ذاكرتك هذا الجزء الرائع من تكوينك.. صندوقك الأسود أو الأبيض حسب لون حياتك. هذه الذاكرة استثارت العلماء وحيرهم أمرها.. وقسموها داخل معاملهم إلي نصفين.. صوت أو صورة وأجروا الأبحاث حول السؤال.. أيهما أسهل عليك.. استحضار ملامح إنسان غاب عنك أو صوته. وعموما فالشكل بداية الانجذاب لشخص ما. أما الصوت فهو الوصلة والصلة بالآخر وإحساسك به. ويكفي أنك تطلق تعبير "حسك حلو" علي صوت أحببته لتتأكد أنك تدمج الصوت والحس في واحد.
ذكري.. حلوة
ومادمنا بدأنا بالتذكر.. فهل سنذكر عيد الحب.. ونحن نعيش كل هذه الآلام والأحداث الصعبة. ربما ننسي العيد والأكيد أننا لن ننسي الحب. فمن سالت دماؤهم ماتوا حبا في الوطن.. وكلنا نحبهم. وأيضا كل منا يحب معني أو شخصا.. وفي كل عيد أو كلمة حب تقفز لذاكرتي هذه الكلمات..
يا أعز وأغلي وأطيب قلب.. فسر للعالم معني الحب.. وكفاية تكون إنسان في زمان.. فيه طيبة القلب بتتعيب.. يا طيب.
كان أبي طيبا.. وأمي.. وكانت أختي عذبة كالماء النقي.. تنهمر في اتجاه واحد تعطي ولا تأخذ.. ولا احتجت ولا احتاجت. وكان بيتنا طيبا.. وعيشنا.. وشارعنا والجيران.. مسالمين عشنا وسلمنا.
لم أشهد أمي تطهو الطعام ولا أنسب ما تفعل إلي فن الطهي. وإنما كانت تمزجه وتخلطه وتدلله وتكاد تعزفه وهي تغرفه في الأطباق. فنتذوق ونعيش طعم الأم والأمان والانتماء. وكانت تقول مع كل أذان أن خدمتنا صلاة وصيام.. ولم أفهم جملتها إلا عندما وضعت يدي في فم ابني أطعمه. وجمعت أولادي حولي علي لقمة هنية.. وصليت وصمت. وتذكرت كلمات الشاعر محمود درويش أحن إلي خبز أمي وقهوة أمي وصدر أمي. وسيحسن أولادي.. كما أنا الآن.. أحن.
مدرستي بتفتح بدري
كانت لي معلمة طيبة تشرح الدرس بكامل علم وتستمع لمراهقتنا بكامل ود. وكانت ساحة المدرسة واسعة.. وكانت لنا حصة للألعاب وحجرة نبدل فيها ملابسنا ونمارس الرياضة بجدران تحجبنا عن عيون مدرسة الأولاد. لم نكن جيلا عرف الحجاب لكننا احترمنا أجسامنا من أن تنتهكها العيون.
وفي حصص التدبير المنزلي صنعنا العصائر والمربات وفي حصة التفصيل نسجنا الوسائد ورسمنا عليها قلوبا لنحلم. وفي حصة الموسيقي اختارت زميلاتي البيانو.. وأسرتني من البداية الكمان. ولم أكن أعرف وقتها أن الموسيقار محمد عبدالوهاب وصف صوتها بأنين الرجال.. لكن عرفت أن الطيبين من الرجال وحدهم من يئن.
وكنا نحب الحصة المفتوحة.. التي نقول فيها كل شيء ونسمع أي شيء.. مشكلة في البيت أو في حب ابن الجيران.. وكلام فيما يريدون أن يخصصوا له الآن أبوابا في المناهج الدراسية.. فتمر معلمة الفصل بخبرتها علي كلمات نفهم منها بغير أن تجرحنا أو تحرجنا.
|