مازالت الثورة المصرية قادرة علي الحياة وتجديد حيويتها. وقادرة علي الصمود في وجه محاولات الاحتواء والتشويه والسرقة والتصفية. وكلما تصورت عناصر قوي الثورة المضادة بكل أشكالها ومواقعها ونفوذها أن لحظة إعلان وفاة الثورة قد اقتربت فاجأتهم بخيبتهم وفشل رهانهم. وكلما تعرضت لمحنة أو أزمة ودخلت في اختبار صعب حولته بدماء الشهداء إلي طريق جديد للخلاص والتصميم علي تحقيق أهدافها.
في هذا السياق وليس غيره لابد أن نضع ونقرأ كارثة مذبحة بورسعيد. التي أدمت القلوب علي زهور يافعة من شبابنا الذين انضموا إلي قوافل الشهداء. لكنها لم تطمس العقول ولو للحظة لنغفل عن أصحاب المصلحة في هذه الجريمة الحقيرة بعد أسبوع واحد من خروج ملايين المصريين يوم 25 يناير الثاني في جميع ميادين مصر. لقد أكد هذا الخروج المبهر وغير المسبوق منذ يوم خلع مبارك تصميم الشعب علي استكمال ثورته وأنه لن توقفها مؤامرات الظلام أو صفقات العار.
والبرلمان المصري الذي نراهن عليه. رغم كل الظروف المحيطة به. والذي ما كاد يفتح آلية للحوار بين الميدان والبرلمان يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي حتي وقعة المذبحة في اليوم نفسه. لا أحسب أن يتم جره لتفاصيل وفروع وترك أصل الموضوع ودوافعه والتوقيت والسياق الذي جرت فيه. لقد تحولت مناقشات البرلمان من محاسبة الحكومة وسحب الثقة منها والمطالبة بإقالة وزير الداخلية إلي الدخول في "كمين" مناقشة وحماية محيط وزارة الداخلية ومن الإصرار علي حق التظاهر السلمي إلي جدل حول من هم الثوار ومن هم البلطجية. ومن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تذهب إلي بورسعيد لتقول لنا من الذي يقف وراء ارتكاب المجزرة. إلي الاستنزاف في تشكيل عشرات اللجان والاجتماعات ومبادرات وقف العنف بين المتظاهرين والقوات التي تدافع عن الوزارة وتقف علي بعد أمتار من المبني لمنع اقتحامه. ومن مناقشة تفاصيل حدود الجدار العازل بين القوات وغيرهم. إلي بحث إعطاء غطاء لمطاردة هذا الغير. الذي تحول في المناقشات إلي كائن مجهول تجري مطاردته من مجرد أمتار أمام الوزارة إلي مسافات بعيدة في حرب شوارع. امتدت إلي نوبار وميدان الفلكي والتحرير وباب اللوق وحواري عابدين!
وجدنا النواب الذين كانوا يطالبون بإقالة الوزير ومحاكمته ضيوفاً عليه في مكتبه يثني علي مبادراتهم وبعدها.. وهم مازالوا علي بعد أمتار من خروجهم. تنهال قنابل الغاز وإطلاق الخرطوش ودهم العيادات الميدانية التي تتطوع بعلاج المصابين. لقد اندهشت من هذه النقلة التي مر بها البرلمان علي مدي أيام قليلة في مناقشاته من غضب الأعضاء والمطالبة بتحقيق أهداف الثورة والقصاص للشهداء. وإصدار القوانين والتشريعات التي تسمح بمحاكمة كل من أفسد الحياة السياسية. وبسرعة تسليم السلطة إلي رئيس منتخب لضمان استقرار الأوضاع. وضرورة محاكمة سوزان مبارك وكل من أفسدوا مصر ونهبوا ثرواتها. لنسمع في النهاية صراخاً مفتعلاً يذهب بنا شرقاً وغرباً ويحذرنا من المخربين والعملاء ومن مؤامرات دولية تحاك لإسقاط مصر. وعن الإعلام العميل المشبوه الذي يسعي لهدم البلاد ويقف وراء كل مصائبنا. ثم ينتهي في النهاية إلي المطالبة بحق وزير الداخلية في تطبيق القانون وضرب النار علي كل من يقترب من محيط الوزارة أو يعتدي علي السجون وأقسام الشرطة!!
أعتقد أن النائب الذي لا يعلم أنه ليس من مهمة البرلمان إعطاء إجازة بتطبيق القوانين هو في حقيقة الأمر يستغفل عقول أعضاء برلمان ما بعد الثورة بما لا يليق ولو بالحدود الدنيا للفهم. وبأساليب ساذجة لا تنطلي علي أحد حتي لو كان عضواً في برلمان مبارك المزور.
غير المقبول من نواب شعب قام بثورة أن يدخلوا في متاهة التفاصيل الإجرائية أو جرهم إلي خدع احترافها بعض الذين أدمنوا خدمة الأجهزة والأنظمة أو وقوعهم في "كمين الداخلية". التي باتت لا تملك من أمرها شيئاً. عودوا إلي مجزرة بورسعيد فالمستفيد منها هو الذي يدير مؤامرة إجهاض الثورة التي حملتكم إلي البرلمان وهو الذي يقود كل هذه الألاعيب.
|