون بعرض الاصدارات بكل أشكالها وأحجامها متراصة فوق الرصيف مجموعة من الشباب يتسمرون في مكانهم يمعنون النظر طويلا في بعض المجلات والصحف التي تتصدرها الصور الفاضحة والعناوين المثيرة ينضم اليهم بعض كبار السن يصرخ فيهم بائع الصحف ياأستاذ انت وهو بلاش الزحمة اشتري أو اتفضل مع السلامة فوق الكباري العلوية المطلة علي نهر النيل الحزين المشهد أكثر سوءاً السيارات تقف في صفوف طويلة ملاصقة للرصيف ركاب تلك السيارات وأسرهم اتخذوا من الرصيف وسوره الحديدي المطل علي النيل غرفاً مفروشة البعض أحض المفارش والوسائد للنوم الآخر في صحبة أواني الطهو العامرة بكل أنواع الطعام ونشاهد الاطباق والفواكه وصواني الحلويات وأكواب الشاي آخر أكثر جنوناً أخضر جهازاً للتليفزيون يبث إرساله عبر وصلة في بطارية سيارته تجمعات بالعشرات فوق هذا الكوبري الأسر المتواضعة تكتفي بافتراش أرض الرصيف مع الثرثرة والنميمة أثناء تناول بعض السندوتشات الهذيلة التي لا تسمن من جوع فجأة وسط هذا الحشد وطابور السيارات المنتظرة وفي صف ثان يقف موكب من السيارات الفارهة ينطلق منها الزغاريد والأغاني والتصفيق والصياح مع كلاكسات متقطعة أثارت الانتباه انه موكب لأحد الافراح يترجل العروسان في ملابس الفرح الزغاريد تلاحقهما والعشرات من خلفهما العريس يحتضن عروسه في شوق وحب متوجهاً إلي السور المطل علي النيل لالتقاط الصور التذكارية وتبطئ مئات السيارات فوق الكوبري بدافع الفضول لا غير وتتبادل مع موكب العرس إطلاق آلات التنبيه تحية للعروسين وتتوقف الحركة بل تصاب بالشلل التام في المناطق أسفل الكوبري العلوي أما دولة فيما يسمي بالتوك توك فقوامها البلطجة والسوقية والاستهتار وضحاياها بالعشرات في كل مكان وفي داخل محطة مترو الانفاق نشاهد الفوضي وسوء السلوك وبفعل البشر بقايا ومخلفات ورقية ومعدنية فوق المقاعد داخل المترو وفي أماكن الانتظار علي الرصيف بالقرب من صناديق القمامة ناهيك عن القفز فوق البوابات الالكترونية وفتح أبواب المترو عنوة بكل البلطجة والعنف أثناء تحرك القطار لقد اصيبت الشخصية المصرية في مقتل وبكل الاشكال والأنواع في المدرسة والجامعة في الفن والإبداع والحياة نحن نحتاج إلي قانون للمرور لكل حياتنا وليس لحركة المواصلات والسيارات في شوارعنا وطرقنا قانون يضبط إيقاع حركة الحياة التي أصابها الترهل والانفلات والفوضي وعدم الضمير بكل درجاته عندما أعود إلي حركة التاريخ والزمن اسأل ماذا حدث للوطن الذي أنجب الزعماء والقادة والمفكرين والفلاسفة والفنانين ماذا حدث لهذا الوطن الذي ضرب أروع الامثلة في التحدي والصمود في شتي المعارك والمواقف والأزمات البلد الذي قدم للعالم والتاريخ أقدم الحضارات بكل ماتعني وفي شتي مجالات تلك الحضارة الإنسان المصري الذي يقود ويبتكر ويكتشف ويخترع ويقدم للبشرية زاداً هائلا من المعرفة والفكر والعلم في شتي المجالات نحن نحتاج إلي قانون للمرور داخل المنزل وفي المدرسة والجامعة والمؤسسة قانون للمرور يوقظ داخلنا القيم النبيلة والأصيلة التي تربي ونشأ عليها أباؤنا وأجدادنا قانون للمرور فيما نسمع من أغان وطرب ونشاهد من أفلام ومسرحيات قانون للمرور يضبط إيقاع معاملاتنا فيما بيننا والتي وضع أسسها وتعاليمها الأنبياء والرسل قانون للمرور شعاره تقوي الله وحسن الخلق.
|