وسط أسرة ارستقراطية نشأت "هبة" إلا أنها كانت تفتقد لكثير من الحنان والاستقرار منذ انفصال والديها وسفر الأم للولايات المتحدة الأمريكية عقب زواجها من أحد رجال الأعمال المقيمين هناك وزواج الأب من أخري أنجبت ثلاثة من الأولاد.. لا تشعر بدفء الأسرة الواحدة فالجميع كان يعاملها باعتبارها كائناً غريباً يقضي فترة معهم وسيأتي الوقت الذي سيغادر فيه لا محالة لذا فإنها كانت أكثر تشوقاً لهذه الهجرة لتنجو من هذا الإحساس المرير الذي كان يعتريها بين جدران حجرتها في وحدتها الموحشة.
عالم الجامعة كان غريباً علي هبة بكل المقاييس فوقت أن كانت طالبة في مدرسة الليسية لم يكن لها صديقات غير مروة التي كانت تقيم معها في نفس العمارة التي تقطن بها وكانت صداقتهما قاصرة علي الدراسة فقط أما في الجامعة فهناك المئات يتحدثون معاً الجميع يصادق بعضهم البعض ويخرجون في مجموعات لذا وجدت نفسها مجبرة علي التواجد معهم تتصرف كما يتصرفون فكانت مثل العصفور الصغير الذي يريد أن ينبت ريشه سريعاً ليحلق بعيداً عن العش الذي نشأ فيه.
ووسط هذه الأجواء المتشابكة لم يجد عادل صعوبة في الاقتراب من الفتاة والتودد لها حتي باتت تحضر للكلية من أجل لقائه فقط فقد كانت تتوق لمثل هذا الاهتمام الذي منحه لها الأمر الذي تحول فيما بعد لحب شديد عوضها عن كل ما فاتها فجعلها تنسي آلام الوحدة الماضية.
كانت هبة بالنسبة لعادل فرصة عظيمة تمني الارتباط بها فقد كانت الفوارق الاجتماعية بينهما كبيرة لدرجة جعلته يظن أنها مجرد حلم صعب المنال في ظل المنصب الذي يعمل فيه والدها لذا كان الرفض أمراً متوقعاً عندما تقدم لطلب يدها لكن الفتاة خرجت عن صمتها لأول مرة في حياتها فانفجرت في والدها تتهمه بعدم المبالاة بمشاعرها منذ انفصاله عن والدتها وعدم الاهتمام إلا بزوجته وأبنائه منها دون الالتفات لمشاعرها والسؤال عن أحوالها واكتفي بما تنقله زوجته عنها والتزم الصمت حيال كافة مشاكلها فبأي حق بعد كل هذا يتحكم في حياتها ويرفض الإنسان الوحيد الذي منحها مشاعر حقيقية ويمنعها من الارتباط به؟!
لحظات من الذهول امتزجت بالصدمة عاشها الأب بعد سماع كلمات ابنته التي لم يكن يتوقع أن يأتي يوم ويسمع منها كل هذا الهجوم لكن من المؤكد أنه شعر بذنب جعله يرضخ لطلبها فوافق علي زواجها من هذا الشاب رغم يقينه بالفشل المسبق لهذه الزيجة.
تزوجت هبة من عادل في شقة متواضعة استأجرها لها وتكفل والدها بتأثيثها ولم يمض أكثر من عشرة أشهر حتي رزقا بطفل إلا أن الحال تبدل وأصبح الزوج عاجزاً عن الوفاء بمتطلبات زوجته وابنه وازدادت العلاقة سوءاً بينهما خاصة في ظل الخلافات المستمرة بين هبة ووالدة زوجها واتهامها المستمر لها بانها دلوعة ويجب إعادة تنشئتها من جديد لتحمل مسئولية منزلها.
أصبحت هبة تعيش في جحيم وتطور الأمر لاعتداء زوجها المستمر عليها فتحول لوحش كاسر مختلف عن الشخص الذي عرفته وتحدت الجميع من أجله الآن ظهر علي حقيقته عندما طالبها بضرورة الذهاب لوالدها لإلزامه بالانفاق عليها.. هنا شعرت أن الحياة عادت لتوصد أبوابها من جديد في وجهها ورغم احساسها بالانكسار والهزيمة إلا أنها اضطرت مجبرة لحمل صغيرها الذي لم يتجاوز شهره الثالث بعد لتعود لمنزل والدها وسط نظرات الشماتة من جميع المحيطين بها خاصة زوجة الأب التي شعرت بالانتصار عليها بعد الثورة التي أعلنتها علي الجميع.
ورغم صعوبة القرار توجهت هبة لمحكمة الأسرة لطلب الطلاق من عادل بعد أن أيقنت أن الحياة معه أصبحت مستحيلة فكانت المفاجأة بمساومتها علي إتمام الطلاق مقابل التنازل عن كافة حقوقها لتدرك بأنه لم يعد هناك ملاذ للخروج من سجنها الذي دخلته مجبرة ضحية لظروف أسرية.. وتترك الأمر للمحكمة لتقول كلمتها.. لكنها عندما تجلس بينها وبين نفسها تتأكد أنها خاسرة في كل الأحوال.. فلو تحملت هذا الوضع.. فإنها ستعيش في جحيم مع زوج مخادع يريد أن يعيش علي حساب الآخرين وإذا طلقتها المحكمة فإنها ستحمل لقب "مطلقة" وتتحمل مسئولية طفلها الصغير.. ولن تنجو في كل الأحوال من شماتة زوجة الأب وعتاب والدها أو علي الأقل نظراته المحرجة.. لكن لم يكن أمامها إلا هذا الهبوط الاضطراري.
|