لا تزال مشيخة الأزهر موضع أحاديث الناس بعد وفاة الشيخ محمد سيد طنطاوي الذي خدم هذا المنصب منذ عام 1996. وهي فترة ليست قصيرة بالنسبة لكثير غيره من الشيوخ الذين كان لهم شرف خدمة هذا المنصب الجليل وهو منصب له تاريخ بدأ باختيار أعظم العلماء في التقوي والعلم. ولم تتدخل السياسة في الاختيار إلا قليلا جدا عندما كانت الأحزاب المصرية تتوالي علي حكم مصر قبل قيام ثورة 23 يوليو. وكان الشيخ المختار إذا كان يعرف بميول حزبية فإنه يخلع هذه الميول عندما يتولي المشيخة الكبري ليكون عمله خالصا لله سبحانه وتعالي ولست أريد هنا أن أنبش في الماضي لأقيم الدليل علي ما أقول. لكن أمراً واحدا لا يجوز نسيانه وهو تغيير قانون الأزهر لتعيين الشيخ مصطفي عبد الرازق شيخا في عام 1945م. وكان يعرف بميول حزبية. لكن لم يكن اختلافا علي شخصه من ناحيتي التقوي والعلم وهما أهم المميزات التي يتم اختيار شيخ الأزهر علي اساسها وعندما تغير القانون لهذا التعيين اعترض الشيوخ الكبار في الأزهر علي هذا التغيير ليس اعتراضا علي الشيخ مصطفي عبد الرازق فقد كان استاذا كبيرا للفلسفة في جامعة فؤاد الأول "القاهرة الآن" لأكثر من عشر سنوات. وكان يشترط في شيخ الأزهر ان يكون قد قام بالتدريس في كليات الأزهر عشر سنوات. وهو الشرط الذي لا يتوفر لتعيين الشيخ مصطفي عبد الرازق. فتم تغيير القانون ليكون من شروط من يعين شيخا ان يكون قد قام بالتدريس في إحدي الكليات الجامعية عشر سنوات علي الأقل. وبهذا أجاز هذا التعديل في القانون اختيار الشيخ مصطفي عبد الرازق شيخا للأزهر. وعلي هذا تم تعيين الشيخ عبد الرحمن تاج شيخا للازهر نقلا عن منصب الاستاذ للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة عين شمس والتي كانت تسمي من قبل الثورة جامعة إبراهيم وللتاريخ أقوال كثيرة محققة بالنسبة لشروط التعيين في هذا المنصب الجليل. ولكن الحزبية كانت تتدخل في الاختيار أملا منها في ان يكون الشيخ علي هوي الحزب الحاكم في ذلك الوقت. لكن هذا الهوي - والحق يقال - لم يكن عدوانا علي الحقائق الثابتة لتولي المشيخة. وانما كان في تقديم الفاضل علي الأفضل يضاف إلي ذلك ان الذي يتولي المشيخة كان يخلع عن كتفيه كل العباءات التي يشوب نسيجها خدش قليل أو لون باهت. وذلك حتي تسلم المشيخة الكبري من أية شائبة ولو كانت غير ذات تأثير علي تصرفات من له شرف تولي المشيخة واذكر انه عندما تم تعديل قانون الأزهر ليجوز تعيين الشيخ مصطفي عبد الرازق شيخا للازهر في عام 1945 والذي لم تطل الحياة به في هذا المنصب حيث توفي بعد عامين فقط من توليه المنصب.
وكانت المسئولية الأولي في الدولة تعطي لهذا الاختيار قدره من ناحية الأفضلية للسبق في التعيين. ومن ذلك اختيار الشيخ محمود شلتوت شيخا للازهر في عام 1958م والذي مكث يشغله خمس سنوات. وفي ذلك حقيقة إذا ظلت خافية فإنه لا حرج الآن من إعلانها. وهي ان الشيخ محمود شلتوت اصيب بمرض في شرايين احدي ساقيه يمنعه من المشي علي قدميه إلا متوكئا علي سواه. وكان في ذلك الوقت يشغل منصب وكيل الأزهر. فأرسل إليه الرئيس جمال عبد الناصر طبيبه الخاص للكشف علي صحته وكتابة تقرير عنها. وذهب الطبيب بعد استئذان الشيخ في زيارته بدعوي انه يريد الحظوة ببركة الزيارة. ولما كشف الطبيب علي الشيخ بمناسبة هذه الزيارة المفتعلة قال الطبيب للشيخ "مبروك يا مولانا" وكان هذا مجرد إحساس من الطبيب. لكنه كان إحساسا صادقا. وصدر قرار بتعيين الشيخ محمود شلتوت شيخاً للازهر وهو مريض. وظل به حتي لقي ربه في عام 1963م بعد ان شغل هذا المنصب لمدة خمس سنوات صدر اثناءها قانون تطوير الأزهر الذي يحمل رقم 103 في أوائل الستينيات من القرن الماضي.
ومن الطرائف التي صاحبت اختيار بعض المرشحين لهذا المنصب الجليل ان الدكتور محمد الفحام الذي تولي المشيخة في عام 1969 ومكث بها حتي توفي إلي رحمة الله في عام 1973. وقد استدعي لتولي المشيخة بعد احالته إلي المعاش وإقامته الدائمة في منزله بالإسكندرية وعندما تولي المشيخة في عام 1969 لم يكن له منزل يقيم به في القاهرة. وكانت المشكلة في ايجاد منزل به مكان يسع مكتبته الكبيرة التي كانت تشغل مساحة تزيد علي مساحة عدة غرف واسعة يقال إن عددها يزيد علي سبع غرف. ولست أذكر كيف حل الشيخ هذه المشكلة. وكان هو الشيخ الذي يحمل رقم 43 في سلسلة الشيوخ العظام الذين تولوا المشيخة الكبري.
وكثيرة هي الحكايات الطريفة التي صاحبت الاختيار للمنصب الجليل. ولكنها كلها تسير في دائرة المعقول الذي يصاحب التعيين في هذا المنصب وكانت قد اثيرت من قبل فكرة لاختيار شيخ الأزهر من بين كبارعلمائه وبخاصة وانه كانت هيئة من هيئاته تسمي "هيئة كبار العلماء" يتم اختيار اعضائها اعتمادا علي بحوثهم العلمية في خدمة الإسلام والمسلمين منها رسالة العضوية في هذه الهيئة العالية وكانت تفوق في البحث العلمي رسائل الماجستير والدكتوراة التي تعد في زماننا الحالي ويتم مناقشتها بعد اجازتها من عدد من كبار الشيوخ والأساتذة في الأزهر لغيره من الكليات المدنية بالجامعات الأخري.
ومهما يكن من شئ فهذه ذكريات عن هذا المنصب الجليل الذي يتشوق الآن إلي من يشغله من كبار الشيوخ بعد وفاة الإمام الأكبر الشيخ محمد سيد طنطاوي رحمه الله ورضي عنه في الشيوخ الصالحين.
|