لا أحد يستطيع أن ينكر أن لدينا فساداً وخاصة في الجهاز الإداري.. ينخر كالسوس.. يعرقل التنمية ويعطل مصالح الناس ويصد الاستثمارات.. ويتسبب بعد ذلك كله في البطالة والفقر.. ولا أري شيئاً أخطر علي المجتمعات والدول من الفساد الذي يتحول إلي نار تأكل الأخضر واليابس بدون وازع من دين ولا ضمير.
فالموظف مهما كان صغيراً يستطيع أن يعرقل لك أي مصلحة ويوقف المراكب السائرة ويعطل أي شيء مهما كانت أوراقه وافية وكاملة ولو بحجة أن أحد الأختام غير واضح أو أنه يشك في شكل توقيع علي هذه الأوراق.. بحجة أنه يحمي نفسه ولابد أن يكون كل شيء مضبوطاً مائة في المائة. ونفس الموظف يستطيع أن ينهي لك مهمتك خلال دقائق.. بدون النظر في هذه الأوراق اعتماداً علي أنها ليست مهمة ولا ضرورية.. ويمكن أن تتم مصلحتك حتي بدونها.
موظفونا دائماً عابسون كأنهم يعملون بالسخرة.. ويتعاملون مع الجماهير بتعالي واستكبار كأنهم يمنون عليهم.. وإذا تجرأت وشكوتهم لرؤسائهم.. فإنك تكون قد أعلنت الحرب.. وفتحت علي نفسك باب جهنم وتذهب مصلحتك إلي غير رجعة.
لا يخلو الأمر من كثير من المجاملات والوساطات وكروت التوصية التي تدخل في الحديد وتفتح الأبواب المغلقة وتنهي المهمة في الغرف المكيفة ولا عزاء للواقفين في الطوابير الطويلة.
النائب المحترم زكريا عزمي قال أصدق تعبير عن ذلك بأن "الفساد في المحليات للركب".. وجاء هذا الاسبوع تقرير الشفافية والنزاهة ليطالب بتشكيل لجنة وطنية لمكافحة الفساد.. وأوصي بألا تسقط الجرائم بالتقادم وأن تشدد العقوبات وأن تضاف عقوبات علي التصرفات السلبية أي أن يعاقب الشخص الذي لديه معلومات عن أي واقعة فساد ولا يبلغ عنها.
وفي الحقيقة لدينا في مصر حسب الإحصاءات الرسمية أكثر من سبع وعشرين جهة رسمية لمحاربة الفساد.. يمكن تعمل كل واحدة منها بمفردها وجهودها وطريقتها دون التنسيق مع الجهات الأخري.. فضاعت المهمة واستفحل الفساد وتحول إلي غول لا يستطيع أحد أن يقف أمامه أو يواجهه إلي تشريعات وعقوبات مشددة وجهود كبيرة من الجهات الرسمية.. وأيضا بمشاركة المواطنين أنفسهم وهذا الدور مهم للغاية بل والأساس في المكافحة.. ولكن المواطنين بحاجة إلي دعم من الجهات الرسمية بتسهيل تلقي بلاغاتهم واحترام إنسانيتهم وعدم إدخالهم أطرافاً في القضايا حتي كشهود.
لقد آن الأوان لأن نبدأ.
|