لو كان المجلس العسكري يتفنن في فتح الثغرات وبوابات الهجوم عليه. ما كان يفعل إلا ما فعله علي مدي عام كامل مر علي تسلمه لسلطة ادارة البلاد!
وتلك كانت البداية في حوار ساخن بين صديقين حضرت تفاصيله. وسأنقل بعضها في هذا المقال.
يرد الثاني: لاحظ أن الأطراف الأخري هي التي تتصيد للمجلس وتريد ان تتخلص منه حتي تدب الفوضي في أرجاء الوطن. فيصبح مرتعا للمخربين والطامعين والطامحين من الداخل والخارج.
الأول ساخرا: رجعنا مرة أخري لأبورجل مسلوخة واللهو الخفي. والأسطوانة المشروخة إياها التي اخترعها المجلس العسكري لكي يجعلنا في حالة خوف وذعر علي مدار الساعة حتي يقنعنا بأن وجوده معنا أساسي مثل اكسجين الهواء. وأن غيابه يعني الموت المحقق.
الثاني مقاطعا: هل تنكر وجود تلك الأطراف؟ هل تنكر ان هناك من يريد أن يدفع البلد إلي حالة الفوضي وصولا إلي الحرب الأهلية؟ هل لا تعرف بأن هناك أصابع خارجية تلعب. وريموت كنترول يضغط؟ هل تشك في وجود ممولين ومتمولين بهدف التخريب والتدمير وليس بدافع دعم الحرية وترسيخ الديمقراطية؟ ألا تتفق معي بأن هناك بلطجية يتم استئجارهم - سواء من قبل رجال النظام السابق أو ممن لهم مصلحة في اثارة الفوضي - من أجل تنفيذ مخططات بعينها؟
الأول مستنكرا: لو سلمت بأن كلامك صحيح. فلماذا لم يقدم لنا المجلس العسكري علي مدي ال 365 يوما التي تولي فيها مهامه دليلا واحدا ملموسا يقنع أولي الألباب؟
ثم يستطرد: أزيدك من الشعر بيتا في كل مرة يسوق لنا فكرة اللهو الخفي والمخططات يدين نفسه أكثر مما يدين غيره.
الثاني في دهشة؟ هذا أسلوب المسفسطين.
الأول في لهجة غاضبة: دعني أكمل. ولا تتبع أسلوب الغوغائيين.. وحتي يكون كلامي محددا. سوف أذكر لك مثالا واحدا.. هو ذلك المؤتمر الصحفي الذي خرج علينا فيه اللواء عمارة من المجلس العسكري لكي يقول لنا ماذا حدث فيمحو الغموض ويزيل العديد من علامات الاستفهام. لكنه بدلا من طمأنة الشعب أو حتي الاجابة عن التساؤلات التي في رءوسهم. وجدناه يزيد الغموض غموضا. وينقل الناس للوقوف بجوار المجلس العسكري ضد أعمال البلطجة والتخريب والحرق التي حدثت في منطقة مجلس الوزراء والمجمع العلمي. وجدناه يجعل المواطنين غير متعاطفين مع المجلس. بل جعلهم يوجهون إليه اللوم والاتهام بالتقصير. أكثر من هذا هناك من ساوره الشك بأن الحكاية فيها "إن" وان المجلس يريد أن يغمض عينه عن تلك ال "إن" لغرض ما في نفس يعقوب.
ثم يستطرد.. ال "إن" علي سبيل حكاية حرق المجمع العلمي.. اللواء عمارة بدلا من أن يدين الذين أحرقوا أو بلطجوا أدان المجلس علي الملأ من خلال جزئيتين هامتين:
- الأولي: أنه عندما راح يتحدث عما أذاعه أحد المذيعين في واحدة من الفضائيات. عن حرق المجمع العلمي قبل الحريق - سواء بليلة أو بساعات - فإنه بذلك أدان المجلس العسكري بشكل غير مباشر. لأنه سواء كان بلاغ المذيع كاذبا أو صادقا. فإنه وفي علم الاحتمالات فإن حدث الحريق محتمل. وبالتالي فإن السؤال البديهي هنا. ما الذي فعله المجلس العسكري وهو المسئول الأول عن ادارة البلاد بعد أن عرف ان حريقا سوف يشب في المجمع العلمي "كنز الكنوز"؟ الإجابة: بدلا من أن يوجه طاقته للاستعداد ومنع الجريمة. ادخر تلك الطاقة لاتهام القناة. وترك فعل الحريق يقع.
- الثانية: انه وبعد ان وقعت الواقعة وحدث الحريق الذي التهم أمهات الكتب وكنز وصف مصر. لم يطفيء الحريق. أتدري لماذا؟
أجيبك أنا. لكي يخرج ويقول لنا اللواء عمارة بأن البلطجية منعوا وصول سيارات الإطفاء إلي الموقع!
ولاحظ ان البلطجية الذين تحدث عنهم اللواء عمارة هم وكما قال صبية لا تتجاوز اعمارهم 14 عاما. فهل نجح هؤلاء الصبية في إثناء المجلس العسكري عن أداء أبجديات واجبه؟
إذا كان ما قاله صحيحا فتلك مصيبة. وإذا كان غير ذلك فالمصيبة أعظم. لأن الرسالة التي كان يريد اللواء عمارة توصيلها. وصلت بالعكس والسلب. فرسخ في ذهن بعض الناس. ان المجلس العسكري له مصلحة فيما حدث وهذا شيء بالغ الخطورة.
الأول وهو يزفر زفرة حارة: أم الكوارث أن البعض لايزال معجبا بسياسة الغموض واللف والدوران. أما أسلوب الشفافية والوضوح فلا يروقهم.. وقد حرص المجلس طوال الوقت علي أن يعيش الشعب معه تفاصيل كل حدث وحادث. لكنك مثل الذين يتربصون بالمجلس العسكري يصرون علي قلب الحقائق والتعامل بنظرية لا تقربوا الصلاة. والهدف واضح وهو ان يترك المجلس السلطة ويسلم البلد لمهب الريح.
ثم يستطرد: لو كنت قد حكمت عقلك أنت وأمثالك المنساقون وراء تلك الدعاوي كنت قد عرفت أن المجلس لا يريدها وقد أكد المشير ألف مرة علي ان 30 يونيو موعدنا لتسليم البلد إلي أيد أمينة بعد أن يكون المجلس قد بلغ الرسالة وأدي الأمانة. وأنه كل يوم يقدم دليلا علي ذلك. فمجلس الشعب قد تم انتخابه وكذلك حدث مع الشوري وسوف يتم عمل الدستور. وانتخابات الرئاسة يتم تبكيرها. فما هو المطلوب إذن؟
نذكر أننا نتحدث عن شهور قليلة معدودة. لكن هذا لا يروق للذين يريدونها خرابة. ويصرون علي تجريفها وتحطيم أعمدتها. فالشرطة لا يريدونها. والعسكري غير مرغوب فيه. والبلد كلما دارت عجلتها يوما جن جنونهم وتفننوا في فرملتها ودورانها للخلف بدلا من الأمام.. فهل هذا سلوك طبيعي يصب في خانة حب مصر؟
للأسف أنت وأمثالك تجعلني أشك في وطنيتكم وكأنكم قلقون إذا ما هدأت البلد واستقرت لن تجدوا الفرصة لممارسة الدور المحبب في نفخ الكير وتأجيج النيران. تماما مثل نظرية الأخين "زين وشين" لصلاح جاهين.. أحدهما خير والثاني شرير. فلو عاش الخير واستقر يكون السؤال الفطري "والشر حايعيش منين"؟!
الثاني وقد طفح به الكيل: دخلنا في النوايا ووصلنا مرحلة التخوين.. في النهاية تريد أن توصلني إلي نفس توليفة النظام السابق. وهي ان المجلس العسكري هو الحاكم. وان من يعارضه أو ينتقده هو من حزب القلة المندسة ومن جماعة اللهو الخفي. وكأن المطلوب من الجميع أن ينسي الثورة ولماذا قامت وما هي أهدافها. وما الذي انجزناه وماذا لم ننجز. ونوجه كل طاقتنا للتصفيق فقط للمجلس العسكري. دون أن نجرؤ علي مطالبته بكشف حساب يقول لنا فيه وعدت وأوفيت وأقسمت ونفذت.
الأول مقاطعا في حدة: واضح أنك وأمثالك تعانون من الزهايمر. فالمجلس هو الذي حمي الثورة وهو وجميع أعضائه الذين حملوا أرواحهم علي أكفهم لكي يساندوا الثوار في وقت كانت احتمالات فشل الثورة واردة. وفرصة انتقام الطاغية منهم كبيرة.
الثاني مؤيدا: وتلك هي النقطة التي ينطلق منها كل المنتقدين لسياسات المجلس العسكري فلأنه هو الذي حمي وهو الذي دعم وساند وهو أيضا الذي أقسم ووعد. نقول له. لقد قصرت. لقد تكاسلت.. فكثير من الملفات مازالت مفتوحة وكثير من الوعود لم يتم انجازها علي سبيل المثال ملفات أسر الشهداء والمصابين والقصاص والمحاكمات العادلة والعاجلة وتطهير المؤسسات وغيرها مازالت مفتوحة ويتم فحصها بإيقاع هاديء لا يليق أن يكون ايقاع الثورة.. والكارثة ليست في الوقت فقط بل في أسلوب التناول أيضا.. فمحاكمة مبارك يرصدها البعض وكأنها في جميع مراحلها سياق محكم لبراءته. وربما لكي يجيء اليوم الذي يتم فيه مطالبة الشعب كله بالأسف لسيادته وتقبيل رأسه عما حدث ومعاهدته علي ألا نعود إلي معاصي معارضته أبدا.
الأول يقاطعه: هذا هو الخلط المبين. فأنتم تخلطون بين القضاء والمجلس العسكري.. فمحاكمة مبارك شأن القضاء والعدالة ولا دخل للمجلس به. وقد حرص المجلس منذ البداية ألا يتدخل في شئون العدالة والقضاء.
الثاني محتدا: لو كان ذلك كذلك. فلماذا لم يرفع المجلس العسكري يده عن مبارك. فهو الذي جعله يقيم بمستشفي 10 نجوم بمبالغ خيالية وهو الذي ينقله في طائرة تتكلف طلعتها الواحدة أكثر من ربع مليون جنيه. وهو الذي وافق علي أن ينتقل نجلاه والعادلي وعز من السجن إلي المحكمة بأسلوب مرفه ومستفز.
المناقشة مستمرة وحامية الوطيس ليس علي مستوي هذين الصديقين فقط. لكنها دائرة الآن في كل المجالس والتجمعات علي كل المستويات. والجميع بالمناسبة وبلا مزايدة يحب مصر.. المؤيد للعسكري يحبها والمعارض يعشقها. والمجلس يموت فيها. ولكن لابد وأن يتمتع الجميع بأهم مكتسبات الثورة وهو ان حب مصر ليس حكرا علي أحد.. الكل يحبها علي طريقته وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.. أمانينا بعد الثورة تجعلنا لا نقنع بالقليل وتلزمنا ان نقوم بعضنا البعض حتي لا ينحرف المسار أو تتعطل المسيرة. فمصر ومصر وحدها من وراء القصد.