أمهات في المنفي
إصابة الأم بمرض نفسي .. تهدد كيان الأسرة
الدعم المعنوي من الأبناء والزوج يعجل بالشفاء
تحقيق حنان حسن
يد تحنو.. وعينان تسهر.. وقلب يحب.. هذه هي الأم.. هذه هي الأجدر برعاية أبنائها. ولكن الكارثة الأكبر تقع حين تزلزل الأم ويتصدع بنيانها أي حين تصاب بمرض نفسي فهنا يهتز المركز ويصبح البنيان الأسري بأكمله معرضاً للتأثر والسؤال هل تتحمل الأسرة مرض الأم النفسي وما موقف الابناء الحب والحنو أم القسوة والاهمال وتركها خلف الأبواب المغلقة في إحدي حجرات البيت أو أحد المستشفيات النفسية.. الحل؟!
¼ د. سلوي سامي فرج استشاري أمراض نفسية ونائب مدير مستشفي الصحة النفسية بالعباسية: الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأهم وهي الحضن للأطفال والسكن للزوج والملاذ الآمن والغطاء الواقي والحضن الدافئ للجميع وفي قلب هذا الكيان الدافئ الحنون نجد الأم فهي في مركز الدائرة الحنونة والراعية وبدونها لا تكون هناك أسرة وبغيابها تغيب مصطلحات الحب والحنان والدفء.. فكيف نتخيل حال الأسرة وقد أصيبت الأم بالفصام "الشيزوفرينيا" واضطربت بصيرتها واختل حكمها علي الأمور وتشوه إدراكها. وكيف وهي في هذه الحالة تقوم بإدارة بيتها ورعاية زوجها وأطفالها؟ أو كيف نتخيل حال الأسرة وقد أصيبت الأم بالاكتئاب الذي يجعلها عاجزة عن فعل أي شئ لنفسها فضلا عن غيرها ويجعلها كارهة كل شئ حتي نفسها وأطفال وزوجها بعد أن كانت هي منبع الحب والحنان.
تشير إلي أن اصابة الأم بالمرض النفسي يعتبر بكل المقاييس كارثة متعددة الأبعاد تستدعي رعايتها في المقام الأول ومدي فاعلية أسرتها في الاهتمام بها وعدم إهمالها لأنها كانت في يوم من الأيام نبض الحب والدفء واليد الحانية وهذا يساعد إلي حد كبير في علاجها أما تخلي الزوج والأبناء عنها واعتبارها كائناً مهملاً لأنها مجنونة في نظرهم يؤخر كثيراً في علاجها لأن الدعم المعنوي من جانب الأسرة مهم جداً لتحسنها موضحة أنه بالرغم من أن المرأة عموما أكثر قبولا لفكرة المرض النفسي وأكثر طلباً للمساعدة وأكثر مرونة في العلاج وأكثر تحسناً معه إلا أن هناك عوائق كثيرة تعوق استشفاءها من العلاج منها المرأة تحتاج السماح من زوجها أو أقاربها لكي تذهب للعلاج وهم لديهم حالة من الانكار للمرض النفسي أو يخافون من وصمته أو يعتبرونه ضعفاً في الإرادة والإيمان. كما يلجأ البعض إلي المعالجين الشعبيين والدجالين لاعتقاد البعض أن مرضها في كثير من الأحيان مس الجن أو السحر أو الحسد.
بعد الولادة
¼ الدكتور سامح إبراهيم طبيب بقسم التأهيل بمستشفي العباسية: أن هناك اضطرابات نفسية تحدث بعد الولادة تسمي كآبة ما بعد الولادة تحدث في 50% من النساء بعد الولادة بأيام قليلة في صورة اعتلال المزاج وسرعة البكاء والشعور بالتعب وسرعة الاستثارة وتقل حدة الاعراض مع الوقت ولا تتطلب سوي الطمأنة والدعم النفسي من الأسرة.
أما ذهان ما بعد الولادة يحدث في 1 2 من كل ألف ولادة وتكمن الخطورة في أن 5% من المريضات يقمن بالانتحار في حين أن 4% يقمن بقتل أطفالهن أي أن 9% من الحالات يحملن خطر الموت "للأم أو الطفل".
مشيراً إلي أن الناحية الاكلينكية يكون ذهان ما بعد الولادة قريبا من الاضطراب الوجداني ثنائي القطب أو الاكتئاب الجسيم المصحوب بأعراض ذهنية وهو يحدث في أي وقت في السنة الأولي بعد الولادة نتيجة الضغط الجسدي والنفسي لعملية الولادة أو الاصابة ببعض الأمراض مثل تسمم الحمل أو بعض العوامل النفسية والاجتماعية. وحين يتم تشخيص هذا الاضطراب فيجب أن يؤخذ الأمر بجدية شديدة حيث إنه يعتبر أحد الطوارئ النفسية التي تحتاج لعناية خاصة والعرض علي الطبيب.
أضاف أن مرض أحد الوالدين النفسي قد يحرم الابناء من رعايته فلا يستطيع هذا الوالد القيام بواجباته تجاه الأبناء وقد يفقدون الدفء والاهتمام والرعاية ودورهم في الأسرة.. كما أن المرض النفسي يؤثر علي سلوكيات المريض ولاشك يؤثر أيضا علي سلوكيات الاخرين في الأسرة تجاه الفرد المريض وتجاه بعضهم بعضاً فالابناء يحاكون الآباء والبنات يحاكين الأمهات فإذا كان الأب عنيفاً فقد يصبح العنف وسيلة للتعامل والتخاطب في الأسرة وخاصة إذا كان من الأب والأم أو بينهما.
يشير إلي وجود أم مريضة نفسية يؤدي إلي انعزال الأسرة وأفرادها عن المجتمع. فالأسرة تتحرج من دعوة الأقارب والأصدقاء أو الاستجابة لدعواتهم في المناسبات العائلية والاجتماعية فالمريض بمرض عضوي غالبا ما يثير عطف الآخرين أوحتي احساسهم بالشفقة عليه ولكن التصرفات غير المفهومة من المريض النفسي قد تثير احساساً بالغضب والاستنكار من الآخرين لأنه يكون مثار سخرية واستهزاء.
"صدمة .. زوجية"
¼ الدكتورة حنان غديري أحمد رئيس قسم التأهيل بمستشفي العباسية: قد لا تحتمل بعض الأمهات صدمة زواج الأب من أخري فتصل لها هذه الصدمة إلي حالة نفسية مرضية نتيجة صدمة زواج زوجها بأخري أو بسبب طلاقها من زوجها وفصلها عن ابنائها أو منعها من رؤيتهم. فالمرأة المصدومة في زوجها إما بسبب زواجه أو بسبب العنف الذي تتعرض له منه دائماً ترفض زوجها وترفض زيارته لها إلي أن تعود إلي طبيعتها.
تشير إلي أن غالبية الأمهات تحدث لها انتكاسة عند خروجهن من المستشفي إلي البيت لأنه يكون من الصعب علي ذويهم رعايتهن إما بسبب الانشغال أو بسبب رفض الأسرة لها لأن بعض الأمهات يصاحب المرض النفسي ميول عدوانية فيري الأهل في هذه الحالة أن بقاء المريضة في المستشفي أفضل.
أوضحت أن قسم التأهيل بمستشفي الصحة النفسية انتهج أسلوبا في العلاج هو العلاج بالفن والعمل حيث أغلب المريضات مصابات بمرض الفصام الذي تلعب الوراثة دوراً كبيراً لحدوثه وقد تكون الضغوط النفسية والاجتماعية أحد العوامل التي تثيره حيث يركز قسم العلاج بالعمل علي أشغال المريضات نفسياً بأعمال مهنية متعددة فهناك ركن الرسم والأعمال اليدوية والأنشطة الرياضية والثقافية والترفيهية والتي تشمل المكتبة ومشاهدة التليفزيون وكذلك تنظيم الرحلات للحدائق والأماكن الترفيهية.
تؤكد د. حنان أن هذا النوع من العلاج يساعد المريضة علي التأهيل الاجتماعي لمواجهة الحياة وتحويل بؤرة اهتمامها من الحالة الصحية إلي حالة العمل والانجاز فهو يساعد الكثير من المريضات علي تعجيل العلاج وتقليل فترة بقائها في المستشفي.
أضافت أن قسم العلاج التأهيلي بالمستشفي يسعي دائماً إلي وضع وتنفيذ الخطط العلاجية التي من شأنها إعادة دمج المريض النفسي المقيم بالمستشفي لفترات طويلة بالمجتمع مرة أخري فهو أحد مجالات العلاج التأهيلي لأنه ينمي القدرات الفنية الرامية وابداعه الذي لم يقل منه مرضه العقلي كذلك الجلسات الثقافية في المكتبة والمناقشات الحرة وحينما نراهم قد استعادوا جزءاً من الثقة المفقودة في أنفسهم وأصبحوا أكثر قدرة علي التعبير عن مشكلهم وآلامهم وأحزانهم وكذلك أصبحوا أكثر قدرة علي التعبير عن أمنياتهم والحلم بالغد ورسم صورة أكثر أشراقاً لمستقبلهم.
نبيلة ومديحة
فنانتان داخل المستشفي
¼ نبيلة ج: سيدة تجاوزت الخامسة والأربعين مبتسمة دائماً تجد نفسها وسط الأنوال والخيوط لتنسج السجاد وتجد متعة وسعادة مع كل منتج تنتهي من عمله.
أما مديحة. م: سيدة فوق الستين عاما قامت برسم مائة لوحة عبرت فيها بأحاسيسها عن الأعياد والمناسبات المختلفة منها حرب أكتوبر وهجرة الرسول تعشق الفن وتجد أن الألوان والأوراق هما حياتها ووسيلتها للتواصل مع الحياة.
أخيراً أتمني زيادة الوعي النفسي داخل كل أسرة لديها أم مريضة نفسيا لا يتجاهل الزوج والأبناء حقوقها كإنسان كانت في يوم من الأيام نبع الحب والدفء والأمان وأنه جاء الوقت ليعطي الأبناء جزءاً من هذه الأحاسيس لهذه الأم بعيداً عن القسوة والتجاهل واتهامها بالجنون وحبسها داخل المستشفي وعدم زيارتها واعتبارها كأنها ماتت فهي مريضة مثل أي مرض عضوي تحتاج منا الرعاية والاهتمام والحب لتعود إلينا سريعاً داخل المجتمع وأسرتها.