السرقة تحولت إلي ظاهرة مخيفة.. لم تعد تقتصر علي منطقة بعينها وإنما امتدت إلي كل المناطق.. لم تعد متمثلة في الأنواع والأشكال البسيطة وإنما أصبحت علي كل لون. وأخطرها السرقة بالإكراه عيني عينك في الظهر الأحمر.
بيوت تُسرق جهاراً نهاراً.. محلات تقتحم في وجود أصحابها ووجود أصحاب كل المحلات المجاورة والبشر في الشارع ولا أحد يجرؤ أن يقاوم أو حتي يعترض وإلا مصيره الذبح والتنكيل. لذا وبدلاً أن تصبح المصيبة مصيبتين. يفكر المسروق ألف مرة قبل أن يقاوم أو حتي يبدي اعتراضاً من أي نوع.
ليس هذا فقط بل إن اللصوص كسروا كل القواعد المتعارف عليها في السرقة. فالمعروف أن اللص إذا سرق في منطقة فإنه لا يعود إليها إلا بعد أن يهدأ الجو. فهو ليس ساذجاً حتي يدوس بقدميه في أرض الفخ. إذ لابد أن الأمن قد عرف والناس قد انتبهوا وبالتالي فإن مسرح الجريمة كله مراقب وبالتالي فإن دخوله بات جنوناً.
لكن اللص يعود في اليوم التالي والليالي التالية ويسرق ويقتل ويطعن بالسنجة ويذبح بالسكين دون أن يقع في الفخ. وهذا يعني أحد أمرين:
إما أن الأفخاخ باتت ضعيفة والمجرم دائماً يفعل فعلته ويمرق دون أن يقع فيها.
وإما أن لصوص اليوم بلغوا الحدود القصوي من البجاحة والجرأة.. الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في أسلوب مقاومتهم وأيضاً في أنواع الأفخاخ التي ننصبها لهم. فلص اليوم قلبه ميت ويتصرف بنظرية "قاتل يا مقتول". بينما مازلنا نتعامل معه بأسلوب الأفلام القديمة "سلم نفسك يا مسعد البوليس محاصر المكان"!!
والبعض يقول: البوليس نفسه لم يعد يحاصر المكان. بل إن الشاويش طلبة هجر المكان أصلاً ولم يعد "يتنحنح" ويزرع الأرض ويدكها بقدميه كما كان يفعل ويقول بين وقت وآخر ويردد جملته المحفوظة التي كان يتكهرب منها الأسد ويتحول إلي فرخة: "مين هناك"!
فالشاويش والبوليس كله لم يعد متفرغاً للأمن والأمان بقدر ما هو منصرف لتحصيل غرامات المرور. والاهتمام بأمن وأمان ومتانة السيارات ليس حباً في سلامة المواطن وإنما حباً في حصيلة الغرامات وغلة المخالفات التي تعود غنائمها عليه بالخير وزيادة الدخل في صورة مكافآت وحوافز وشهور إضافية.. الدليل أن بين الكيلو والكيلو لجنة وكميناً وضباطاً ورتباً كبيرة للتمام علي الحزام والطفاية والخبطات البسيطة في جسم سيارتك. بينما لا يوجد في كل الكيلومترات التي قطعتها من يتمم علي الطعنات التي تلقيتها في جسدك من مطواة "حرامي قراري" لمجرد إنك اعترضته أو أبديت نوعاً من المقاومة وهو يحاول سرقة موبايلك في ذات إشارة المرور التي يوجد بها هذا الكمين الهائل. أو تلك اللجنة المهيبة.
والطريف أنك تأخذ غرامتك الفورية في تلك اللجنة. أما إذا أبلغت أحداً فيها بما حدث لك فإنه يقول لك دون اكتراث "اعمل بلاغ ومحضر في القسم".. وهناك ستجد مئات الضحايا مثلك. يبلغون ويحررون المحاضر بلا نتيجة. فالمسروقات لن تعود. وأمنك في الشارع لا يعود. واللص أيضاً لا يعود عن الطريق الذي سلكه وهو سرقة الناس في الشارع وفي عز الظهر دون أن يقول له أحد قف مكانك.
وأنا شخصياً لا أحب أن يأخذ الناس هذه الفكرة عن الأمن. فالأمن موجود ويقوم بدوره خير قيام. ولكن وفي الوقت نفسه فإن حالات السرقة بالإكراه قد زادت عن معدلها لدرجة أصبحت بالفعل "بشلة وسنجة" في وجه المجتمع. ويتطلب الأمر بالفعل ألا نتعامل مع الحالات علي حدة وبالقطعة. بحيث ندرس كل ملف بمفرده. ونبحث في كل حالة علي حالها فنغرق في ظروفها ونتوه في تفاصيلها. وإنما نحتاج إلي أن نضع أصابعنا علي العلة. ونخطط لمنعها واقتلاعها من جذورها حتي لا تنغص حياتنا وتقض مضاجعنا. ونصبح بدلاً مما كنا نتغني بالأمن والأمان في ربوع بلادنا الطيبة. نلوك علي المقاهي وفي كل الجلسات حكايات الهجامين واللصوص وقطاع الطرق بكل الشوارع والحواري والأزقة في كل المدن والمحافظات. حتي عادت إلينا حواديت وأساطير خُطْ مدينة نصر وهجَّام عين شمس والزيتون وصقر حلوان وجن الزقازيق ووحش سوهاج وأسد دمنهور!!
انتهبوا أيها السادة الأمر بالفعل جد خطير وأنا شخصياً في كل مكان "أركن" فيه سيارتي كنت أفاجأ بحدوتة.. يوم يسرقون فيه المرايات أقول بسيطة.. آخر يسرقون "الطاسات" أقول سهلة.. ثالث يفتحونها ويسرقون الكاسيت أقول الحمد لله أنها لم تجيء في أكثر من ذلك.. رابع يكسرون زجاج سيارة ابنتي ويحاولون أن يسرقوا السيارة بأكملها. لكنهم لا ينجحون لأنها مشفرة ويصعب إدارة محركها إلا بمفتاحها.. كل هذا في شوارع كبيرة وفي أماكن وأوقات من الطبيعي أن يتردد أي لص قبل أن يفعل فعلته فيها. فأنا أسكن في شارع النادي الأهلي وهو شارع كبير ومنير بمدينة نصر وأمن المحلات المجاورة لعمارتي.. علي الأقل موجود ومفنجل عيونه علي مدار الساعة.
واكتشف أن مصيبتي هينة بالمقارنة بما يحدث لجيراني من أصحاب الشقق والمحلات التي تتم سرقتها في وضح النهار. ويعود اللصوص إلي ذات المحلات ونفس الأماكن لسرقتها مرة ثانية. أو يعودون لكسر السيارات ونهب محتوياتها مرات رغم أن أصحابها أبلغوا الأمن وحرروا عشرات المحاضر من قبل.
والناس يصرخون ويلطمون الخدود دون جدوي.. والأرقام والإحصائيات في مراكز رصد الجريمة وقياس مؤشراتها تولول وأيضاً دون جدوي.. وأرقام الأمن العام تكبر وتسمن عاماً بعد عام أيضاً دون جدوي.. وفي آخر تقارير وزارة العدل عن حجم الجرائم في مصر والتي رصدتها المحاكم خلال عام نقرأ ما يشيب له الوالدان.. فقد وصلت الجرائم حوالي 16 مليوناً.. وقد دخل الكار شرائح جديدة مثل الأحداث. حيث وصلت جرائم السرقة والشروع فيها بينهم حوالي 47%. لكننا نقرأ ولا نتحرك.
وما يضحكنا حتي البكاء أن تبريرات المسئولين لما يحدث غريبة للغاية فالأزمة الاقتصادية كما يبررون هي السبب. فقد أفسدت أخلاق البعض وأفقدتهم روح الانتماء للمجتمع.. وبدلاً من التصدي للسارق. وطمأنة المسروق يرمون الكرة في مرمي الضحية. فالمواطن دائماً هو الذي فتح أبوابه للنسمة و"قال دي قسمة".. فهو الذي لم يؤمن محله. وهو الذي لم يصفح سيارته. وهو الذي لم يضع أسدين أمام بيته حتي يلتهما كل من تسول له نفسه بالاقتراب من بابه وهو أيضاً لم يستأجر اثنين من "البودي جارد" لكي يسيرا خلفه في الشوارع!
ونسمع بالإضافة إلي ذلك تصريحاً عجيباً من الدكتور وزير محافظ القاهرة. فمن حق كل مواطن أن يضع سيارته كما يقول في جراج بيته. ولذلك قررت المحافظة عدم الاعتراف بعقد أي شقة لا ينص صراحة علي وجود مكان في الجراج لكل عين!
ياسيادة المحافظ. لماذا نتفنن كعادتنا في وضع العربة أمام الحصان. فهل الطبيعي أن تبادروا بفتح الجراجات التي أغلقت أمام أعينكم في وجه السكان ليتم بيعها للمحلات والسوبر ماركت. قبل أن تطالبوا الناس بوضع سياراتهم فيها أو تهددوهم بفسخ عقود شققهم إذا لم تنص صراحة علي ذلك.
وأقول للمسئولين عن أمننا. لا وقت للتبريرات فالمواطن لا يريد أن يسمع كلاماً. وإنما يود أن يري فعلاً ويشعر أماناً وأمناً في وطنه وبلده الذي يفاخر به ويتباهي بأنه دائماً وسيظل بلد الأمن ومهبط الأمان ويدعو وبكل ثقة كل من يقابله: "ادخلوا بر مصر آمنين. وناموا في كل شبر فيها ولو تحت شجرة مطمئنين".. فالتبريرات ما أسهلها. ولو ركنا عليها وعلقنا كل شيء فوق شماعاتها فالخطر سيتضاعف ويتضاعف. خصوصاً وأن الجياع بعد فورات.. وموجات الغلاء الطاحنة سيتضاعفون.. وإذا كنا نسمع ونري الآن عن حالات سرقة عيني عينك للبيوت والمحلات والسيارات أو الاعتداء علي المواطنين في الشوارع وكذلك سرقة أشياء لم نكن نسمعها أو نتوقعها من قبل مثلما سمعنا عن لصوص سرقوا بلدوزر بحجم الداهية من موقع عمل. أو قضبان سكة حديد. أو ثقبوا خطوطاً للبترول وحولوا مسارها لحسابهم.. إذا كنا الآن نسمع عن هذا. فالقادم إذا لم نفعل خطوات عملية لصده غير التبريرات فهو مذهل وخطير.. اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.