الجانب الاخر
بقلم: جمال كمال
E.MAIL:gamalkamal@live.com
خصخصة الإنتاج الحربي بعد الهجوم عليه والتشكيك فيه!!
أحياناً نضع أنفسنا في حيز محدود لا نتخطاه درءاً لضرر أو تخوفاً من خطر أو تجنباً لاتهام بالتزلف والمجاملة والتملق والنفاق والمبالغة والتهوين والتغرير والتبرير أو طلبا لمنفعة آجلة أو عاجلة وهو ما قد يسبب في مجمله فقدان الروح والمصداقية فيما نتطرق إليه وندافع عنه ونطالب به ونتصدي له ونقوله ونكتبه ويجعله كالنقش علي الماء والحرث في البحر بلا طعم أو لون أو رائحة ويجعلنا بدورنا لا نتناول ما يستحق ويثير الاهتمام ونحرم من يستحق من حقه وهو ما يعتبر تقصيراً وعيباً وخللا يحتاج من آن لآخر لتقويم وتصويب وتصحيح.
منذ سنوات مع بدء تنفيذ برنامج الخصخصة والبيع وما اطلقوا عليه إعادة الهيكلة وإدارة أصول وأملاك الدولة.. طرح البعض علي استحياء فكرة خصخصة وبيع المصانع الحربية علي اعتبار انها من أصول وممتلكات الدولة التي تحملنا كثيراً من الأعباء قد تصل في بعض الأحيان لخسائر.
الفكرة في تصوري كانت من باب التبشير الذي يحكمه الهوي والغرض والدعوة والترويج الذي تدفعه المصلحة أو انها صادرة عن عدم معرفة ودراية بطبيعة الأمور والمسائل. والمناقشة والرد والتعليق علي مثل تلك الأمور في اعتقادي مع بداية اثارتها والحديث عنها لا تنفع وتضر أكثر مما تفيد.
ومع استمرار برنامج الخصخصة وتخلص الحكومة من مهامها والاصرار علي بيع أي شيء عادت الفكرة من جديد بقوة تحت زعم ووهم ان القطاع الخاص أصبح شريكاً ومساهماً وأساسياً في كل شيء حتي في الصناعات الحربية خاصة وان المصانع الحربية المصرية تنتج سلعاً مدنية تزاحم وتنافس لها القطاع الخاص في منافسة غير عادلة ثم ان الانتاج الحربي المصري رغم مرور 50 عاماً علي بدايته يقل مستواه كثيراً عن العالمي في صناعة الصواريخ بعيدة المدي والطائرات المقاتلة والقدرات والأسلحة النووية وبالتالي لا يلبي احتياجات قواتنا المسلحة ويمثل عبئاً دائماً ومستمرا علي الدولة.. وصل الأمر بالبعض للتحريض سراً علي تحويل المصانع الحربية والإنتاج الحربي المصري لشركة قابضة قد تبيع مصنعاً بعد الآخر في المستقبل أو تدار بشكل أفضل بعيداً عن الحرص الزائد القاتل لكل إبداع وابتكار ومبادأة!!
ربما ان ما يثار ويقال من آن لآخر تلميحاً أو تصريحاً في العلن أو في الغرف المغلقة أو علي كافيهات الشيشة المكيفة مرجعه ان الإنتاج الحربي وهو من أصول وأملاك الدولة لم يطرح حتي الآن للخصخصة وإعادة الهيكلة في الوقت الذي يتغني فيه أصحاب المصلحة بالاقتصاد الحر وآليات السوق والتجارة الحرة وانسحاب الدولة نهائياً من المجالات الإنتاجية ويري فيه البعض ان القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي هو الذي يرفع من كفاءة الاقتصاد ويزيد من معدل النمو والتنمية وربما ان هناك رغبة أو مصلحة للبعض في شراء مصنع أو التخلص من منافس أو ان هناك من فوض أحد لشراء مصنع لانتاج البنادق والمسدسات والقنابل اليدوية والصلب المخصوص أو هناك رغبة للبعض في الحصول علي قطعة أرض علي النيل أو بوسط البلد أو حتي علي أطراف القاهرة.. لكن ان يخرج مسئول في الحكومة له موقف من الإنتاج الحربي ويقول ان عجز الموازنة البالغ أكثر من 88 مليار جنيه يمكن توفيره عن طريق بيع مزيد من الأصول المملوكة للدولة ويقول مسئول آخر لمجموعة من اصدقائه ان العائد الذي يحققه الإنتاج الحربي لا يتناسب مع ما يخصص له من استثمارات ويقول ثالث اننا لسنا في حاجة لمصانع حربية ما دامنا قادرين علي شراء ما تحتاجه قواتنا المسلحة ويطالب آخر الإنتاج الحربي بالتنازل عن جزء من أراضيه لتسديد عجز الموازنة!!
اعتقد انه عندما يثار ويقال كل هذا وتقدم عروض وتنتظر الفرصة للاعلان عنها فالمسألة تحتاج لوقفة وتوضيح وتحديد.
لن أقف كثيرا عند معاهدة لندن التي فرضتها ما كانت يومها دولا كبري عام 1840 علي محمد علي حاكم مصر ونصت علي التخلص نهائياً من المصانع الحربية التي أقامها محمد علي والا يزيد عدد الجيش المصري عن 18 ألف جندي بعد استشعارهم خطورة الجيش المصري بما يملكه من صناعات ومصانع حربية.
ما يجب معرفته ببساطة وادراكه واستيعابه هو ان الصناعات الحربية بشكل عام ليست مجرد صناعة وإنتاج سلع يصل المكسب والربح فيها إلي ما يزيد علي 300% وليست الصناعة فقط من أهم مظاهر المكانة وإثبات السيادة الوطنية والتحرر من تبعات الاعتماد علي العالم الخارجي وتساعد بشكل كبير علي ممارسة حرية اتخاذ القرارات الوطنية ثم ان الصناعات الحربية تعتبر قمة التقدم العلمي والتكنولوجي وتعكس مدي تقدم الدول وتدعم القاعدة الصناعية المدنية.
رغم كل ما يمكن ان يقال عما تشكله وتمثله الصناعات الحربية للدول وجيوشها وأمنها القومي الا ان الإنتاج الحربي المصري يبدو مختلفاً بعض الشيء فهي تشكل جزءاً أساسياً من منظومة أمن مصر القومي في بنده العسكري فهي الركيزة الأساسية للقوات المسلحة لتحقيق الأمن والمصالح القومية من خلال ما تنتجه وتوفره من أسلحة ومعدات تلبي احتياجات القوات المسلحة سلماً وحرباً ولهذه الصناعة الحربية المصرية قضية أمن قومي بالدرجة الأولي لا تقل أهمية من وجهة نظري عن القوات المسلحة فالانتاج الحربي مهمته الأولي والأساسية توفير احتياجات القوات المسلحة من الذخائر والأسلحة الصغيرة والمتوسطة والثقيلة طبقا للقدرات والامكانات واعتبارات اقتصادية فالقائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع هو وزير الإنتاج الحربي ومعظم قادة القوات المسلحة هم أعضاء في مجلس إدارة الهيئة القومية للانتاج الحربي وكثير من القوانين واللوائح المنظمة لعمل القوات المسلحة هي نفسها المطبقة في الانتاج الحربي.. فهل سمع أحد يوماً عن دولة تتخلص من قواتها المسلحة أو هل هناك أمن قومي استثماري أو جيش قطاع خاص.. وهل يمكن تخيل وجود مصانع قطاع خاص أو استثماري تبيع قنابل وبنادق ومسدسات للمواطنين حسب قدرات وامكانات كل واحد أو من يدفع أكثر.
لا أريد الخوض في تفاصيل قد تكون من الأسرار العسكرية ولكن بشكل عام الدول القادرة علي سد احتياجات قواتها قليلة للغاية وهناك تعاون بين الدول لتوفير ما تحتاجه من الأسلحة لاعتبارات وعوامل اقتصادية وسياسية ولكن هناك منتجات حربية حيوية لا يمكن الاعتماد فيها علي الغير مثل الذخائر وقطع الغيار ومعظم الاسلحة الثقيلة مثل الدبابات والعربات المدرعة وقطع المدفعية وبعض الأسلحة المضادة للطائرات الا ان هناك بعض الأسلحة تحتاج استثمارات كبيرة وليس هناك جدوي اقتصادية من إنتاجها مثل الطائرات والسفن الحربية وهناك أيضا قيود علي انتاج بعض الأسلحة حسب معلوماتي الانتاج الحربي المصري في هذا الإطار يلبي إلي حد كبير احتياجات قواتنا المسلحة.
التقيت مؤخرا با لدكتور سيد مشعل وزير الدولة للانتاج الحربي وسألته بشكل مباشر هل الانتاج الحربي يمثل عبئاً علي الدولة وهو ما يبرر الهجوم عليه والتشكيك فيه والاصرار في الدعوة لخصخصته لم يرد وقدم لي بعض الأوراق المعتمدة من الجهاز المركزي للمحاسبات عبارة عن جداول وأرقام أري انه من الضروري والمفيد ان نعرفها جميعاً.
حجم الاستثمارات التي قدمتها الدولة للانتاج الحربي منذ عام 1982 حتي العام الحالي بلغت 11.1 مليار جنيه.
الطاقات المتاحة في الإنتاج الحربي ارتفعت من 682 مليون جنيه عام 1982 إلي 6800 مليون العام الحالي منها 4700 طاقات حربية و1600 مليون طاقات مدنية.
حجم الانتاج عام 99 كان 1547 مليون جنيه وصل إلي 398 مليار جنيه منه حوالي مليارين للحربي والباقي للمدني بزيادة 15%.
حجم الايراد عام 2002 كان حوالي 2387 مليون جنيه وصل العام الحالي 3787 مليون جنيه والمبيعات كانت 1871 مليون جنيه عام 2002 وصلت إلي 3489 مليونا العام الماضي منها 2114 مليونا حربي و1365 مليون جنيه مدني.
اعتقد ان الارقام واضحة ولا تحتاج لشرح ولكن غير المفهوم هو الهجوم علي الإنتاج الحربي والتشكيك فيه والاصرار علي الدعوة لخصخصته لن نلجأ للتفسير التآمري ولكن علي ما يبدو أننا لا نعيش في عالم مليء بالملائكة والاطهار والأبرار.