يوم عرفة .. إعلان لحقوق الإنسان في خطبة الوداع
الرسول ركز .. علي الدماء والأموال والأعراض
يقدمها : فريد ابراهيم
عمر عبدالجواد
كانت خطبة الرسول صلي الله عليه وسلم في حجة الوداع بمثابة الاعلان الثاني لحقوق الإنسان في الإسلام حيث كان الاعلان الأول في صحيفة المدينة وقد كانت الخطبة جامعة مانعة حيث ركزت علي الأعمدة التي تقام عليها الحقوق. فقال صلي الله عليه وسلم: أيها الناس.. إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلي أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.. ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلي من ائتمنه عليها. وإن ربا الجاهلية موضوع. ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. وقضي الله انه لا ربا. وإن أول ربا أبدأ به عمي العباس بن عبدالمطلب وإن دماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم تبدأ به دم عامر ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب وان مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير من زاد فهو من أهل الجاهلية. ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
في تعليقه علي الخطبة يقول المفكر الإسلامي الدكتور طه حبيشي الأستاذ بجامعة الأزهر: إن المتأمل في خطبة رسولنا التي جاءت في حجة الوداع وحضرها قرابة عشر آلاف مسلم ورسولنا الكريم أوتي جوامع الكلم. لذا فقد جمع فيها مقاصد الشريعة الإسلامية حيث أتي بأمثلة كل منها يتناول مقصدًا من المقاصد إلا انه تناول ثلاثة من المقاصد تصريحا والمقصدين الآخرين تلميحا. فالحفاظ علي النفس ذكره في قوله: "إن دماءكم" والدماء منها العقل ثم "الأموال والأعراض" وفي قوله: "كحرمة يومكم هذا" أشار إلي التكاليف الشرعية.. وقد ذكر المال لأنه أساس المجتمع الذي تقام عليه الحياة. بالإضافة إلي أساس الثقافة والتي ضمنها لنا الله سبحانه وتعالي في قوله تعالي: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي" وقبلها قال: "اليوم يأس الذين كفروا من دينكم".
أما المال فلأن أعلي الهزات الاقتصادية تأتي من الربا لأن الربا يحول المال الذي يمثل مقياسا للسلعة وليس سلعة إلي سلعة وعندما يتحول المقياس إلي سلعة تصبح حركة المال بلا مردود لأنهم يشترون بالمال مالاً. وليس سلعا فتقع الخسائر. ولأن الربا خطر وخطر ما يصاب به الاقتصاد. فقد كان تحذير الرسول منه نظريا وعمليا والنظري قوله: "قضي الله انه لا ربا" والعملي في إلغاء الأموال التي كانت لعمه العباس منذ الجاهلية بسبب الربا. وقد اختار أقرب الناس إليه لينفذ فيهم وعليهم الجانب العملي. فقال: "إن أول ربا أبدأ به عمي العباس" كذلك فعل في الدماء. فكل ما وقع في الجاهلية علي الناس أن يتركوه. ولكي يطبق ذلك عملياً فقد طبقه علي أهله ليكون تأثيره قويا. فقال: "وإن دماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب". وأن لكل هذا كانت الخطبة اعلانا عالميا لحقوق الإنسان. عمليا وتطبيقا.. ومارس التطبيق في أهله ولو جاز أن يطبقه علي نفسه لفعل إلا انه معصوم من الخطأ فأتي بأقرب الناس.
* الباحثة الإسلامية خديجة النبراوي اكدت ان رسول الله صلي الله عليه وسلم أقر ميثاقا عالميا لحقوق الإنسان بصورة راقية تتفوق علي ما يتغنني به الغرب وهو في الأساس اضطهاد للإنسان حيث لا يمكن لأحد أن يقر بما يفعله الغرب في الدول الإسلامية علي أن حقوق الإنسان إن كان في الغرب. وخاصة أمريكا يرفع شعارات انه يطبق حقوق الإنسان.. ومع ذلك فالإسلام أقر حقوق غير المسلمين ونص الرسول في يوم عرفة علي ذلك بميثاق عالمي أشهد عليه المسلمين قائلاً -في ختام توصيات مؤتمر الحج الأكبر-: "هل بلغت" فرد عليه الحاضرون بقولهم: "اللهم نعم". فقال الرسول معقبا: "اللهم فاشهد".
أضافت: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم نص علي ضرورة احترام الدماء والأموال والأعراض واعتبر أنها خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. وانها من الحرمات الأساسية لجميع المواطنين في الأمة الإسلامية. فإذا كانت القوانين العالمية المقررة من منظمة الأمم المتحدة تنص علي التعايش السلمي بين الأفراد داخل المجتمعات. وان تباينت مذاهبهم الدينية. ومضت علي ان تلك المهمة هي وظيفة الحكومات بحيث أصبح أمن الشخص قاصرا علي الحكومة وبدونه يصير معرضا للضياع. لكن الإسلام جعل حق المواطن في التمتع بحقوقه وحريته واجب النفاذ علي الأفراد قبل الحكومات بحيث يشعر كل شخص بمسئوليته تجاه من يقاسمه الحياة.
قالت د. خديجة إن تخصيص الرسول للأموال والدماء والأعراض له حكمة حيث ان تلك الأضلاع الثلاثة هي مثلث التنمة والتقدم وعنوان التحضر لدي الشعوب فلا يمكن القول بحدوث تطور حياتي دون شعور الإنسان بالأمن علي نفسه وماله وعرضه. واننا نجد الآن انهيار المجتمعات الغربية بسبب تفشي العنف وارتفاع معدلات الإجرام بها وكثرة أطفال الشوارع مما ينذر بكارثة علي المستوي العام. ولأهمية ذلك الثالوث ورد النص عليه في أحاديث ممهدة قبل خطبة الوداع حيث قال الرسول يوما لأصحابه وهو جالس معهم: "أتدرون من المفلس" فقالوا: المفلس منا من لا درهم له ولا متاع. فقال الرسول: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة. ويأتي وقد شتم عرض هذا. وقذف هذا. وأكل مال هذا". وقال أيضاً: "كل المسلم علي المسلم حرام.. عرضه وماله ودمه".
د. آمنة نصير الأستاذ بجامعة الأزهر قالت: عندما نناقش الميثاق الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان فإننا نبتدأ باليوم الذي أعلن فيه الرسول صراحة المباديء الأساسية لذلك الميثاق وكان في يوم عرفة وأشهد العالمين علي كلامه حتي لا يأتي من يشكك فيه.. وللأسف جاء المشككون وحملوا سهامهم الظالمة بهدف النيل من سماحة ووسطية أحكام الإسلام. واعتبروه دين الأسياد والعنصرية مع أن الرسول أكد صراحة علي المساواة بين جميع المواطنين حيث قال: "لا فضل لعربي علي أعجمي ولا لأبيض علي أسود. إلا بالتقوي".
أضافت أن الرسول بتلك الجملة الداخلة ضمن مجموع البنود يؤكد علي أن سكان الدولة الإسلامية لهم حقوق متساوية. والأفضلية تكون لصاحب الفكر المبدع والمجتهد وينهي عن الوساطة والمحسوبية والعنصرية في تولي الأعمال أو نيل الجوائز.. والعمل هو المقياس الحقيقي. وبالتالي وجدنا العبيد في الإسلام قادة للجيوش وسلاطين للدول وحاكمين للولايات المختلفة ويعامل الكتاب بالمعاملة الطيبة التي جعلت الكثيرين منهم لا يخشون علي أنفسهم ولا أولادهم ولا أموالهم ولا أعراضهم في ظل نظام يحفظ عليهم الأمن النفسي قبل الأمن الجسدي. ويقرر الرسول ذلك في وطن آخر بقوله: "من آذي ذميا أو انتقصه حقه فقد برئت منه ذمة الله. وذمة رسوله"..
أوضحت د. آمنة.. أن مقارنة المنهج الإسلامي في رعايته للأقليات الذين يسكنون الدول الإسلامية بما نراه اليوم من اضطهاد المسلمين .. ندرك أن الغربيين يقولون ما لا يفعلون. وقد حفظ المسلمون بمقتضي وصية الرسول لهم الأموال والأعراض والدماء.. يذكر التاريخ ان الفاتحين من المسلمين لم يحرقوا زرعا ولا شجرا ولم يقتلوا شيخا ولا امرأة ولم يهدموا معبدا ولا كنيسة. ولم يغتصبوا أرضا من أهلها عنوة بالقوة ولا وضعوا تشريعات تضمن للمعتدين الشرعية الدولية المناهضة لحقوق أهل البلد مثلما يحدث بفلسطين أمام مرأي ومسمع من دول العالم الأعضاء في الأمم المتحدة والمقررين لحقوق الإنسان بميثاقه العالمي.
أشارت إلي أن جمعيات المرأة التي قامت علي غير أساس من الحرص علي مصلحتها ونمت وترعرعت داخل المجتمعات الإسلامية لأهداف ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.. أهداف غير معلومة وتبنيها لمناصرة اتفاقيات عربية مشبوهة مثل اتفاقية القضاء علي التمييز العنصري التي حملت بعض النصوص التي تبدو وكأنها تحرص علي مصلحة المرأة والبعض الآخر يصطدم تماما مع الأسس والثوابت الإسلامية. وللأسف تدهورت الثقافات الإسلامية لدي الأفراد مما أعطي الغرب الفرصة للتدخل الصريح في شئوننا. فليتنا نستعيد من ذكري يوم عرفة الدروس الإسلامية التي جعلت العالم يتغني بالشهادتين من المحيط إلي الخليج. وعاش الناس في أمان دين الله. ودخلوه أفواجا. ولكن تغيرت أوضاعنا بسبب تجاهلنا للقيم والمباديء الدينية. وإذا لم نفد من درس يوم عرفة ونعلنه للعالمين فسوف تظل نظرة الغرب للإسلام علي أنه دين الاضطهاد الإنساني.