في دمشق قضيت اسبوعا وصلت في الخامسة فجر الأحد 8 يناير الحالي وغادرت في السادسة والنصف مساء السبت 14 من الشهر نفسه كانت الزيارة في صحبة الاستاذين احمد حسن الأمين العام للحزب الناصري وسيد حسين مساعد رئيس تحرير صحيفتنا الغراء وذلك بدعوة من الصديق الدكتور عدنان محمود وزير الاعلام السوري الذي ربطتني به حبال ود لم ينقطع منذ عرفته في منتصف التسعينيات الماضية هنا في القاهرة حيث قضي 12عاما كما تربطني بدمشق خاصة وبسوريا عامة علاقة حب من طراز خاص منذ اهتممت بها دارسا وباحثا في أوضاعها السياسية وفي شئون أحزابها بشكل خاص ودعوة للقاء دمشق في الظروف التي تعيشها لا يمكن أن ترد من جانب صحفي يريد رؤية الأحداث في واقعها بعيدا عن كتابات الصحف وتغطيات الفضائيات التي تختلف بشأنها الآراء.
وهكذا توجهت إلي دمشق أحمل عديدا من التساؤلات واستعد لكثير من اللقاءات والحوارات خاصة وان لي والحمد لله في دمشق علاقات متجددة ووثيقة بأطراف كثيرة وبالذات بين قوي المعارضة ويسارها بشكل خاص وفي اللقاء الأول مع وزير الاعلام قلت له ان حركتي في دمشق واسعة وشبكة علاقاتي ممتدة وتحركاتي طليقعة فقال دون تردد لك ما تريد وقد كان وفي اسبوع إلا ساعات قابلت من أهل المعارضة أكثر بكثير جدا ممن قابلت من أهل الحكم من المسئولين والصحفيين ومن اتيح له أن يزور دمشق قبل سنوات فقط يستطيع عند زيارتها اليوم أن يحكم من ظواهر الأمور وحتي في ظل الانتفاضة ان هناك جديدا وأحوالا متغيرة وان قبضة الأمن التي يمكن أن يشمها أمثالي من بعد لم تعد كما كانت لقد ارتخت من قبل كان المرافق يتبع الزائر أيا كان مركزه ومن يدعوه كظله في هذه المرة حدث العكس افتقدت المرافق لم يصحبني في أية زيارة لأي سياسي معارض أو موال ولم يحضر هو أو غيره أي لقاء في الفندق الذي نزلت فيه.. الأهم من هذا الانفتاح الاعلامي الواضح الذي فتحت علي الأرجح الانتفاضة أبوابه واسعة من قانون جديد للصحافة إلي مجلس وطني للاعلام مع صحف ومجلات وفضائيات جديدة وفي الطريق ما هو أكثر.
لا مجال اليوم لمناقشة خطوات الاصلاح في ظل الانتفاضة وهل هي كافية أم غير كافية ولماذا تأخرت؟ وما تأثير هذا علي ما هو آت لأن ما أكتبه اليوم ليس أكثر من خواطر وانطباعات بناء علي مواقع شاهدتها وحوارات شاركت فيها وأرقام أستند اليها. أما الدراسة الأعمق لما جري ويجري في سوريا اليوم فإنها تحتاج الي مزيد من البحث والوقت والعودة الي بداية التحولات ان لم يكن منذ عام 1963 سيطرة حزب البعث وانفراده بالحكم وحده وما شهده من صراعات داخلية وصولا الي سنة 1970 وحركة التصحيح التي قام بها الرئيس حافظ الأسد فيجب علي الأقل العودة الي سنة 2000 وبداية رئاسة بشار الاسد ثم سنوات الانفتاح والليبرالية الجديدة منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي وهي السنوات التي شهدت البذور الحقيقية لما يجري في سوريا اليوم بكل ما تعيشه من صراعات وانتفاضة هي نتاج لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية ان هذه أسس الصراع الداخلي العنيف ولكن الأزمة السورية لها جانب آخر وهو الصراع حول سوريا نفسها والصراعان متداخلان لا يمكن اهمال أحدهما لحساب الآخر ولا يمكن بالتالي التضخيم من أحدهما والتقليل من الآخر.
وإذا كان الصراع حول سوريا يعني في الظروف الراهنة خطر التدخل الأجنبي فإنه في تقديري احتمال قائم ولكن هذا لا يعني ولا يمكن أن يعني التركيز عليه واهمال الجوانب الأخري في ظاهرة الانتفاضة والعكس صحيح ايضا حتي لو تناثرت أقوال تستبعد شكلا أو آخر من التدخل العسكري.
الفقر والبطالة والانتفاضة
من المتفق عليه بين الدارسين ان سوريا تسير علي درب الانفتاح المصري وقد بدأت متأخرة سنوات ربما بسبب اختلاف في الظروف الاقتصادية والسياسية أساسا ولكن من الواضح انها حرقت المراحل وتجاوزت بمراحل وحققت النتائج نفسها من حيث انتشار المظاهرة السلبية وعلي رأسها الفساد والفوارق الشاسعة بين الطبقات وغير ذلك ولعل حفنة من الأرقام تشرح هذا:
** البطالة: هناك جيش من العاطلين حيث تصل نسبة البطالة الي حوالي 30% من قوة العمل و17% فقط في تقدير هيئة مكافحة البطالة وهي هيئة رسمية ولكن التقديرات الحكومية تصل الي أقل من 10% وجيش البطالة هو عادة المخزون الجاهز لأية حركة تمرد أو احتجاج في أي مجتمع.
** الفقر: تبلغ نسبة الفقراء حوالي ثلث السكان ويعيش الفرد من هؤلاء بنحو 3000 ليرة "حوالي 300 جنيه" في الشهر ومن بينهم 8% في حالة فقر مدقع "1900ليرة سورية في الشهر" وفي المقابل هذا تضخمت وبسرعة ثروات طبقة أو شريحة طبقية من الطفيليين بحيث تجاوزت حدود القصور بالنسبة للواقع السوري حسب تعبير المستشار منذر حزام الذي أنقل عنه هذه الأرقام فقد اصبح نحو 10% من السكان يحوزون 60% من الدخل القومي و90% يحوزون 4% فقط بل ان طبقة الأغنياء لا تمثل أكثر من 7% من السوريين ومن بين هؤلاء عدد قليل جدا يتحكم في مجمل الاقتصاد السوري وهنا يأتي الحديث وبالأرقام عن الاقتصاد العائلي واقتصاد المحاسيب والزبائن. ولعل خير تعبير عن هذا هو الرقم الذي أورده الدكتور جمال باروت في دراسته العميقة بعنوان "العقد الأخير في سورية" وهو تصريح لرجل الأعمال رامي مخلوف وحدث عنه ولا حرج نائب رئيس مجلس إدارة شركة "الشام" القابضة ان حجم نشاط مؤسسيها يقدر ب 60% من النشاط الاقتصادي السوري!! اسس الشركة 71 رجل أعمال برأسمال قدره مليار و350 مليون دولار أمريكي.
في أرضية هذا الواقع نبتت وتنمو الانتفاضة بالاضافة الي عوامل وأسباب وخلفيات سياسية واجتماعية علي رأسها وفي مقدمتها قبضة أجهزة الأمن وأساليبها الخانقة بل والقاتلة ولن أخوض هنا واليوم في كل هذا الذي دفع أعدادا غير قليلة من السوريين الي التمرد والانتفاضة بسبب افتقاد الحرية وإهدار الكرامة وقد كانت الواقعة التي فجرت الانتفاضة في ومن درعا خير تعبير عن هذا حيث أهان مسئولو الأمن في المحافظة شيوخ العشائر باسلوب لا يمكن قبوله في التقاليد والأعراف العشائرية.. وحين أدي الاعتراض علي هذه الاهانة الي سقوط قتلي وجرحي ترددت أصداء ذلك في المحافظات الأخري باستثناء دمشق وحلب اساسا وهما تمثلان 20% من عدد السكان و37% من سكان المدن وإذا تحدث البعض عن اشتراك مجموع فئات الشعب في الانتفاضة فإن التقدير الذي تردد علي ألسنة الغالبية الساحقة ممن تحاورت معهم هو ان 20% من السكان مع الانتفاضة وان 80% لايزالون إلي الآن من انصار الحكم بدرجات مختلفة ولأسباب مختلفة.. والحديث هنا عن الانتفاضة السلمية. كما ان الجيش لايزال إلي هذه اللحظة قوة موحدة ولا توجد حركة انشقاق بالمعني المفهوم بل توجد حالات فرار فردية لا يزيد عددها علي 10 آلاف في أغلب التقديرات أو 15 ألفا من جيش يصل إلي حوالي 300 ألف ضابط وجندي ذكر لي احد المعارضين ان عدد الفارين وصل الي 50 ألفا وحين ذكرت ذلك امام معارضين آخرين استهجنوه! وبالإضافة إلي هذا لاتزال الأداة الحكومية والحزبية "أي حزب البعث" موحدة وراء الحكم الذي لا يزال في مركز قوة وفي الوقت نفسه فإن المعارضين يتزايدون من ناحية كما ان الانتفاضة تتحول الي انتفاضة مسلحة ويري كثيرون ان هذا ليس في صالحها خاصة ان الحديث بدأ يتردد في خارج سوريا أكثر مما في داخلها عن خلافات متنامية بين قيادات الانتفاضة المسلحة ممثلة في جيش سوريا الحرة أساسا والذي تقف وراءه كما هو معروف جماعة الاخوان المسلمين..
المعارضة في الداخل والخارج
وعود الاصلاح في سوريا معلقة منذ تولي بشار الأسد الرئاسة في عام 2000 وهي وعود وردت في خطاب القسم أساسا.. وقد تم وبسرعة إجهاض حركة ربيع دمشق وحركة المجتمع المدني من جانب آخر فإن المعارضة السورية من الخارج تعود الي سبعينيات القرن الماضي ثم زادت في العقد التالي ولكنها كانت متفرقة بل ومتنابذة من ناحية وظلت ضعيفة من ناحية أخري وتبددت كل الوعود التي نسجت حولها والقصة طويلة فهل تكون معارضة اليوم أفضل من سابقتها أمس؟ وهل هناك شعب عربي يقبل معارضة خارجية بعد ما لقيه العراق الشقيق علي ايدي المعارضين الذين عادوا بيسارهم ويمينهم علي ظهور دبابات الغزو الأمريكي؟ ودون تفصيلات كثيرة وتنشر شواهدها كل يوم اية معارضة تلك التي تدعو وتطالب بالتدخل الأجنبي ضد بلدها؟!.. الأجدي هنا أن نتحدث عن المعارضة الداخلية ممثلة أساسا في هيئة التنسيق الوطني لقوي التغيير الديمقراطي أما المعارضة الخارجية فتتمثل اساسا ايضا في المجلس الوطني السوري برئاسة الدكتور برهان غليون وقد وصف زعيم لحزب كردي سوري هاتين الجماعتين بقوله: المجلس الوطني السوري مصالح وهيئة التنسيق مبادئ.
وقد أجمع المعارضون من هيئة التنسيق الذين التقيت بهم علي ان المعارضة لا تملك رؤية موحدة ولا استراتيجية موحدة ولا تجيد لعبة السياسة! وقال لي عضو قيادي في الهيئة ولا أذكر أسماء انه لولا الملامة لذهب للاقامة في ضيعته ابتعادا عن نار الزملاء في المعارضة.. وفي تصريح لإحدي الفضائيات قال العضو المستقيل من هيئة التنسيق سمير العيطة ان المعارضة السورية تتحمل فشل الرهان علي الحل السياسي وعدم وجود استراتيجية واضحة أدي لعسكرة الثورة والتعويل علي وهم التدخل الأجنبي! علما بأن جميع قيادات هيئة التنسيق الذين التقيت بهم أجمعوا علي ان كافة السفراء الأوروبيين وكذلك سفير الولايات المتحدة في دمشق أبلغوهم ان بلادهم غير مستعدة لأي عمل عسكري بري ضد سوريا.. مرة أخري أي عمل عسكري بري فقط!!
في مثل هذه الخواطر والانطباعات ليس لدي كثير اضيفه هنا إلي ما كتبته في 17 نوفمبر الماضي بعنوان "لسوريا الشعب والوطن لا للأسد ولا غيره" غير ان زيارتي لدمشق وحديث أهل الحكم فيها عن دوران عجلة الاصلاح ذكرني بما كان يقوله لي استاذي الكبير الراحل حامد ربيع رحمه الله وما معناه ان الانجازات السياسية يمكن أن تفتقد أهميتها إذا جاءت في اللحظة الأخيرة أو بعد فوات الأوان أو نتيجة الضغط. وهل هناك ضغط أكبر من الانتفاضة التي دخلت شهرها الحادي عشر والتي دفعت إلي الآن دماء أكثر من ستة آلاف شهيد ومنذ البداية لم يكن هناك مبرر للقتل وفتح النار علي المتظاهرين ومن المؤكد ان هذا مطلوب الآن وفورا ولا يوجد أي مبرر لتأجيله
إلي أين؟
لقد ذهبت إلي دمشق وفي الرأس سؤال يطن: سوريا إلي أين؟ وخرجت منها وقد تحول هذا السؤال إلي: المنطقة إلي أين؟ وماذا يمكن أن يحدث ان سقط النظام البعثي في سوريا أو بقاياه؟ وهل يمكن أن تتحمل المنطقة مثل هذا السقوط في مرحلة ما بعد خروج قوات الغزو التي أسقطت نظام البعث أو بقاياه في العراق في 2003؟ وبعبارة أوضح ماذا يمكن أن تكون حصيلة الصراع الدولي حول سوريا في هذه المرحلة أعني في هذه الأيام؟ خاصة ان الصراع حول سوريا يبدو أشد ضراوة من الصراع في سوريا من الواضح ان قوي سورية لا تري جانبا من الصورة في حين تري قوي أخري الجانب المضادة احداها تغلب "بتشديد اللام" الصراع الدولي والأخري تغلب الصراع الداخلي وهنا يأتي دور الجامعة العربية والقوي المتنفذة فيها. في هذه المرحلة أي القوي الخليجية فهل تخطيء هذه القوي وتكرر الخطيئة الليبية أو يمكن أن تنجح في فرض الحل اليمني؟ دمشق لها حساباتها وهي لا تزال تراهن علي قوي تساندها ولكن السند