النصوص لا تطال اللصوص !! بقلم : محمد أبو كريشة mabokraisha@yahoo.com mabokraish@hotmail.com
لا أحب تعبير سيادة القانون وتعبير "مجلس الشعب سيد قراره".. فالمفروض أن القانون خادم وليس سيداً.. المفروض أن القانون مثل الشرطة في خدمة الشعب.. المفروض أن الشرطة في خدمة الشعب.. والقانون في خدمة العدل.. وهناك ثقافة عامة تُغلِّب الفئوية علي الجماعة.. كأن يُقال إن الصحافة سلطة رابعة.. وأنه لا ينبغي أن يكون هناك سقف لحرية الصحافة والإعلام.. ثقافة الفئات والنخب والمهن خلقت تنازع الأدوار وصراع السلطة والتنافس علي خطف الشعب أو الأمة.. ثقافة الفئات والمهن والنخب جعلت الكل أوصياء علي الشعب الذي يعتبره أهل النخب قاصراً لم يبلغ الرشد بعد ويبدو أنه لن يبلغه أبداً.
سيادة القانون وسيد قراره والسلطة الصحفية والشرطة التي ترفض الآن شعار "في خدمة الشعب" وتريد أو هي فعلاً استبدلت به شعار: "الشرطة والشعب في خدمة الوطن".. كل هذه النعرات تعبر عن ثقافة التعالي علي الشعب.. وثقافة الخروج من عباءة الشعب وارتقاء مقاعد حُكمه وتوجيهه والوصاية عليه.. هناك صراع مرير بين النخب والفئات وذوي المهن علي خطف الشعب وانتزاع السيادة عليه.. ويدل علي ذلك طوفان الألقاب التي يبتكرها أصحاب المهن لأنفسهم وتلك الهالة المزيفة التي يحيطون بها ذواتهم العلية.. حتي أصبح الضباط باشوات والصحفيون مفكرين وكُتَّاباً كباراً. والقُضاة أصحاب مقام رفيع. والفنانون نجوماً للجماهير ونجوماً لمصر ونجوماً متألقين..
إنها ديكتاتورية النخب والمهن التي تقتل أي محاولة جادة لجعل الديمقراطية منهجاً للحياة في هذا البلد.. ولا أدري "بأمارة إيه" يحصل الصحفيون والقُضاة والمحامون والأطباء ورجال الأعمال علي كل هذه السلطات وكل هذه الهالة.. فأهل المهن لم يعد لهم عمل سوي التعالي علي الشعب.. واعتبار أنفسهم من طينة أخري غير طينة الشعب.. لذلك تحدث معارك تكسير عظام بين القضاة والمحامين.. وبين القضاة والصحفيين.. وبين الصحفيين وبعضهم. وليس لهذه المعارك سوي هدف واحد هو محاولة خطف السيادة والوصاية علي الشعب والظهور أمامه بمظهر الجيش الذي لا يقهر.. حتي أننا انشغلنا تماماً عن قضايا الشعب والوطن بمعارك النخب وأهل المهن.. كل فريق يريد أن يظهر أمام الشعب بأنه السيد الأقوي.. وتستخدم في تلك المعارك أسلحة محرمة وقذرة تعري النخب تماماً أمام الشعب وتفقده الثقة بها.. كما تظهر هذه المعارك القذرة سوءات أهل النخب والمهن وعوراتهم وأنهم لا يقلون تدنياً وبشاعة عن هؤلاء الذين نسميهم السوقة والدهماء.. فمعارك النخب وأهل المهن لا تختلف كثيراً عن معارك البلطجية في محاولاتهم للسيطرة علي منطقة ما أو علي موقف ميكروباص.. وإذا كانت معارك البلطجية والمسجلين "والزلنطحية" تستخدم أسلحة القتل المادي والجسدي فإن معارك بلطجية النخب وأهل المهن تستخدم أسلحة الاغتيال المعنوي وتستخدم سلاحاً أخطر وهو سلاح القانون الذي أصبح في زماننا الرديء سيداً للشعب وخادماً لأهل النخب والمهن والأغنياء..
ولا أحد يحاول إقناعي بأن معارك شوبير ومرتضي.. أو معارك الزمالك وجدو.. أو الزمالك والأهلي أو الأهلي والإسماعيلي.. أو معارك رجال الأعمال السُفْلية.. أو معارك نواب البرلمان.. أو معارك القُضاة والمحامين.. أو معارك الصحفيين.. أو معارك الإعلام المسمي الرياضي لصالح الشعب ولخدمته "فرأسي وألف سيف" بأنها جميعاً معارك بلطجية ومسجلين هدفها خطف الشعب والسيادة عليه.. وكثير من هذه المعارك وخصوصاً المعارك الكروية يستخدم فيها الشعب وقوداً للنار من أجل الأهلي أو الزمالك أو الإسماعيلي.. فأهل النخب والمهن.. يجندون الشعب ليخوض معاركهم.. وفي النهاية يموت الشعب وينشغل المتعاركون بجمع الغنائم.. وجني الثمار.. وكثيراً ما يتصالحون فوق جثث الجماهير التي ماتت أو دخلت السجن وانخدعت بهذه المعارك الوهمية التي يخوضها مرتضي وشوبير وخالد الغندور ومدحت شلبي وعلاء صادق وجدو وإبراهيم حسن وأمثالهم من نجوم الزمن الرديء.
* * *
عندما تغرق الأمة في طوفان من التشريعات والقوانين فاعلم هداك اللَّه أن الأمر يشبه تماماً طوفان الشعارات والهتافات.. فالقاعدة تقول إن علو كعب الشعارات يدل علي ضمور وتآكل المضامين والدلالات.. كذلك فإن طوفان القوانين والتشريعات يدل علي ضمور العدالة وتآكلها.. ويمكننا أن نقول ونحن في منتهي الرضا والراحة لما نقول إن هناك تناسباً عكسياً بين القانون والعدالة.. فشيوع وإسهال القوانين يؤكد غياب العدالة أو ضمورها.. فالقانون لا يعني العدالة بالضرورة.. بل إنه يعني في كثير من الأحوال الظلم والفوضي.. القانون قد يستخدم لتقنين الظلم وتقعيد الفوضي والتنظير للفساد.. ومن المظاهر الدالة علي ذلك أننا نسن التشريعات لظواهر فرضت نفسها علي المشهد.. بمعني أن الظاهرة السيئة كثيراً ما تسبق التشريع الذي يقننها ويعطيها شرعية لم تكن لها.. ومعني ذلك مرة أخري أن التشريعات كثيراً ما تُسن لتنظيم الفوضي وجعل الفساد أمراً واقعاً.. وأسوأ ما يمكن أن يصل إليه أي مجتمع من عَوار وخلل هو الظلم بالقانون والعسف بالتشريع.. والإسهال التشريعي لإدارة الظواهر السيئة يؤكد العجز الكلي عن مواجهة هذه الظواهر والقضاء عليها.. فعندما أصبحت العشوائيات أقوي من الحكومة.. أي حكومة وصارت محميات للأغنياء ورجال الأعمال اخترعت الحكومة ما سمته تشريعات تنظيم العشوائيات والتعايش معها علي أنها أمر واقع.. كما أن الحكومة باعت القطاع العام وقادت بلدوزر الخصخصة في ظل دستور القطاع العام وقوانينه.. وبعد اكتمال تجريف القطاع العام وتسويته بالأرض ابتكرت الحكومة تشريعات الخصخصة ونصت عليها في الدستور.. ومعني ذلك أن الإجراء أو الفعل سابق للتشريع وأن التشريع لا دور له إلا إضفاء شرعية علي فعل لم يكن شرعياً.
والخلاصة أن القانون في الخدمة دائماً وليس سيداً إلا علي الشعب.. بينما هو خادم مطيع وتابع أمين لإرادات وإجراءات الحكومة والنخب.. والخلاصة أيضاً أن الشعب لا دور له فيما يجري وأن المسألة مجرد "تستيف واستيفاء أوراق".. وهذه النكتة جعلت الأثر الرجعي يحكم معظم تشريعاتنا وقوانيننا.. رغم أن المنطق يقول إن أي تشريع لا ينبغي أن يطبق بأثر رجعي.. وأن الأصل في التشريع الإلهي والتشريع الوضعي أيضاً هو "عفا اللَّه عما سلف".. ومعني ذلك أن التشريع لا يجب أن يجعل ما كان باطلاً قبل صدوره حقاً..
وبمنتهي الصراحة لا أجد حرجاً في القول إن رجال القانون ورجال الإعلام هم الذين قادوا قطار الفساد في هذه الأمة علي مر تاريخها الحديث.. كانت القيادة أولاً لرجال الدين الذين أحلوا الحرام وحرَّموا الحلال من أجل عيون السلطة.. ولما فقد رجال الدين سطوتهم انتقلت القيادة إلي رجال القانون ورجال الإعلام الذين تحالفوا علي جعل الأسود أبيض. وجعل الأبيض أسود. وسوغوا للسلطة ما فعلت وأدخلوا الأمة في مجادلات عقيمة ومعارك شخصية واخترعوا تشريعات وقوانين ولوائح مليئة بالدهاليز والثغرات أوصلتنا إلي هذه الحالة من التيه.. وجعلتنا علي ما يشبه اليقين بأن في الحبس مظاليم وفي فضاء الحرية مجرمين.
هذه الأمة أصبحت بفضل رجال الإعلام والقانون أمة من ورق.. كل شيء فيها تمام التمام علي الورق فقط علي أساس أن القانون لا علاقة له بالواقع ولكن علاقته كلها بالورق.. ومادام ورقك مضبوطاً فافعل ما شئت.. وكل رجال القانون ورجال الإعلام أنبياء علي الورق لكن معظمهم شياطين في السلوك والفعل.
* * *
في دنيا السياسة يقولون إن الشيطان يسكن التفاصيل.. لكن في دنيا القانون يسكن الشيطان الثغرات والدهاليز والمذكرات التفسيرية والشروح.. وفي كل الأحوال العربية تسكن الملائكة النظرية. وتسكن الشياطين التطبيق.. والنظريات والنصوص دائماً ملائكية ورومانسية لكن التطبيق دوماً شيطاني وهوائي ومزاجي.. النظريات والنصوص عامة ومحايدة لكن التطبيق انتقائي ومنحاز.
والقانون من الأصنام التي نصنعها بأيدينا ثم نعبدها.. رغم أنه سلوك بشري ينبغي أن يخطئ ويصيب وهو سلوك بالتأكيد قابل للنقد والتقييم.. لكننا نضع أيدينا علي قلوبنا ونحن نحاول تتبع العوار والعورات في القوانين والتشريعات.. أو نحاول من بعيد إبداء عدم الاقتناع بحكم قضائي ما.. وهذه المحاولات محفوفة بالمخاطر والمحاذير.. فأنت تستطيع أن تجتهد وتصل إلي رأي مخالف لرأي أحد علماء الدين. لكنك لا تستطيع ذلك مع القانون ورجاله وأحكامه. فالقانون والقضاء وكل النخب في أمة العرب بلد حرام.. ومناطق لا يقترب منها إلا المطهرون من أهلها فقط.. الإشادة مقبولة ومسموح بها. لكن النقد ممنوع ومحظور.. وأتحدي أن يعرف أحد علي وجه الدقة واليقين إن كان المحكوم عليه مذنباً.. وإن كان المحكوم له بريئاً. فالأحكام خصوصاً في القضاء المدني والقضاء الإداري "رايحة جاية".. درجة لك ودرجة عليك.. دائرة لك ودائرة عليك.. وبريء اليوم مذنب الغد.. ومذنب اليوم بريء الغد.
ولأن القانون في أمتنا ليس قريناً للعدالة.. بل هو في كثير من الأحوال قرين الظلم. فإن الناس في معظم الأحوال يعزفون عن اللجوء إليه ويسعون إلي أخذ حقوقهم بأيديهم.. أو حتي أخذ حقوق غيرهم بذراعهم رغم أنف القانون.. واعتماداً علي أن القانون غالباً ما يقر أوضاعاً قائمة خلقها أهل السطوة والنفوذ بأيديهم.. والقانون في هذه الأحوال "يريح دماغه" ويطبق مقولته الخالدة "يبقي الوضع علي ما هو عليه".
والمرء الذي يريد أن يثبت قدراته وسطوته ونفوذه وحيثيته يخالف القانون ولا يلتزم به لأن ضعف القوانين وترددها جعل الناس يعتنقون مبدأ يقول إن الضعفاء فقط هم الذين يلتزمون بالقانون.. وإن قليلي الحيلة هم الذين يلجأون إلي القانون ويطلبون الحماية منه.. أما الأقوياء والأثرياء والصفوة وذوو النفوذ فهؤلاء يرون أن اللجوء إلي القانون عيب وسُبَّة في حقهم.. لأن القانون ليس سيداً بل هو خادم للأقوياء.
القوي يخالف والضعيف يلتزم.. هذه ثقافتنا وتلك مبادئنا التي جعلت كثيرين فوق القانون وفوق المساءلة.. فلا أحد يمكنه أن يمسك علي الأقوياء والأثرياء "حجة أو حاجة".. فهم يمتلكون جيشاً جراراً من عباقرة تستيف الأوراق.. ويملكون جيشاً أكبر من "شيالي القضايا".. والأوراق دائماً في صف الأقوياء وذوي السطوة.. لأن المرء كلما ازدادت قوته وأوغل في السطوة والثراء لا يخطئ ولا يخالف بيديه.. فهو يأمر أتباعه بأن يخالفوا له.. ويصدر قرارات وإجراءات المخالفة والخطأ شفهياً ويترك تحريرها للتابعين والأُجَراء.. والقانون لا يعرف إلا الأوراق ولا علاقة له بالواقع.. "الإجراءات سليمة.. خلاص.. براءة".. العقود "ما تخرش الميه.. خلاص.. هي عقود صحيحة ولا غبار عليها".
وكل ذلك يجعل دماء الضحايا تتفرق بين القبائل وتضيع في دهاليز وثغرات القوانين.. كل هذا يجعل الضحايا مجرمين بجرة قلم.. وهذا كله نشر ثقافة الخوف لدي الصغار والضعفاء.. وجعل الموظف الصغير يتردد ألف مرة قبل أن ينجز لك مصلحتك.. وهو غالباً لا ينجزها.. "تشتغل كتير.. تغلط كتير تتجازي.. ما تشتغلش.. ما تغلطش.. تترقي".. فالقانون لا يستأسد إلا علي الصغار والضعفاء والذين ليس لهم ظهر فيُضربون علي بطنهم في وطنهم.
* * *
واستئساد القانون علي الضعفاء والصغار فقط وعجزه أمام الأقوياء والأثرياء وذوي النفوذ هو المسئول عن شيوع الروتين والبيروقراطية وتعطيل مصالح الناس.. فالموظف يقول لك عبارته الخالدة المتوارثة: "هو انت حتنفعني لو رُحت في داهية؟!".. وتراه يفتش في الأوراق ويبحث عن توقيع غائب أو "ختم ناقص".. وهو في الواقع لا يريد أن ينجز المصلحة.. ويري عدم إنجازها أكثر أماناً له.. فالموظف لا يسأل عن تعطيل مصالح الناس ولا يعاقب علي عدم الإنجاز.. ولكنه يعاقب علي الإنجاز وقضاء المصالح.. هو دائماً كبش فداء عندما تقع أي واقعة والقانون لا يُطَبَق إلا عليه.
القانون عينه عمياء ويده مشلولة إذا تعلق الأمر بالأقوياء وذوي السطوة.. لكن عينه بصيرة ويده طويلة ولسانه أطول إذا تعلق الأمر بالفقراء والضعفاء.. ونحن لا نمل ترديد مقولتنا الصائبة: "إن سرقت اسرق جمل". لأن سارق الجمل يكون في مأمن من العقاب والمساءلة.. والقانون لم يستطع حتي الآن ولن يستطيع التوصل إلي سارق ونش مترو الأنفاق الشهير. ولكنه يستطيع خلال دقائق التوصل إلي سارق "الفرخة".. القانون زاعق بالنصوص القوية الجبارة. لكن النصوص أبداً لا تَطال اللصوص!!
نظرة
لم يحدث أن أعاد التاريخ العربي نفسه في الأحداث الناصعة التي تبعث علي الفخر.. لكنه دائماً يعيد نفسه في الأحداث المخزية والكارثية.. وحكاية رهان أعداء العرب علي أنهم قوم سرعان ما يعتادون الدونية. ويفقدون حماسهم حكاية قديمة جداً.. الكل يراهن علي نجاح التسويف وسياسة الوقت الضائع مع العرب. وزمان كان العرب متحمسين للاستقلال عن الاستعمار الغربي.. لكن مع مرور الوقت فتر الحماس وأصبحت المفاضلة بين أنواع الاحتلال هي الشغل الشاغل ودارت معارك طاحنة كلامية وجسدية في هذا الشأن.. "ناس عايزين الاحتلال العثماني.. وناس عايزين الاحتلال الإنجليزي.. وناس عايزين الألماني.. وناس عايزين الفرنساوي". ولكل فريق دفوعه وأدلته التي تؤيد رأيه.. أما الاستقلال فلا أحد يتحدث عنه لأنه خيال.. ويحدث هذا نفسه اليوم عندما أصبح الحديث عن إقامة الدولة الفلسطينية خيالاً.. والمعارك الدائرة الآن حول نوع المفاوضات وأماكنها.. "ناس عايزين مفاوضات مباشرة.. وناس عايزينها غير مباشرة.. وناس عايزين واشنطن.. وناس عايزين لندن.. وناس عايزين موسكو". وقد سأل أحدهم يوماً: لماذا أصروا علي أن تكون اللجنة الدولية الراعية لعملية السلام رباعية.. "ليه موش خماسية.. ولا ثلاثية ولا سداسية؟!..".. والجواب: أن اللجنة التي تتعلق بشأن عربي.. لابد أن تكون من نفس فصيلة العرب.. أي من ذوات الأربع!!!