في مثل هذا الوقت من كل عام تظهر مشكلات النجاح في امتحانات الثانوية العامة فالرسوب وحده ليس هو صاحب المشكلات ولكن النجاح هو الآخر لا يخلو من مشكلات وقد تتسبب درجة واحدة أو نصف درجة في وجود مشكلة لدي الطالب الناجح لان هذه الدرجة أو نصفها قد يضيع بسببها الالتحاق بالكلية المأمولة وبعض الطلاب يفضلون إعادة الامتحان في السنة القادمة عسي أن يظفر الواحد منهم بمجموع الدرجات الذي يريده أو أكثر منه أملاً في الكلية المنشودة وهذا يؤكد ان النظرة العامة ليست إلي العلم وحده وإنما إلي نوعية العلم وهذا ناتج من التفرقة بين عمل وعمل وليس بين إجادة عمل دون عمل آخر. فالإجادة قد ترفع الأدني في الاحترام إلي أكثر ممن هو أعلي منه فمثلاً قد يكون ممرض جاد في عمله بالمستشفي أكثر احتراماً من الطبيب غير الجاد وهذا عدا جدوي الممرض الجاد في توفير أسباب الشفاء للمريض عن الطبيب غير الجاد الذي لا يوفي عمله من الاهتمام الواجب بالإضافة إلي الأثر المأمول في شفاء المريض.
نعود إلي مشكلات النجاح في الثانوية العامة وهي تحظي باهتمام أكبر من مشكلات النجاح في نهاية أية مرحلة أخري دونها مثل الابتدائية والاعدادية لأن الثانوية العامة تؤهل للمرحلة ذات الأثر الأخطر في المستقبل هذا كله ناتج من سوء النظرة إلي العمل نفسه فمثلاً قد يجري طبيب جراح عملية جراحية ناجحة لمريض ثم يترك المتابعة لمشتغل بالمعاونة في هذا المجال وقد يؤدي هذا الأخير عمله باهتمام يؤدي إلي نجاح الجراحة والوصول بها إلي أهدافها وقد يهمل هذا الأخير في عمله فتكون النتيجة عكسية ويقع اللوم أولاً علي الطبيب الذي أجري الجراحة الناجحة لأنه لم يتابع رعاية المريض الذي أجري له الجراحة التي وفقه الله في نجاحها وهذا يؤكد أن النجاح يحتاج إلي رعاية واهتمام من الناجح وممن حوله من الأهل والأحباب والأصدقاء وبعض الذين يحصلون علي درجات عالية في الثانوية العامة لا يكونون علي المستوي نفسه في التعليم العالي وعلاج هذا لا يكون وقتياً وإنما يبدأ من السنوات الأولي في السلم التعليمي فبعض مشكلات التعليم العالي تبدأ بنقص الاهتمام أو الرعاية في السنوات الأولي للتعليم ويغطي علي هذا النقصان ما ابتدعناه من الدروس الخصوصية أو مجموعات التقوية كما يسمونها وهذه إضافات إلي العملية التعليمية الأصلية التي يجب ان تتم كاملة في الفصل الدراسي بحيث يكون هذا الفصل نموذجياً في جميع مكوناته من البناء والإضاءة والتهوية ووسائل التعليم وأن يكون المعلم علي كفاءة تربوية عالية وان يكون عدد التلاميذ في الفصل ملائماً لقدرات المعلم طبقاً لمقاييس التوسط المطلوب لنجاح العملية التعليمية بحيث تختفي من الحياة التعليمية هذه العورة الفاضحة في جسم التعليم والتي تسمي بالدروس الخصوصية.
إن نسبة النجاح في الثانوية العامة أو في أية سنة دراسية لا تدل علي توفر النسبة نفسها في العملية التعليمية لأن هناك عوامل أخري مساندة لهذه العملية التي يجب ان تتم في الفصل المدرسي وليس خارجه واشراك أهل التلميذ في العملية التعليمية بأية وسيلة خارج المدرسة لا تخدم عملية التعليم بالإضافة إلي أنها تضر بعملية التربية ذاتها والأسباب كثيرة يدركها أهل العلم بالتربية والتعليم.
ولا يصح ان يلام وزير التعليم في ذلك لان هذا الحاضر التعليمي ليس ناتج عمل دراسي خلال عام واحد وإنما هو ناتج اختلال في العملية التعليمية وفتح الباب علي مصراعيه لتعليم الأطفال دون ان تكون هناك امكانات استيعابهم جميعاً في الفصول الدراسية علي نحو تتم معه عملية التعليم بنجاح مع توفر التربية إلي جانب التعليم وأن يكون أهل بيت التلميذ علي كفاءة لازمة لنجاح التعليم بالمدرسة.
إن نجاح وزير التعليم في عمله لا يقاس بنسبة النجاح في الثانوية العامة وإنما يقاس بالخطوات التي يخطوها متتابعة في القيام بجهاز التعليم برسالته الواجبة والوزير معذور إذا لم يستطع تحقيق هذا النجاح فالعلاج يحتاج إلي وقت طويل ولكنه يجب ان يبدأ بالسنة الأولي في التعليم وان يتفرغ المعلم للتعليم داخل المدرسة وليس خارجها إلي جانب العوامل المساعدة التي يدركها جميع المشتغلين بالتعليم.
|