عندما أطلق الدكتور محمد غنيم حكيم الفقراء ورائد جراحة الكلي في الشرق الأوسط صرخته المدوية من داخل مستشفي الشفاء في غزة.. مطالباً منظمة الصحة العالمية التحقيق حول استخدام إسرائيل أسلحة محرمة دولياً.
وجدت الصرخة صداها لدي مختلف المنظمات الدولية والعالمية.. التي استجابت علي الفور لنداء العالم المصري المرموق.. الذي أصر علي أن يتوجه إلي غزة وهي تتعرض لعدوان شرس من جانب إسرائيل.
كان بمقدور الدكتور غنيم أن يكتفي بإصدار بيان يدين العدوان.. دون أن يغادر وطنه ولم يكن يلومه أحد. ولكنه اختار أن يكون صادقاً مع نفسه.. ويعلن أن حياته ليست أغلي من حياة أي مواطن فلسطيني.. يدافع ببسالة عن وطنه أمام قوي بربرية تستخدم أسلحة محرمة دولياً.. بينما لا يمتلك الفلسطينيون سوي أسلحة بدائية.
كان الموقف الذي اتخذه غنيم موضع فخار للمصريين ومن بينهم جماعة الإخوان المسلمين التي أشاد أكثر من قيادة منها بالرجل وبمواقفه المبدئية.. ولم يذكر واحد منهم أن غنيم تجاوز حدود دوره كطبيب ودخل إلي معترك السياسة.
ولكن يبدو أن المعركة الانتخابية الأخيرة وما تبعها من انحياز غنيم إلي تحالف الثورة مستمرة أدت إلي تعرضه إلي حملة عنيفة من جانب حزب الجماعة لم تقتصر علي القضايا السياسية المختلف عليها بين الحزبين إنما امتدت إلي التشكيك في مصداقية عقيدته الإسلامية.. وشهدت القنوات الفضائية جانباً منها.
تابعت مساء الاثنين الماضي لقاء تليفزيونيا شارك فيه أحد النواب المنتمين إلي حزب الحرية والعدالة ونائب آخر ينتمي إلي تحالف الثورة مستمرة.
وكانت القضية المحورية المطروحة للنقاش تتعلق بكيفية التوصل إلي صيغة للتوافق الوطني بين القوي المشاركة في مجلس الشعب خاصة أن الجلسات الأولي لم تعكس التوافق المأمول.. ولم تخل من اتهامات متبادلة بين أعضاء حزب الأغلبية الذين حذروا من ديكتاتورية الأقلية. وأعضاء أحزاب الأقلية الذين أبدوا مخاوفهم من هيمنة أعضاء حزب الأغلبية علي لجان المجلس.. وسعيهم إلي استبعاد الآخرين.
والحقيقة أن الضيفين تمسكا بآداب الحوار. وعرض كل منهما وجهة نظره بأسلوب متزن دون تجاوز في حق الآخر.
وتطرق الحوار إلي حادث فرعي يتعلق بمشادة حدثت بين الدكتور غنيم وأحد شباب الإخوان أثناء الجولات الانتخابية في مدينة المنصورة وقد اختلفت وجهات نظرهما حول تلك الواقعة.
نائب حزب الحرية والعدالة أدان الدكتور غنيم الذي صعد إلي منصة أقامها الحزب واطال في حديثه.. بما لا يدع فرصة لكلمة إبراهيم أبوعوف أمين الحزب بالدقهلية وعندما حاول الشباب تنبيهه خرج عن شعوره ووجه للشاب إهانات بالغة.. بعضها يتعلق بالعقيدة.
النائب الآخر روي الواقعة من منظور مختلف.. يدين الشاب الذي "تحرش" بالدكتور غنيم أكثر من مرة.
والحقيقة إنني لم أتوقف أمام الواقعة التي رواها كل منهما وفقاً لرؤيته الخاصة ولم أهتم بالبحث عن المخطئ أو المصيب فمثل تلك المشادات ليست نادرة في الدعاية الانتخابية للمرشحين المتنافسين.
وكنت أستعجل أن يسير النقاش في إطاره الطبيعي حول قضية الوفاق الوطني.. الذي يمثل السبيل الوحيد لاجتياز المرحلة الصعبة التي نمر بها.
وفجأة تدخل أمين حزب الحرية والعدالة في الدقهلية باتصال تليفوني ووجه لزميله عضو المجلس عن تحالف الثورة مستمرة.. استهاما بالكذب.. وأشار إلي أن غنيم استفز السلفيين وعليه أن يقدم اعتذاراً علنياً عما بدر منه من انفلات. وأن يقنع بعمله كطبيب ولا يدخل إلي ميدان السياسة التي لا يعرف أصولها.
قطعت تلك المداخلة استمتاعي بمتابعة النقاش الجاد الذي كان يجري علي شاشة التليفزيون.
استفزتني حالة الانفعال الشديد من جانب أبوعوف الذي دفعه إلي اتهام زميل له منتخب في مجلس الشعب.. بالكذب.. وكان بمقدوره أن يتحفظ علي توجيه الإهانة للرجل علي مشهد من ملايين المشاهدين. لو أنه كان أكثر هدوءاً. خاصة أن قادة حزبه يعيبون علي شباب التحرير التجاوز في التعامل مع منصة الإخوان. وهو تصرف مرفوض تماماً من جانب كل الذين يسعون إلي إقامة حوار بناء بين كافة التنظيمات السياسية.
لا أحد يقر بتجاوزات بعض الشباب في التحرير وفي الوقت نفسه وفي نفس الوقت ما كان ينبغي لنائب في البرلمان أن يلصق بزميله تهمة الكذب سواء كان أمام الملايين في برنامج تليفزيوني.. أو داخل قاعة مجلس الشعب.. خاصة إذا كان النائب ينتمي إلي تيار الإسلام السياسي وما يفرضه من اتباع لأدب القرآن.. كما أن أحداً لم يطالبه بالاعتذار العلني عن "ذلة اللسان".
ويمكن أن نلتمس للدكتور غنيم العذر ذاته لو كان صحيحاً قد أخطأ.
استفزني أيضاً في مداخلة أمين الحزب بالدقهلية استخدامه فزاعة السلفيين عندما أشار إلي غضبهم وهو يعلم جيداً أن تلك الإشارة قد يترتب عليها تصرفات غير محسوبة يتعرض لها الدكتور غنيم.. سبق أن تعرض لها العديد من الرموز الفكرية والثقافية.
الملاحظة الثالثة علي مداخلة النائب أبوعوف تتعلق بمطالبته الدكتور غنيم أن يلتزم مستشفاه ولا ينخرط في السياسة.. لأن من حق أي مواطن.. بل من واجبه أن يشارك في العمل الوطني.. وينضم إلي الحزب الذي يتوافق مع أفكاره.. وأن يدعو لها بكافة الوسائل المشروعة.
وما أريد قوله إن الدكتور غنيم قيمة مصرية تحظي باحترام المصريين.. وهو إنسان يخطئ ويصيب.. ولن يكسب حزب الحرية والعدالة بمعاداة.. حكيم الفقراء!
|