أشواك الحب
تقدمها : زينات إبراهيم
إلي وزير التعليم:
غناوي أطفالنا المجروحين
انقطعت الكهرباء وغرق البيت في الظلمة الحالكة.. وعندما طال انتظاري غادرت الغرفة بخطي بطيئة لا تخلو من رهافة وحذر.. ثم مشيت أتحسس بيداي سواد العتمة المخيفة. لكنني اصطدمت بقطعة أثاث ثقيلة فتوقفت قليلاً أتلمس شيئاً ما يقودني إلي المطبخ.. لكن هيهات. ففي العتمة تضيع المسافات. وتصعب المعرفة الدقيقة للاتجاهات!
أخيراً عرفت أنني وصلت إلي المطبخ. عندما لمست أصابعي عيون البوتاجاز.. وفتحت الأدراج بحثاً عن كبريت وبعض شموع. لكنني لم أستطع التوصل لشيء..
حاولت أن أحسن النظر بأذني وفشلت.. ووجدتني أتساءل: كيف تستطيع مريم ابنة الجيران أن تري بأذنيها؟!
فقدت مريم بصرها. لكنها تستطيع أن تعرف الاتجاه الصحيح وأن تقدر بالضبط المسافة بينها وبين أي شيء آخر.. حتي إنها كانت تستطيع أن تتعقب إحدي أوراق الأشجار الجافة وهي تتدحرج علي الأرض.. وكانت تعرف متي وإلي أي مسافة تستطيع أن تقفز. بحيث تتوقف. وتلك الورقة تحت إحدي قدميها عن طريق سماع الصوت!
وكان والداها يتمتعان بقسط كبير من الحكمة الفطرية.. يغدقان عليها المحبة والعطف والفهم. فلم يلجأ أحدهما أبداً إلي حمايتها بسبب فقد بصرها. ولم يخطر ببال أحدهما يوماً أن يمنعها من القيام بأي عمل مثلما يفعل سائر الأطفال المبصرين.. وبذلك لم يخلقوا في وجدانها شعوراً واعياً بأنها مختلفة أو منبوذة.. بل تركوها دونما تدخل في حياتها حتي حان وقت لابد من إلحاقها فيه بمدرسة ما.. ولكن إلي أي مدرسة تذهب مريم؟!
إن الذهاب إلي مدرسة عادية كسائر الأطفال المبصرين ينطوي علي كثير من الحرج والصعوبة والمخاطر النفسية.. مثلما لم يكن بمقدورهما تحمل نفقات ومصاريف إلحاقها بمعهد خاص للمكفوفين. حيث تتوفر الأجهزة الحديثة الخاصة بالتعليم ويتولي أساتذة خبراء مدربين أمر التربية والرعاية الشاملة.
دخلت مريم إحدي مدارس الحكومة للمكفوفين.. كانت أمها ترافقها إلي المدرسة يومياً ذهاباً وإياباً حتي أصبحت تضبط إيقاع حياتها علي دقات ساعة الوصول والرحيل. فمدارس المكفوفين في مصر لا تؤمن باصات للأطفال.. وعلي الآباء والأمهات تحمل مشقة الجهد والوقت دونما ذنب لتأمينهم ضد عناصر الخطر الكامنة والمتوقعة.
تعلمت مريم قراءة برايل ومثل أقرانها من فاقدي البصر لم تجد صعوبة في تعلم الحروف النقطية.. كما أن القراءة والكتابة بطريقة برايل ليست صعبة.. لكن مريم كانت تعشق الطبيعة.. تلمس الحجارة المتناثرة علي طول الطريق وتود لو تعرف أسرارها رغم ما كانت تتعرض له من صدمات وجروح دامية. فهي تذكرها بالجبال والأودية الصخرية الوعرة.. لكنها لم تجد في المدرسة مَن يفشي لها أسرار الطبيعة من صخور وطيور وحيوانات.. ولم تجد مَن ينزع من أعماقها الملل والضجر والضيق. فالدراسة الأكاديمية تتجاهل تجاهلاً تاماً إفهامهم ما يقرع أسماعهم.. وهذا الشوق الجارف لأن تتحول الحياة بكافة عناصرها ليس فقط إلي نقط موشومة علي الورق.. وإنما إلي كائنات حية تتمكن أصابعهم الحساسة المرهفة من لمسها والتواصل معها.
لا يزال أطفالنا المكفوفين يبحثون عن الملموس ورغبات مختزنة في العقل والقلب والروح تنشد المساندة والدعم النفسي والعاطفي والرعاية والاهتمام وأدوات التواصل وتكنولوجيا العولمة.
يحتاجون إلي منظومة تعليمية خلاّقة لا تهمل الأنشطة الثقافية والفنية والرحلات والنزهات والهوايات مع تأمين ذهابهم وعودتهم بباصات خاصة باشتراكات رمزية. ومنظمات مدنية تشرف عليها وزارة التربية والتعليم.. تضم متطوعين يقدمون خدمات للمكفوفين بالمجان.. فتتولي تسجيل أي كتاب مدرسي يحتاج إليه فاقد البصر علي شريط أو نسخه إلي طريقة برايل.. أيضاً الصحف والمجلات والمطبوعات المختلفة.. وتوفير أجهزة التسجيل والآلة الكاتبة والكتب الناطقة والمكتبات التي تقوم بمهمة إعارة الكتب المنسوخة بطريقة برايل لإعانة الطالب الكفيف والمدرس الكفيف علي أن يحقق القدر الكافي من الحرية والاستقلال والإحساس بالطمأنينة والأمان الذي يكفله له الدستور وحقوق المواطنة.
ومعلم متخصص حنون معطاء يساعد الطفل الكفيف علي اكتشاف حقيقته كإنسان وكل ما هو كامن في أغوار عميقة تحت السطح المزخرف بالسرية والغموض والخداع.. وأهم من ذلك كله عدم تذكيره بهذا العار.. عار فقد البصر الذي يفرضه بصورة تراجيدية نظام الفرز والتصنيف والعزلة.. بينما العار الحقيقي يكمن في عجز مدارسنا عن مواجهة كل تحديات الظلام بالمعني المادي والمعنوي للظلمة بحثاً عن مكان في عالم النور!
حكاية عمر أدهم
ومريم ليست الطفلة الوحيدة التي تعاني عذابات فقدان الحلم والإحساس بالطمأنينة والأمان. لأنها تتلقي تعليماً قاصراً في مدارس حكومية لا تزال تفتقد الحد الأدني من أصول التربية السليمة وطرق التدريس الحديثة التي تكفلها مدارس الغرب للمكفوفين.. عمر أدهم إسماعيل ضحية أيضاً مثله مثل مئات الضحايا من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
عمر طفل جميل لم يتم بعد عامه الحادي عشر.. له شعر أسود ناعم وعينان واسعتان تشع منهما الطيبة والبراءة.. لكنه أصيب بمرض قبل سنوات.
كان ذلك بعد حلول عيد ميلاده السادس.. كي تبدأ رحلة طرق أبواب العيادات الخاصة تلمُساً للعلاج.. قال الأطباء إن عمر يعاني من مرض التوحد.. ولم يكن من السهل إيجاد مدرسة يلتحق بها. فأخذ يتنقل من مدرسة خاصة إلي أخري دون تقدم ملموس. وعندما داهمته أعراض جعلت منه طفلاً عنيفاً بسبب المهدئات وأدوية الأعصاب التي يتعاطاها بأمر الطبيب.. أصبح لزاماً البحث عن مدرسة متخصصة في تعليم الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.. خصوصاً عندما أكد الأطباء أنه مصاب بضمور في المخ.
أخذت أمه ترصد إعلانات الصحف. بينما أباه يسأل هنا وهناك. حتي توصل كلاهما لإلحاقة بمدرسة "كونتيننتال" بمدينة العبور. وهي مدرسة تابعة لإشراف وزارة التربية والتعليم. وتضم قسماً خاصاً لذوي الاحتياجات الخاصة.
مصاريف المدرسة 35 ألف جنيه مصري في العام الواحد. تم دفعها بالكامل منها 3 آلاف جنيه اشتراك الباص رغم أن عمر لم يدخل المدرسة إلا قبل بداية التيرم الثاني بشهر واحد!
ذات يوم قام عمر بكسر زجاج نافذة ما فاتهمته الأستاذة سنية نمر مديرة المدرسة بالعنف الزائد. وأصدرت قراراً بحرمانه من ركوب الباص. واشترطت لاستمراره بالمدرسة أن يتولي أبواه تدبير كيفية وصوله للمدرسة وانصرافه أيضاً. رغم أن كليهما يعمل ومن الصعب تدبير سائق خاص للطفل!
اتصلت والدة عمر بالمديرة تطلب تخيصيص باص لذوي الاحتياجات الخاصة مادامت ترفض ركوبهم مع الأطفال العاديين. فرفضت المديرة.. وكلما حاولت الاتصال هاتفياً بأحد المسئولين بالمدرسة يرفضون التواصل معها بحجة أن مكالمتها غير مهذبة!
عمر لا يزال سجين البيت.. لا يذهب إلي المدرسة بسبب قرار تعسفي من المديرة.. وكأنما قبول عمر وأمثاله من الأطفال مجرد صفقة تجارية بضمان الامتلاك الهادئ للسلوك والانفعالات وكل حركة تصدر عن طفل مريض. لا حول له ولا قوة. من حقه أن يتعلم مثل سائر الأطفال.
فهل يساعد وزير التعليم عمر كي يعود إلي مدرسته. وتخصص مديرة المدرسة باص يركبه مع أقرانه من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يدفع آباؤهم دم قلبهم لرعايتهم. بينما يعزف الواقع موسيقي وألحان غناوي أطفالهم المجروحين؟!