تساؤلات
بقلم: عبد الله نصار
anassar@eltahrir.net.eg
هل توقفت الخصخصة في مرحلة وابور الجاز؟
برنامج الخصخصة أو إدارة الأصول منذ بداية تنفيذه في التسعينيات شهد الكثير من المتغيرات والتحولات. وربما أصبح يحتاج إلي مراجعة عاقلة. فالخصخصة ليست هدفا في حد ذاتها. ولكن الهدف توليد فرص جديدة للعمل. وجذب تكنولوجيا ورءوس أموال جديدة محلية وأجنبية.
ولم تكن الخصخصة أبدا محصورة في البيع لمستثمر رئيسي والقضية في كل الأحوال هي كفاءة الإدارة.. فإذا توافرت الاستثمارات والعمالة والإدارة عاجزة. فلن يتحقق إلا الفشل.
ولم يكن هناك أبدا مقياس للخصخصة للإسراع أو التباطؤ. ولكن البعض تصور أن نجاحه هو بيع أكبر عدد ممكن من هذه الشركات أو التخلص من الأصول العامة.. وجاء الوقت ليقول فيه الدكتور مختار خطاب وزير قطاع الأعمال السابق أن الخصخصة في مصر مثل إعادة طبق الأومليت إلي بيض طازج!!.. ولهذا العملية صعبة.. وأخيراً قال: إن النجاح كان يقاس بحجم العمليات التي تمت لبيع الأصول.. وبالطبع فما قاله خطاب ليس نجاحا.. ولا مقياسا. والمهم كفاءة هذه الأصول. وإعادة تشغيلها لمصلحة الاقتصاد القومي.. وبسبب عدم وضوح الرؤية في بعض الأحيان لتنفيذ برنامج الخصخصة تحولت الساحة من هرولة إلي توقف ثم الإسراع والتباطؤ.. ولم يكن الهدف إلا التخلص من الأصول العامة..
ورغم حاجة مصر إلي هذه الأصول وإدارتها بكفاءة بشرط أن تكلف بها عناصر إدارية قادرة ولو من خلال خصخصة الإدارة.. فلا أحد يطالب باستمرار تدخل الدولة وتحملها الخسائر. وأصبحنا في ظل الفترة الأخيرة في مرحلة تشبه خصخصة تائهة والتي توقفت في مرحلة وابور الجاز وقصة وابور الجاز .. ترجع إلي سنوات. ففي حكومة الدكتور عاطف صدقي رئيس مجلس الوزراء -عليه رحمة الله- وخلال حضوره مؤتمرا سنويا للغرف التجارية المصرية وقف رئيس اتحاد الغرف وقدم طلبات تصل إلي نحو 60 طلبا للتجار ورجال الأعمال للحكومة.. وشعر المرحوم الدكتور عاطف صدقي بالغضب.. ولكنه لم يغادر قاعة الاجتماع. وبادر المرحوم الدكتور جلال أبوالدهب وزير التموين والتجارة بالوقوف..
وقال: طلبات بالجملة.. ولم تقدموا حتي الآن شيئا يقابلها.. نحن نريدها شراكة عادلة بين الحكومة والقطاع الخاص.. ولكني أرفض أسلوب فرض الشروط.
مثل هذه الواقعة التي حدثت في سوهاج بلدي.. فقد ظلت الزوجة تلاحق زوجها
هات فول.. وهات عدس.. وهات عيش.. وهات ملابس.. وهات مسحوق غسيل.. وكلما وقف في وجهها تمطره بالطلبات..
وفجأة صاح الرجل: "مفيش مرة تقولي لي خذ حاجة".. فقالت له: خذ وابور الجاز صلّحه..!
ويبدو أن فكرة الصكوك والأسهم التي يحاول وزير الاستثمار الترويج لها تشبه وابور الجاز الذي يحتاج إلي صيانة وإصلاح.. فقد تحمل الشعب تضحيات الإصلاح الاقتصادي. وهات رسوم وضرائب وزيادة في أسعار الطاقة وغيرها.. وكل هذا من أجل غد أفضل.. وربما تنصلح الأحوال.. وتحسن الاقتصاد والمفروض ينعكس علي الناس.
وقد كنت أعتقد أن وزير الاستثمار سيركز اهتمامه علي مراجعة السياسة الخاطئة التي يقوم بها حاليا في الحديث عن الاستثمار والوعود في ظل أزمة مالية عالمية.. ويعلم الله إلي أين تسير بنا.. فهو يحتاج إلي قراءة هادئة للأزمة المحلية العالمية!
ولسنا من المتشائمين.. ولكن يجب أن يكون التفاؤل بحذر.. وأن ينشغل وزير الاستثمار بقضية الاستثمار الحقيقي وفتح فرص للعمل بدلاً من الفرقعات الاعلامية.. وربما لا يدرك أن الفكرة حتي ولو كانت عليها ملاحظات عديدة وعتراضات إلا أن توقيت طرحها خاطيء.. خاطيء تماما. فالبورصات العالمية والبورصة المحلية في حالات لا تسر عدواً ولا حبيباً.. والمهم في اتخاذ القرارات الاقتصادية هو التوقيت.
ومن يدير هذه الشركات..
ومن يصمت علي إدارات فاسدة وعاجزة دفعت بالشركات إلي هذا المصير..
وإذا كانت المهمة العاجلة الآن هي التعامل مع الأزمة المالية فإن الاستثمار والتركيز علي إصلاح الشركات والحرص علي إزالة المعوقات واختيار كفاءات ومهارات خارج الشللية التي لاتزال تسود الشركات القابضة والتابعة..
ولهذا فإن هدية وابور الجاز مرفوضة.. ونأمل أن يراجع وزير الاستثمار خطاب الرئيس مبارك في افتتاح الدورة الجديدة لمجلسي الشعب والشوري. وسيدرك أن بالخطاب الكثير من التوجيهات نحتاج إلي تنفيذها اليوم. وليس غدا. وهذا يحتاج إلي فترة هدوء ودراسة واستقرار يفرضها الوزير علي نفسه. ويستريح من عناء الأسفار المتلاحقة التي لا تترك له فرصة لاتخاذ قرارات صائبة لدفع حركة الاستثمار علي أرض الواقع. ولكنها تتحول إلي قرارات اعلامية ودعائية ليس أكثر. وأغلبها دعاية شخصية وترويج للذات رغم أن ما يجري علي أرض الواقع يحتاج إلي المراجعة حرصا علي الصالح العام.
كلمات لها معني
عندما اكتشف انني اتخذت قرارا سيئا
أتوقف تماما وأتخذ قراراً آخر.
* هنري ترومان
الرئيس "33" للولايات المتحدة الأمريكية