مصر المستقبل
بقلم:محمد علي إبراهيم
اليونان وانجلترا .. ومصر!
هل تبيع أثينا الجزر لتسديد الديون؟
ليس هناك رابط بين اليونان وانجلترا من ناحية وبين بلدنا من ناحية أخري.. الأولي هي مهد الديمقراطية في العالم وأصل الكلمة مشتق من اللغة اليونانية والثانية هي التي يضرب بها المثل في تداول السلطة وأن الملكة تملك ولاتحكم وأن برلمانها هو أقوي البرلمانات في العالم.
ورغم أن الدولتين مشهود لهما بالديموقراطية وتمرسا عليها منذ قرون الا أن تعرضهما لازمات مالية طاحنة في العام الماضي وتصاعد الازمة الي درجة تقترب من اعلان افلاسهما هذا الشهر. يستلزم وقفة لمقارنة ماحدث هناك مع مايحدث في مصر.
في مصر لايريد احد ان يعترف بوجود أزمة مالية عالمية.. الصحف تطالعنا كل يوم باخبار عن الفساد واحتكار الحزب الوطني للسلطة وضرورة تغيير الدستور وفتح الباب امام المرشحين المستقلين لخوض انتخابات الرئاسة.. لكن لا أحد ينظر للعالم من حولنا وكيف تتعايش الدول المتقدمة مع أزماته.
قلت إن اليونان وانجلترا علي شفا حفرة من الافلاس.. وقبل عشرة أيام أدلي باباندريو رئيس الوزراء اليوناني بحديث لمجلة "دير شبيجل" الالمانية شرح فيه الأزمة المالية الطاحنة التي تتعرض لها بلاده واضطراره الي اتخاذ قرارات غير شعبية كتسريح العمالة وخفض الرواتب وزيادة الضرائب.
واضاف باباندريو في حديثه الهام لدير شبيجل مامعناه ان السياسة تعني ايضا تثقيف المواطنين والحديث بصراحة معهم لتعريفهم بالمشكلات والحاجة لاجراء تغيير.
قلت لنفسي لو حدث لاقدر الله أن افلست مصر أو تعرضت لازمة طاحنة ووقف رئيس الوزراء د. نظيف يقول كلاما كالذي قاله باباندريو وانه يجب افهام المصريين الظروف الصعبة التي نعيشها والحاجة الي التقشف وتقبل الاوضاع الطارئة.. ساعتها ستثور مصر ضده عن بكرة أبيها ولن يفلح في مغادرة مقر مجلس الوزراء الا في حراسة الامن وسيخرج نواب مجلس الشعب ضده في مظاهرات ويركب الاخوان المسلمون الموجة وينقلب حال البلد من الاستقرار الي الفوضي.
في اليونان حدثت بعض الاضرابات والاحتجاجات علي اجراءات الحكومة. لكن بعد ان سمع اليونانيون حديث رئيس وزرائهم في البرلمان هدأوا وتقبلوا الامر وانسحبوا من اعتصامات الشوارع وقلت الاحتجاجات .. الشعب هناك يقدر أن بلاده في أزمة وعليه أن يتقبلها.
في بريطانيا كان الوضع أسوأ من اليونان.. المواطن الانجليزي اعتاد حياة مترفة. لكن الدين العام في بريطانيا وصل إلي مستويات ضخمة وليس مثل ديون الحكومة المصرية التي لا تعادل واحدا علي سبعين من الديون التي تكبل حكومة براون.. بريطانيا بها معركة أخري.. فالازمة المالية خانقة والانتخابات العامة بعد 3 أشهر. وبالتالي فإن الحزبين الكبيرين العمال والمحافظين عليهما مصارحة الجماهير بالموقف.. المعركة بين الحزبين حول أيهما أقدر علي اتخاذ قرارات صعبة لتخفيض الدين العام وكيف سيتحمل المواطنون ذلك.
الانجليز بطبيعتهم شعب لا يحب الاقتراض. لكنهم طبقا للأزمة المالية الحالية سيجدون أنفسهم أمام خيار ضرورة تسديد ديون الحكومة وإلا انهار الاقتصاد والسمعة والمصداقية.
أما اليونانيون فقد وصلت أزمتهم المالية إلي درجة انهم يفكرون الآن في بيع بعض الجزر اليونانية الشهيرة في البحر المتوسط لتسديد ديونهم.. نعم اليونانيون أعضاء في الاتحاد الأوروبي لكن هذا لا يعني أن يسدد أحد شيكا علي بياض لهم. ما لم تقم الحكومة اليونانية بترتيب البيت من الداخل.
تصوروا لو أن حكومة مصر اقترضت ليعيش المصريون في رفاهية ثم أصبح لزاما علينا أن نبيع سيناء أو جزءا من الساحل الشمالي لنسدد قروضنا.. هل يقبل المصريون ذلك؟!
ان عظمة القرار المصري الاقتصادي انه لا يسمح للديون بأن تكون عائقا أمام التنمية ولا أن تزيد بحيث تصل إلي مرحلة تهدد السيادة والاستقرار.
هناك دروس في الأزمة المالية العالمية والحمد لله ان مصر لم تتعرض لأي منها.. فلم يحدث لنا ما حدث لدبي الإمارة الذهبية التي كادت تضيع في غمضة عين.. واليونان التي ترهن أراضيها لتقترض أو تعرض بيعها في تصرف يعيد إلي الأذهان ما كاد يفعله أحد ابناء اسرة محمد علي في مصر وانجلترا التي كان "بنك انجلترا" يملك احتياطيا ضخما يغطي ميزانيات عدة دول أوروبية.. كل هذا ذهب أدراج الرياح فجأة.
الدرس الوحيد الذي خرجت به من الأزمة المالية العالمية التي وصلت إلي حد أن انجلترا خفضت المرتبات بنسبة 40% والغت بعض الوظائف كما بلغت نسبة الخفض في اليونان 65% هو ان كل السياسيين في البلدين لم يحاولوا التهوين من الأزمة أو التغطية علي الحقائق أو اختراع مسميات أو التقرب إلي الشعب لفترة من الزمن يكتشف بعدها أنه كان واهماً..
السياسيون في أوروبا لا يحاولون تغطية الحقائق ويقولون كلاماً صادماً.. السياسة في رأي كثيرين لا ينبغي أن تتحول إلي فن الضحك علي الناس ودغدغة عواطفهم.. سياسات تجميل الواقع تقود إلي كوارث.. ياليت أهلنا في مصر يعرفون أن الحكومة إذا كانت تلجأ للمصارحة والمكاشفة فهذا أفضل لها ولنا حتي لا نستيقظ ذات صباح ونجد أننا مهددون باقتطاع أجزاء من الوطن وفاء لديون أو تسديدا لحقوق لم نكن نعلم عنها شيئاً.