في ختام المؤتمر الأول لمركز الجمهورية لدراسات الإرهاب
الفقر والبطالة والفساد وخلل توزيع الدخل بيئة صديقة للإرهاب
المواجهة الشاملة لابد أن تكون بالقانون ومباديء حقوق الإنسان
عبدالمنعم فوزي - هشام عبدالحليم - نهي محمود - منال عامر- حمزة الحسيني - دينا جورج
اختتم المؤتمر الأول لمركز الجمهورية لدراسات مكافحة الإرهاب أعماله أمس حيث تتم مناقشة ابعاد الظاهرة وتحديد معالم القانون الجديد الذي يجري اعداده حاليا وحضر المؤتمر كوكبة من رجال القانون والسياسة والصحافة.
وأكد المؤتمر الذي دامت مناقشاته يومين وشهد جلسته الختامية محمد أبوالحديد رئيس مجلس إدارة دار التحرير للطبع والنشر أن الإرهاب هو الابن الشرعي لثقافة عدمية وهذه الثقافة الهدامة هي ثمرة التزواج بين الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية وعلي هذا فإن مواجهة الإرهاب بصورة جادة لاتتأتي فقط بالسياسات الأمنية وانما يجب ان تكون مواجهة شاملة تبدأ بالمواجهة الفكرية ومقارعة افكار الإرهابيين بأفكار التنوير والعقلانية ويجب التمسك بأنه لا حدود للحرية الفكرية.
أوضح المؤتمر أن مركب الفقر والفساد والبطالة والخلل الصارخ في توزيع الدخل القومي يوفر بيئة صديقة للارهاب ومناخاً مواتيا لاستنساخ الإرهابيين وتفريخهم بدون انقطاع فعلي الرغم من تحسن مؤشرات اداء الاقتصاد الكلي في السنوات الأخيرة وتراجع احصائيات العمليات الإرهابية بصورة كبيرة فإنه لايجب نسيان ان تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة يضع مصر في المركز 119 من بين 174 دولة بما يشكل جرس انذار للمجتمع المصري يحذرنا من الاستنامة إلي الهدوء الحالي الذي يمكن ان يكون هدوءاً خادعاً من ذلك النوع الذي يسبق العاصفة خاصة مع وجود حوالي 16.8 مليون نسمة في مصر لايحصلون علي الطعام الاساسي أو الحاجات الاساسية ويتزامن ذلك مع احباطات سياسية من اجراء الهجمة الأمريكية الإسرائيلية علي المنطقة وإمعان هذه الهجمة في إذلال العرب والمسلمين.
وأوصي المؤتمر بضرورة الاهتمام بزيادة معدلات التنمية الحريصة علي رفع مستوي المعيشة لجميع مستويات الهرم السكاني في ظل مناخ اقتصادي تتوازن فيه القيمة الاجتماعية مع الجدوي الاقتصادية الأمر الذي يستدعي التشديد علي المسئولية الاجتماعية ومحاربة الفساد ومكافحة تعارض المصالح الناجم عن الزواج غير الشرعي بين السلطة والثروة.
الدور السياسي
وأكد المؤتمر أن الحرب علي الإرهاب لا تكون فقط بالعنف الذي يضاعف العنف المضاد كما ان عدم قدرة المواطن علي التعبير عن ارائه بحرية أحد الاسباب لاتجاه البعض لقنوات غير شرعية يفضي احداها إلي أوكار الارهاب بالاضافة إلي عجز الدولة عن اداء وظائفها وما يوافق ذلك من فراغ ايديولوجي ربما يكون السبب في ان الإرهاب ديني بالاساس وتؤكد التجربة المصرية أن الدور السياسي لابد ان يسبق الدور الأمني ويرافقه ويضبط توجهاته ورغم نجاح التجربة المصرية في محاصرة الإرهاب باعلان أكبر الجماعات الإسلامية فساد رؤاها السابقة في تبني الإرهاب فإن اليقظة واجبة لأن الإرهاب الذي كان يتوطن مركزاً ارهابيا في افغانستان اصبح بفضل الانحراف الذي احدثته إدارة الرئيس الامريكي جورج بوش في حربها علي ماتسميه الإرهاب وغزوها الغاشم للعراق ويرسل تهديداته الي كل دول المنطقة وفي مقدمتها مصر.
وأوصي المؤتمر بضرورة عدم الخلط بين الإرهاب والمقاومة الوطنية المشروعة وهذا يضع علي عاتق حركات التحرر العربية مسئولية إحياء أدبيات الأمم المتحدة والقانون الدولي التي تؤيد مبدأ حق تقرير المصير وحق الكفاح المسلح للشعوب.
وعلي الصعيد التشريعي أوصي المؤتمر بضرورة تعزيز الثقة بالنظام القانوني وسيادة القانون لأنه بغير ذلك يكون الكفاح ضد الإرهاب ناقصاً وان المواجهة الشاملة للإرهاب لايمكن ان تكون بمنأي عن دولة القانون ومباديء حقوق الإنسان.
وفي الجلسة التي ادارها الدكتور فؤاد عبدالمنعم رياض استاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة والرئيس الفخري لجمعية القانون الدولي وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان أعرب عن اعتقاده بأن القانون بمختلف مشتملاته من الممكن ان يعالج الإرهاب لأن الإرهاب لن يعالج بالمواجهة أو النظر إليه كجريمة تعاقب ولكن من الضروري منع الجريمة في إطار القضاء علي هذه الظاهرة.
اشار الدكتور عبدالمنعم رياض إلي ان علاج الإرهاب بطريق ينافي حقوق الإنسان لن يجدي بل سيعمق من هذه الظاهرة وهذا ماثبت وفق تجارب التاريخ وان الحضارة هي أهم وسيلة للمواجهة.
أوضح انه من الضروري عدم الاقتداء بتشريعات لاتحترم حقوق الإنسان كالتشريع الأمريكي الذي يعتبر المسلم إرهابيا أو التشريعات التي تسلك أساليب ملتوية كالقضاء الانجليزي لانها تتنافي مع مباديء القانون.
وأي قانون لمواجهة الإرهاب لن يكفي إذا كانت الاسباب لاتزال موجودة ولاتعالج مع ضرورة وجود عدالة اجتماعية
وقدم اللواء صلاح الدين سليم تقارير الأمم المتحدة وما قاله الأمين العام السابق كوفي عنان بأن التنظيم الدولي حتي الآن لم يتفق علي نظم الأمن الجماعي بين أعضاء الأمم المتحدة.. وانه غير متفق بعد علي كيفية معالجة الإرهاب الدولي.. وليست هناك خطوات عملية تنفذ حالياً لاتباع استراتيجية منسقة لمواجهة الإرهاب الدولي وليس هناك عمل جاد لمكافحة احتمالات استخدام أسلحة الدمار الشامل في أعمال الإرهاب الدولي.
التنمية تواجه الإرهاب
وأكد الدكتور حسن كامل راتب ان الحرب علي الإرهاب لا تكون بالعنف الذي يتسبب في عنف مضاد ولابالضغط علي البيئات الحاضنة للإرهاب حتي لا يزيد اليأس داخلها مما يدفعهم لتصدير الموت والدمار لكل ما تصل أيديهم له.
وأكد ان أقوي أسلحة الحرب علي الإرهاب هو التنمية الحريصة علي رفع المستوي الاقتصادي والمعيشي.
وأضاف: ان الحرب علي الإرهاب تتطلب حركة تنوير ضخمة تعظم القيم الإيجابية وتعالج السلبيات التي تصدر لمجتمعاتنا العربية.
وأكد ان محاربة الإرهاب تنبع من العمل الجاد والتكافل الاجتماعي والتنمية الاقتصادية التي تمنح الأمل للشباب في غد مشرق.
وقال: ان التنمية قضية قومية قادرة علي دحر الإرهاب وان تاريخ مصر الحافل بالأزمات ومقاومة الطامعين غرس فينا الانتماء من خلال ارتباطنا بأهداف قومية واحدة ومع تغير النظام العالمي وانهيار الاتحاد السوفيتي وضغط اتفاقية التجارة علي الدول النامية لم نواكب هذا التغير وخمد الحماس وبدأنا نبحث قضايا التطرف والإرهاب ومشاكل الأقليات وخبا صوت البحث في أهداف التنمية.
ضوابط القانون
وقال الدكتور خيري الكباش رئيس محكمة استئناف الإسكندرية إنه قاض ورسالة القاضي تحتم عليه طبيعة القاضي في القول والفعل وتساءل عن ماهية القضية المعروضة للنقاش فقال هل هي المادة 179 وهذه المادة صدرت بالفعل أما ما هو مطروح الآن فهو إصدار قانون لمكافحة الإرهاب.
وأضاف نحن نريد أن نوجه رسالة محددة ومنضبطة تماما للمشرعين وكل بلد لابد أن يفعل قانونا لمكافحة الإرهاب أما نحن فيوجد لدينا بالفعل قانون وهو ما نريد أن يفعل قانون مكافحة الإرهاب الجديد علي أساسه وبالنسبة للمحكمة الدستورية فقد أوضح أنها عملاقة في مسألة الحريات وحمايتها وتستطيع أن تلتف بالفعل حول ظاهرة النص ودلالاته وتصل به لقلب المشرع وعلي الرغم من كل هذا هناك ضوء أخضر للمشرع لكي يعمل في هذا القانون بصورة لا تتعدي علي الحريات العامة والخاصة وأن هذا بالتقريب الواقع الموجود الآن لذلك لابد أن يكون الكلام منصبا علي هذا الواقع.
وقال إن من حسن الحظ أن مسئول اللجنة التي تعد مشروع القانون باسم الحكومة ومسئول السلطة التشريعية كانا في هذا المؤتمر وأعطيا ورقتي عمل غاية في الدقة والأهمية وأنه علي ثقة بأن المشرع لو التزم بهذه الأوراق فسوف يتم عمل قانون غاية في الدقة.
تحدث الدكتور الكباش عن القانون المقترح لمكافحة الإرهاب فأوضح أنه اختار عنوان "ضوابط المكافحة التشريعية للإرهاب في ضوء ما هو كائن وما يجب أن يكون" وبالنسبة لما هو كائن فهو معروف أما ما يجب أن يكون فيجب أن يقتبس من التشريع الإسلامي والدستور والاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر وأصبحت جزءا من النظام القانوني.
الإرهاب والحقوق
وأوضح حافظ أبوسعدة الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان أن مصر من أبرز الدول التي عاشت ولاتزال ذلك الجدال حول ضرورة مكافحة الإرهاب ومخاطره في نفس الوقت دفع التطور الديمقراطي وحقوق الإنسان الأساسية إلي أقصي المراحل المتواكبة مع المعايير الدولية وما يستحقه المواطن المصري علي أساس أن مصر من أوائل الدول التي عانت من الظاهرة في أعقاب اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات وتواصل أعمال العنف بها التي أودت بحياة الآلاف من الأبرياء وأضاف أن الحكومة سعت إلي مكافحة الإرهاب بسن قانون الطواريء الساري إلي الان وينتهي العمل به أواخر العام القادم بعد أن مد العمل به العام الماضي لمدة عامين لإعداد قانون للإرهاب وحتي لا يخلق حالة من الفراغ التشريعي مع مساعدة رجال الأمن في مواجهة عمليات إرهابية غير مسئولة وهو ما يتنافي مع الواقع حيث شهدت الساحة المصرية كل العمليات الإرهابية في ظل العمل بقانون الطواريء وأشار حافظ أبوسعدة إلي أن المجتمع الدولي أدرك خطورة الإرهاب واعتبرها ظاهرة معقدة لها أسبابها العميقة والتاريخية بما في ذلك الظلم الاجتماعي والتخلف والتعصب ومن هنا جاء تقرير لجنة الحكماء الذي طالب بضرورة وضع استراتيجية عالمية لمحاربة الإرهاب تعالج الأسباب الجذرية لها وتعزيز الحقوق الاجتماعية والسياسية وسيادة القانون والإصلاح الديمقراطي مع بذل جهود مكافحة التطرف والتعصب من خلال التثقيف وتعزيز المناقشة العامة.
عرض تاريخي
بدأ الدكتور محمد نور فرحات كلمته بالحديث حول مقدمة في تاريخ مصطلح الإرهاب قال إنه لا يوجد اتفاق علي معناه الدقيق حيث يختلف السياسيون والأكاديميون علي تعريفه.
وقدم عرضا لمصطلح الإرهاب وفي بداية القرن العشرين كان يعني الشخص الذي لا يلتزم بقوانين الحرب أثناء نشوب صراعات معينة.
وفي الأربعينيات استعمل تعبير الإرهاب لأول مرة من قبل سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين لدحض الحملة التي استهدفت مدنيين فلسطينيين بينما الانتشار الأوسع للكلمة ظهر في نهاية السبعينيات مع ظهور عمليات اختطاف الطائرات والسفن واحتجاز الرهائن.
وبعد أحداث سبتمبر 2001 حدثت تغييرات جذرية للكلمة وأصبحت مرادفة إلي حد كبير لأعمال العنف والقتل والتدمير التي يمارسها بعض الأصوليين المسلمين..وأوضح الدكتور فرحات أنه علي الرغم من الاهتمام الدولي بمكافحة الإرهاب فإن المجتمع الدولي لم يتوصل إلي تعريف واضح لمعني الإرهاب مما جعل أمر مكافحته يتم بإجراءات غير منضبطة.