الدنيا أخبار شعار الجمهورية
 
إصدارات الدار
الإعلان في الموقع
 
للإعلان في الموقع
 
 
   
ارتفع صوت أذان المغرب من المسجد المجاور.. فأغلق الصغير النافذة وجري إلي سرير أبيه الصائم يوقظه لتناول طعام الافطار.
غضب الأب وانتابته حالة هستيرية وارتفع صوته الغاضب يلعن ابنه ويسبه بأقذع الألفاظ مهدداً إياه بالضرب وتعليقه من قدميه في سقف الغرفة.. فقد كان يسبح في نهر من الرؤي والأحلام وها هي التفاصيل تتساقط من ذاكرته ولن يتمكن من طرحها علي الشيخ ليقوم بتفسيرها له.
جلس الصغير يبكي وجسده يرتجف من الخوف.. وبرد الطعام علي المائدة بينما دخل المطبخ.. أعد فنجاناً من القهوة وأشعل سيجارة وظل يردد ما رآه في منامه بصوت عال كي يسأل الشيخ الذي ما إن حان وقت برنامجه علي إحدي القنوات الفضائية حتي اتصل مرة ومرات.. فهو من زبائن الشيخ الدائمين وسوف لا يبخل بالرد عليه.
تم التواصل وها هو يسرد علي الشيخ ما رآه في المنام.. وصوته الورع الخاشع يتهدج بالسؤال فقد رأي النبي صلي الله عليه وسلم رأي العين وربما تحدث معه.
تهلل وجه الشيخ وأجاب: فمن رأي النبي في المنام فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل به.. فهناك كثير من الأحاديث النبوية التي أوضحت ذلك.. كما أن رؤية النبي درجات ترتبط بقوة إيمان من رأي الرؤية.. فمن يري الرسول وهو في شيخوخته فمعني ذلك أن هذه السنة ستكون عام خير وسلام.. ومن يراه وهو في شبابه فسوف تمر سنة الرائي شديدة صعبة.
جلس مهموماً فهو لا يتذكر ما إذا كان قد رأي النبي وهو في شيخوخته أم في شبابه فراح يصب اللعنات علي الطفل الصغير البريء بينما اكتفت زوجته بالصمت وهي تردد همساً بعض الآيات والأدعية القرآنية.. فهي تعرف أن زوجها يكذب وقد أدمن الكذب في اليقظة والمنام لمجرد إثبات ذاته والتحايل علي عقد النقص الدفينة التي تلازمه منذ طفولته المبكرة.
منذ تزوجته وهو يكذب.. يكذب بجرأة ووقاحة وصفاقة منقطعة النظير.. يختلق قصصاً وهمية يزينها له خياله المريض وما يشبه الهلاوس العقلية ليثبت لها زورا وبهتانا أنه أفضل رجل في العالم وأن عليها أن تصلي في معبده ليل نهار.. وأن تطيعه طاعة عمياء فإن رفضت أو تذمرت استدعي فوراً حراس الوهم والخديعة والنفاق.. ينهالون عليها بالألفاظ النابية والشتائم السوقية وفتونة العضلات.. فكيف لمثله أن يري الرسول في منامه ولم يقترب يوماً من الصلاة ولم يشغل الله تفكيره وقلبه ونفسه.. ولم يخرج يوماً صدقة أو زكاة بل يعيش عالة عليها.. يكنز راتبه وماله ويحملها مسئولية الانفاق علي الولد والبنت.
أخذها من تأملاتها رنين جرس الباب المتواصل.. جارتها جاءت تصحبها للمسجد لأداء صلاة التراويح مثلما اعتادتا في ليالي رمضان.. طوال الطريق وهي تفكر في الخلاص منه مثلما فعلت من قبل.. لقد انفصلت عنه ثلاثة أعوام كاملة عاشتها بمفردها وابنها البالغ من العمر 9 سنوات.. لكنها مازالت تذكر نظرات الجيران والأقارب والأصدقاء وزملاء العمل.. مازالت أصواتهم ترن في أذنيها.. يسألونها دوما بل يعتبرون أن سؤالهم عن الحالة الاجتماعية حق طبيعي لا يمكن أن ينكره عليهم أحد ولا يعتبر تدخلاً في حياتها الشخصية.. وبواب العمارة.. كيف كان يطاردها بنظراته الثاقبة كلما خرجت وعادت أو دق بابها زائر غريب.. وكأن مسئوليته حماية أخلاقها والاحتفاظ بسجل لزوارها.. وابنها الوحيد وجد نفسه في عالم الإنترنت بعد أن ضاع في دنيا الواقع.. يبحث عن الرفقة والأمان لدي مدمني الشات وألعاب الكمبيوتر.
توقفت السيارة أمام المسجد.. ففي شوارع القاهرة لا يمكنك أن تسير علي قدميك نهاراً أو ليلاً دون أن تشعر بالصدمة والتعب والغضب والملل والتوتر.. تحتاج إلي قدرات خاصة للتعامل مع الحفر والبالوعات المكشوفة والأرصفة المتكسرة والمرتفعة وزحمة المرور الخانقة.. مثلما تحتاج إلي لغة خاصة للتعامل مع الباعة الجائلين وأطفال الشوارع والمتسولين الذين يحتلون الشوارع وأرصفة البنوك والمطاعم والمساجد يزعجونك بمطاردات عنيفة.. يقفون أمامك يمدون يدهم يطلبون منك نقوداً ليأكلوا وإذا لم تمنحهم شيئاً جروا وراءك ممسكين بثيابك.. يعطون أنفسهم.. علي اختلاف أعمارهم وتفكيرهم.. الحق في ارهابك بل يعتبرونه واجباً.. ثم هؤلاء الذين شردتهم البطالة فتفرغوا لمعاكسة النساء.. يعاكسون من ترتدي البنطلون الجينز المحزق والبلوزات العارية ومن ترتدي الحجاب.
في المسجد تجد نساء من كافة الأعمار والطبقات والثقافات.. يمارسن طقوس الشعائر والأدعية والصلوات.. بعضهن متزمتات يكتمن في صدورهن أسرار التعاسة والشقاء.. والبعض الآخر تنساب أوجاعهن عبر أحاديث عفوية تبث الشكوي والهموم في زمن عز فيه التواصل والأصدقاء إحداهن ظلت تبكي وهي تحكي عن زوجها الذي استولي علي أموالها وتزوج من فتاة في عمر بناته.. فتواسيها امرأة عجوز حكيمة نذرت نفسها لمساندة الأخريات وافهامهن صحيح الدين.. تبدأ حديثها بصوت يفيض بالصدق والحنية.. تقول إن المجتمع المصري الذكوري وليس الإسلام هو المسئول عن أوجاع المرأة وعدم حصولها علي حقوقها كاملة.. ثم تحذرهن من وهم الاعتماد علي الرجل مادياً فلم يعد الرجل قادراً علي أن ينفق عليها.. وقد صارت المرأة أكثر قدرة علي الحركة وكسب رزقها بنفسها.. فالرجال قوامون حقاً علي النساء بما أنفقوا.. ثم أخذت العجوز تندد بالمرأة التي تستسلم للحزن والقهر فتسقط فريسة للمرض الذي يحرمها من العمل ورعاية بيتها وأولادها لأجل رجل لا يراعي الله وضميره في معاشرتها ومعاملتها.. وراحت تحكي كيف فقد نبي الله يعقوب بصره حزناً علي فراق ابنه يوسف عليه السلام فقد أصابته المياه البيضاء وكف بصره "وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم". وبعد سنوات ألقي البشير قميص يوسف علي وجه يعقوب فارتد بصيراً بقدرة الله.. فالحزن الشديد يضاعف من نسبة هرمون الأدرينالين الذي يتسبب في زيادة نسبة السكر وهو أحد مسببات العمي.
كلمات المرأة العجوز لمست عقلها قبل قلبها وقد قررت أن تهتدي بقميص الشفاء الذي طلب يوسف من أخوته أن يذهبوا به لأبيهم وألقاه البشير علي وجهه فارتد بصيراً.. قررت أيضاً أن تهزم الحزن قدر استطاعتها بالصلاة والدعاء والتعايش الواعي مع أكاذيب زوجها وضلالاته في اليقظة والمنام فالتعاسة الزوجية تصيب المرأة في مقتل.. وتهدد حياتها وصحتها حيث الإصابة بالاكتئاب وارتفاع ضغط الدم والسمنة أو النحافة الزائدة وانسداد الشرايين والاضطرابات العاطفية والنفسية بينما يظل الرجل سليماً معافي يمارس هوايته الغريزية التي أرضعتها له أمه مع حليب الصدر فيتغني بذكورته ليل نهار ويمتدح قوة عضلاته التي تنصبه ملكاً علي العرش فيصبح أسداً داخل جدران البيت.. يرهب زوجته وأطفاله.. وعندما يغادره يشعر بالنقص إلي درجة الإحساس بالدونية ويظل يبحث عن هويته فلا يجد لنفسه مكاناً بين الرجال.
أغلبية ذكور هذا الجيل ليس فيهم من سمات الرجولة الحقة شيء.. يعيشونها كذباً وضلالات وأوهام في رؤي وأحلام اليقظة والمنام.
 
 
مقال رئيس مجلس الإدارة
الصفحة الأولى
أخبار محلية
تحقيقات
عالم واحد
كواليس الحكومة
نادى ادباء الأقاليم
جولة الكتب
مقالات
بلا قيود
فنون
الأسبوع الرياضى
تحليلات رياضية
حوادث وقضايا
مجرمون والله أعلم
الدين يقول لك
المحافظات
مع الجماهير
الحياة السياسية
معرفة بلا حدود
 
 
 
 
 
بيان الخصوصية

اتصل بـنا

Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail: eltahrir@eltahrir.net
المساء The Egyptian Gazette Le Progres Egyptien حريتى عقيدتى الكورة  والملاعب شاشتى Egyptian Mail Progres Dimanche العلم كتاب الجمهورية سمير رجب التحرير.نت