وإنك لعلي خلق عظيم تقدير النبي.. للأنبياء السابقين أ.د. طه حبيشي أسناذ العقيدة جامعة الأزهر القاهرة
إننا حين نلقي بأنفسنا في ساحة النبي نجد لهذه الساحة ضياءً يعين علي الرؤية. وشفافية تبعث علي الثقة.
فإذا ما طرحنا قضية للبحث والنظر وجدنا لهذه القضية نوراً لا يعادله في الكون نور لأنه نور النبوة. ومصداقية لا يعادلها بين سلوك الكائنات مصداقية أخري لأنها حديث الصادق المصدوق.
وإذا ما أردنا تفصيل القول فيما أجملناه فإنه يمكننا أن نرجع إلي الواقع الذي نعيشه وإلي واقع عصر المبعث. والتاريخ الذي وصل إلينا تواتراً ينقله جيل عن جيل من الآن إلي مصدره. ونحن نأمن من تواطؤ أفراد كل جيل علي الكذب.
إننا إذا تأملنا هذا الواقع الذي نعيشه وجدنا أصحاب الحضارات من غير المسلمين. وأصحاب الديانات الأخري غير الإسلامية يرفعون شعارات يريدون أن نعمل معهم تحتها. من نحو: حوار الأديان. وحوار الثقافات.
والقوم حين رفعوا هذه الشعارات استجاب المسلمون علي المستوي الرسمي. واستجاب أصحاب المصالح علي المستوي الشعبي. المهم اننا استجبنا لهذه الشعارات علي رضيً منا وارتياب. لكن الأيام قد أظهرت أموراً ما كنا نريد أن نصل إليها لسبب بسيط. وهي انها في أقل القليل تطعن في مصداقية الشعارات. وتلطخ وجه اللافتات بما يكاد يطمس ما كتب عليها من الكلمات. إن حوار الأديان عند القوم يعني أول ما يعني ان المسلمين يجب عليهم أن يتنازلوا عن بعض عقيدتهم في الله وفي النبوة وفي اليوم الآخر حتي يمكن أن نتحاور علي أرضية مشتركة. بمعني انه يجب أن نغير مفهومنا عن الله. وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه. كما يجب أن نغير مفهومنا عن النبوة فنتنازل عن نبوة سيدنا محمد أو نكتمها علي الأقل.. بحيث لا تظهر إلا في داخل المساجد. فضلا عن وجوب تنازلنا عن أن يكون النبي محمد صلي الله عليه وسلم هو خاتم النبيين ونبوته عام للثقلين.
وفي مجال النبوة يجب توسيع مفهومها بحيث تشمل جميع الهرطقات. وجميع الترهات. وكل الهلوسات التي تصدر عمن يعقل وعما لا يعقل . فكل من تحدث عن الماضي السحيق بغير دليل. أو عن المستقبل بغير مقدمات كان نبياً. وجاز أن يطرح نفسه علي طاولة حوار الأديان. وعلينا أن نقبله.
وهناك أمر آخر بالغ الخطورة. وهذا الأمر هو: ان كل مسلم يؤمن بمبدأ الحوار بين الأديان عليه أن يسمع للآخر ويطيع. مهما نظر إليه الآخر من مكان يرقي فوقه درجات بعدها درجات.
وعلي كل مسلم يؤمن بمبدأ الحوار بين الأديان أن يعترف للآخر بدينه سماوياً كان هذا الدين أو وثنياً. ومن حق الآخر أن يتنكر لدينه الإسلامي ويشكك فيه. ويتوجه إلي رموزه بالإهانات.. وإلي غير ذلك من أشباه ما ذكرناه ونظائره.
هذا هو شكل حوار الأديان علي نحو ما يريده الآخر. وعلي نحو ما يريدون منا أن نتصوره. فإن قبلنا هذا الوضع وعملنا علي مقتضاه قبلنا الآخر. وإن لم نكن علي هذا المستوي الرخيص ألصقت بنا التهم. فنكون أصوليين. ونكون إرهابيين. ونكون أعداء للسامية ونحن ساميون.. إلي غير ذلك وهو كثير. والمتخصصون في نحت الألفاظ وتشويه مدلولاتها قائمون علي قدم وساق يطالعوننا بكل جديد من الألفاظ والمصطلحات المحرفة والمشوهة. أو المنقولة من مجال دلالتها إلي مجال آخر. وحظ حوار الثقافات والحضارات كحظ حوار الأديان من المصداقية أو الشفافية أو الأرض التي ينبغي أن نعمل عليها. أو الخط الذي ينبغي أن يقف عنده المتحاورون.
وعلي المسلمين في جميع الأحوال أن يعلموا ماذا يراد بهم. وماذا يراد منهم. فإذا ما أردنا الحديث نظيفا والمستوي منه راقياً فعلينا أن نذهب إلي واقع النبوة في عصر المبعث.
إن النبي في علاقته بالأنبياء. وعلاقة دينه بالأديان ينطلق من مباديء لا يختلف عليها اثنان.
فهو من حيث المنهج ملتزم بكل ما جاء به الأنبياء. بل ان بعثته مؤسسة علي هذا التشابه في المنهج والطريقة.
ففي القرآن قول الله عز وجل: "قل ما كنت بدعاً من الرسل" فمنهجه منهجهم. وطريقته طريقتهم.
* ومن حيث العقيدة وأصول الدين. فهم جميعا دينهم واحد علي نحو ما صرح رسول الله صلي الله عليه وسلم. وعلي نحو ما صرح القرآن الكريم. وفيه قوله تعالي: "شرع لكم من الدين ما وصي به نوحاً والذي أوحينا إليك وما أوصينا به إبراهيم وموسي وعيسي أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر علي المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب" "الشوري: 13".
وفي مجال تنظيم السلوك والشريعة التي تجمع قواعد السلوك. فإننا نجد لكل نبي شرعته من أول آدم إلي خاتمهم محمد صلي الله عليه وسلم علي نحو ما صرح به القرآن الكريم. والتزم به النبي الأمين. وورثته أمته من بعده.
ففي القرآن قوله تعالي: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" "المائدة: 48". وهذا خطاب للنبيين عامة وحينما انتهت الرسالات إلي النبي صلي الله عليه وسلم قال الله له: "ثم جعلناك علي شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون انهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين" "الجاثية: 18. 19".
وفي مجال العلاقة الأخوية بين الأنبياء نجد النبي صلي الله عليه وسلم يسمو بها إلي أعلي الدرجات. ويرتقي بها إلي الحد الذي يناسبها. فالنبي مع النبي أولي من النبي مع أمته. إذ النبي مع النبي تحكمهما مرتبة واحدة. ووظيفة واحدة. ومنهج واحد. وتوجه بعينه إذا كانت هذه هي علاقة النبي بإخوانه فعلاقة الأنبياء به هي علي هذا المستوي نفسه يظهر ذلك في روايات أحاديث الإسراء والمعراج. فهم قد جمعوا له في المسجد الأقصي وقابلوه بغاية الترحاب. وحكمة يعلمها الله.. صلي النبي بهم إماماً.
ثم هم قد قابلوه متفرقين في السماوات العلا بالترحاب نفسه. إلي حد ان موسي عليه السلام حين قابله بكي من شدة الفرح بلقاء نبي من إخوانه الأنبياء طالما سمع به في عصر نبوته وزمان أدائه لرسالته.
ولقد بلغ من حرص موسي عليه السلام علي نجاح سيدنا محمد في مهمته أن قال له: ارجع إلي ربك فاسأله التخفيف عن أمتك في عدد الصلوات التي فُرضت عليك وعلي أمتك. فقد بلوت الخلائق قبلك واتيتهم من التكاليف بما لم يبلغ عشر معشار ما جئت به. فندوا وخرجوا عما كلفهم الله به.
ونحن إذا قرأنا تاريخ النبي صلي الله عليه وسلم لوجدنا حرصه الشديد علي علاقته بإخوانه من الأنبياء.
فهو حين جاء المدينة مهاجرا وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء. فلما سألهم عن سبب صيامهم هذا اليوم قالوا: إن هذا يوم قد نجي الله فيه موسي وقومه من فرعون وقومه. ونحن نصوم هذا اليوم شكراً لله علي نعمائه. فقال النبي: نحن أولي بموسي منكم وصامه وأمر الناس بصيامه. وظل المسلمون يصومون هذا اليوم عزيمة وفرضاً إلي أن فرض صيام رمضان. فبقي صيام هذا اليوم في أمة محمد ندباً واختيارا.
وحين تفاخر اليهودي بموسي عليه السلام أمام أبي بكر. ورفع مرتبة موسي علي مرتبة النبي. وتحاكما إلي رسول الله. نهي النبي أمته أن يفضلوه "وهو الأفضل" علي غيره من الأنبياء حفظاً علي علاقته بهم. ومن يومها وقد حرم علي الأمة أن ترفع النبي علي إبراهيم. أو علي يونس. أو يوسف أو علي غير هؤلاء من الأنبياء والمرسلين.
ويظهر مما ذكرناه ومما لم نذكره ان النبي صلي الله عليه وسلم قد اتخذ من علاقته بالأنبياء طريقاً من طرق كثيرة رسمها لنفسه كلها تصب في مكارم الأخلاق. وهو أمر قد انحرف عنه دعاة اتخاذ الحوار بين الأديان وسيلة للتقارب بين الأمم . وهو شعار علي غير مصداقية اتخذ للناس ثياباً رقيقة يدعيها من الأخلاق وهي ليست منها. بل إن انتماءها لأسرة الرياء وفضيلة النفاق. يدرك ذلك من تأمل سلوك دعاة اتخاذ هذا الشعار بقليل من التأمل. وصدق من قال:
ثوب الرياء يشف عما تحته
فإذا اكتسيت به فإنك عار
ما أجمل حياة النبي حين نتأملها. وما أجمل سلوكه حين نتخذه منهج حياة هيا نسلك الطريق إلي يوم اللقاء.