خارج النص
سنة كاملة.. ومازال البحث مستمراً!!
بقلم: سعد هجرس
Hagrassaad@hotmail.com
علي جانبي كوبري قصر النيل.. وبمحاذاة كورنيش النيل بالقاهرة.. وقف آلاف من الشبان والشابات المصريين. الذين يشرح منظرهم المتحضر والراقي القلوب الحزينة. في سلسلة بشرية وهم مرتدون ملابس سوداء ويحملون شموعاً ولافتات مكتوبا عليها شعارات تضم قائمة مطالب باسم شهداء ثورة 25 يناير. بمناسبة الذكري الأولي لرحيل شهيد الطواريء خالد سعيد الشاب السكندري صاحب القصة المأساوية الرهيبة التي كانت بمثابة الشرارة الأولي للثورة. مثلما كان مصرع الشاب التونسي محمد البوعزيزي الشرارة التي أشعلت الثورة التونسية. احياء الذكري السنوية الأولي لرحيل خالد سعيد بهذه الصورة الجماعية المهيبة يبعث برسائل عديدة إلي عناوين مختلفة.
الرسالة الأولي يلخصها سؤال بسيط جداً: ما هي المكانة التي يتبوؤها اليوم اسم خالد سعيد الذي كان مجرد شاب مصري بسيط. لا به ولا عليه. وأسماء أولئك الذين قتلوه بعد أن نكلوا به. ثم حاولوا اخفاء فعلتهم الاجرامية بسلسلة من التقارير الكاذبة. وأسماء أولئك الكتبة. الكذبة. الذين كانوا مجرد أبواق تردد الضلالات التي تلقي بها إليهم أجهزة الأمن.
الرسالة واضحة والعناوين معروفة سواء في أجهزة الأمن أو أجهزة الاعلام.
الرسالة الثانية يطرحها السؤال التالي: لماذا لم يتم خلال سنة كاملة صدور حكم قضائي وبات يضع الأمور في نصابها ويقرر العقاب العادل لكل من اشترك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في هذه الجريمة؟ وهل هناك مسوغ لهذه العدالة البطيئة التي لا نجدها في قضية خالد سعيد فقط. وانما في معظم القضايا الأخري أيضاً؟
وهل يختلف أحد في أن العدل البطيء هو الظلم بعينه؟!
أليس من حق الرأي العام ان يخشي من أن يتسبب هذا البطء الغريب. والمريب. في أن يستطيع الجناة العبث بأدلة ادانتهم أو التأثير علي الشهود أو الهرب إلي خارج البلاد؟!
الرسالة واضحة والعناوين معروفة في وزارة العدل.
الرسالة الثالثة هي في حقيقة الأمر دعوة إلي المقارنة بين هذا الشكل المتحضر والراقي في التظاهر الذي يرفع مطالب محددة. دون تعطيل لمصالح الناس أو عرقلة للمرور أو تهديد للاقتصاد.
وبين أشكال أخري تسبب كوارث. منها أشكال حدثت في نفس يوم مظاهرة خالد سعيد يوم الاثنين الماضي.
خذ علي سبيل المثال ما حدث في قرية "بهما" التابعة لمركز العياط بالجيزة حيث نجح الأهالي في اجبار مسئولي المحافظة علي ازالة برج لتقوية المحمول بعد اعتصام 17 ساعة. قطعوا خلالها السكة الحديد بين القاهرة وأسوان. وطريق القاهرة- أسيوط الزراعي. كما اشعلوا النيران في الفلنكات الخشبية والحشائش والاشجار علي جانبي الطريق. مما أدي إلي توقف حركة السيارات والنقل تماماً.
توجه اللواء جمال الدين مساعد وزير الداخلية والدكتور علي عبدالرحمن محافظ الجيزة واللواء عابدين يوسف مدير الأمن. إلي القرية للتفاوض مع المعتصمين. وانتهي الأمر إلي قرار ازالة البرج فوافقوا علي فض اعتصامهم وفتح الطريقين.
وليست هذه أول مرة يتم فيها قطع خطوط السكة الحديدية.. ولنا أن نتذكر أن هيئة السكة الحديد قدرت خسائرها الناجمة عن قطع خطوطها منذ 25 يناير حتي الآن بخمسين مليون جنيه نتيجة 40 حادثاً من هذه النوعية.
وليس ما نناقشه الآن هو ما اذا كانت مطالب المحتجين في هذه الوقفات مشروعة أم لا.. فهي علي الأغلب مشروعة في معظم الحالات نتيجة لاتساع نطاق المظالم الموروثة من نظام كان قائماً علي تحالف الاستبداد والفساد.
وليس ما نناقشه هو حق المصريين بكافة طبقاتهم وفئاتهم في التظاهر والاعتصام والاضراب.
فهذه كلها حقوق أساسية من حقوق الانسان لا يجب الجدال فيها أصلاً أو محاولة الافتئات عليها بأي صورة من الصور.
لكن الأصل في ممارسة كل أشكال ممارسة حريات التعبير أن تتم بصورة منظمة وسليمة مثل تلك التي رأيناها في ذكري خالد سعيد.
والقاعدة الذهبية بهذا الصدد هي: أنت حر مالم تضر.
واذا طبقنا هذه القاعدة علي ما حدث في قرية "بهما" فان من حق الأهالي ان يرفضوا بناء محطة تقوية المحمول. ومن حقهم ان يعتصموا ويتظاهروا ويضربوا حتي تتحقق مطالبهم.. لكن ليس من حقهم قطع خطوط السكك الحديدية.. ليس من حقهم إحراق الفلنكات.. لأن في هذا وذاك تعطيلا لمصالح آلاف مؤلفة من الناس سواء من داخل القرية أو من خارجها. واتلافا لممتلكات عامة.
والرسالة واضحة. والعنوان معروف أيضاً. ويحتاج الأمر إلي تنظيم ممارسة التظاهر والاعتصام والاضراب.
ونحن لا نخترع العجلة.. فهذا التنظيم امر مستقر عليه ومفروغ منه في كل البلدان الديمقراطية.
وبدون هذا التنظيم الذي لا يجب ان يصادر الحق في التعبير بأي صورة من الصور والذي لا يجب أن يقيد ممارسة هذا الحق تتحول الديمقراطية إلي فوضي. وتخريب وتعطيل ومصادرة لحقوق المجتمع كله.
بل ويمكن ان يتحول العبث بسلاح الاعتصام والتظاهر والاضراب إلي تهديد الثورة ذاتها وتقديم خدمات جليلة للثورة المضادة علي طبق من ذهب. وتزويدها بذرائع اضافية لتضليل الناس. وليرحم الله خالد سعيد وكل شهداء الثورة. وليرحمنا جميعاً.