في منتصف الستينيات من القرن المنقضي. ذهب الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله في زيارة إلي السودان. وعند وصوله مطار الخرطوم كانت في نفس اللحظة مسئولة أوروبية في طريقها إلي مقابلة مسئولين سودانيين. وبينما كان الشيخ الغزالي يسير وسط مرافقيه ومستقبليه. همس له أحدهم "انظر إلي هذه السيدة غير المحتشمة. إنها ترتدي رداء قصيرا يبدي مفاتنها". وقبل أن يستكمل الرجل كلامه. نهره الشيخ الغزالي قائلا "هذه السيدة يمكن أن تكون رابعة العدوية الأخري. ولكن لابد أن يقدم لها الإسلام شخص غيرك".
هذه الحكاية رواها لي صحفي سوداني. متعجبا مما يدور علي الساحة المصرية الآن من إرهاصات بعض رجال التيار الإسلامي. والتي تشبه إلي حد كبير تعليق الرجل الذي همس للشيخ الغزالي. فما كان من الأخير إلا أن يعطيه درسا في الإسلام بأنه دين عظيم وأن من يتصدي لدعوته. عليه التحلي بالحكمة والموعظة الحسنة. وليس بالسخرية أو التنكير.
المشكلة التي عبر عنها الشيخ الغزالي في كلمات قليلة. قبل أكثر من نصف قرن. وصفها مفتي الجمهورية الدكتور علي جمعة. في إحدي ندواته بقوله "ان النخبة في عصرنا تتناقص. وموت العلماء يتزايد. ويأتي رؤساء جهال يقولون ما لا يعرفون. ويظن بعض الناس أن هذه حالة قدرية. لكنها ليست كذلك. لأننا أهل تكليف كلفنا بالعلم وإزالة الجهالة". مؤكدا أن السبب الأساسي فيما نعانيه الآن في مصر هو الجهل. وأن الصراع والتشديد والعنف مبني علي عدم علم إما بالنصوص أو بالواقع.
وفي نفس السياق. حذر الداعية الشيخ محمد حسان مما سماه بالتصدع "الإسلامي الإسلامي" والخلافات بين الإسلاميين والتيارات الأخري. وقال: إن مصر تمر بمرحلة حرجة لا تحتاج للتصارع. ولكنها مرحلة للتصالح والتحاور. خاصة في ظل الحرب الشديدة التي تتعرض لها البلاد من الداخل والخارج. ورغبة الكثيرين في ألا تقوم لمصر قائمة.
وأعتقد أن مثل هذا الكلام لا يقتصر علي الإسلاميين فقط. ولكنه ينسحب أيضا علي التيارات الليبرالية والإئتلافات الثورية التي بدأت الاستعداد للإحتفال بمرور عام علي ثورة 25 يناير. بالعديد من الانتقادات وربما الممارسات التي قد تعيد حالة الإشتعال للشارع المصري. متناسية أن الفترة الانتقالية قاربت علي الإنتهاء. وأن الشهور القليلة القادمة تستوجب التريث والهدوء لإستكمال الانتخابات البرلمانية. ودوران عجلة الاقتصاد. ووضع الدستور. ثم وهو الأم اختيار رئيس يكون جديرا بحكم مصر.
وبمناسبة الحديث عن الرئيس. ما رأي شباب الثورة والمثقفين والسياسيين في أن يبدأوا من الآن تنظيم الندوات والمؤتمرات لتحديد أفضل الأسماء المرشحة لرئاسة الدولة. علي ألا يزيد عددهم علي ثلاثة أو أربعة. تمهيدا لطرحهم علي المجتمع المصري. باعتبار أن أياً منهم قادر علي النهوض بمصر والتحليق بها في سماء العلم والتنوير والإسلام الصحيح. بدلا من الرجوع بها إلي عهود الجهل و"الصراع".. وأعتقد أن الوقت مازال متاحا لتحقيق هذا الأمل. الذي يعفينا من مشاكل عديدة قد تحتاج لثورة أخري لتصحيح الأوضاع.