كانت الفاجعة أكبر من أن تصدق.. خرج الجيران صباحاً إلي أعمالهم وفوجئوا بجارهم العجوز الذي تخطي الستين من عمره ملقي علي الأرض غارقاً وسط بركة من الدماء محطم الرأس وقد فارق الحياة.
المنطقة في أقصي الصعيد وعرف أهلها بالثأر ولكن العجوز الطيب ليس له خلاف مع أحد فما هو السر؟
ضرب الجميع كفاً علي كف واحتارت عقولهم وهم يحاولون الوصول إلي الحقيقة دون جدوي.. الرجل تفرغ للمسجد بعدما خرج مؤخراً علي المعاش يؤم المصلين في الصلاة ويصالح بين المتخاصمين ويحاول القضاء علي الخلافات بين الأهل والأصدقاء قبل أن تصبح نارها سعيرا.. الرجل صاحب أفضال علي الجميع لا ينكرها أحد.. فمن فعل به ما لا يستحقه؟.. أسئلة دارت كلها في عقول الأهل والجيران بالمنطقة تحاول سبر أغوار الجريمة قبل أن تمتلئ المنطقة بأجهزة الأمن للمعاينة وكشف غموض الحادث.
أبدي الجميع استعداده للتعاون في كشف اللغز وبدأت التحريات والاستجوابات والقبض علي بعض الأشخاص ثم الافراج عنهم بعد التأكد من عدم وجود أي علاقة لهم بالجريمة.. دب اليأس في أعضاء الفريق الأمني الباحث عن الحقيقة في بحر متلاطم الأمواج يغرق فيه أمهر السباحين.
بدأت المعلومات تكشف عن خلافات كبيرة بين الرجل وأحد أبنائه.. تبين أن الرجل عاش في كفاح مرير في تربية أبنائه إلي أن خرج علي المعاش.. حاول أن يعلمهم وأن يكفيهم احتياجاتهم بمرتبه الضعيف.. استطاع الأبناء الحصول علي مؤهلات مختلفة.. الجامعي والمتوسط وفوق المتوسط ما عدا واحد فشل في التعليم.
حاول الرجل العجوز الحصول لأبنائه علي عمل ولكن البطالة "المرة" كانت تقف حائلاً بينه والوصول إلي هدفه.. بدأ الأبناء يشقون طريقهم كل علي طريقته يعملون في مجالات فنية مختلفة لا علاقة لها بما حصلوا عليه من مؤهلات.
اكتسب أحدهم صنعة وبدأ الاعتماد علي نفسه وكذلك بقية الأبناء وفضلوا العمل في أي شيء بدلاً من انتظار الوظيفة التي لم تأت رغم المحاولات المضنية لأبيهم المغلوب علي أمره.
منهم من سافر إلي القاهرة ومنهم من اكتفي بالعمل في محافظته كعامل بناء.
ولكن الابن الأخير لم يستطع الحصول علي أي مؤهل ولم يبحث عن عمل وبدأ يثير المشاكل.. زادت مصاريفه بمرور الأيام وبدأ يبتز أباه واخوته بطلباته التي لم تنته وأخذوا يضيقون به ذرعاً والأب يحاول دائماً لملمة المشاكل في محاولة لرد الابن الضال إلي عقله دون جدوي.
مشاكل الابن خرجت من المنزل إلي أن وصلت مسامع أحد زملاء الرجل العجوز بالمصلحة التي كان يعمل بها فوعده بالحصول لابنه الضال عن عمل ربما يعود إلي رشده ويريح اخوته ويجد وسيلة لانشغاله بعيداً عن أصدقاء السوء.. تنفس العجوز الصعداء عندما بشره زميله بالحصول لابنه علي عمل وفرح البيت كله بعدما تخيل الجميع أن مشاكلهم كلها قد انتهت وأن الابن الشقي قد انشغل عنهم وأن مطالبه قد انتهت بحصوله علي الوظيفة التي لم يستطيعوا الحصول عليها رغم مؤهلاتهم.
التحق الابن بعمله وما هي إلا أيام قليلة حتي بدأ يتغيب فيشعر الأب أن ابنه في خطر وأن فصله بات علي الأبواب خاصة وأن زملاء الأب يتصلون به ليخبروه بخطورة ما يفعله ابنه علي مستقبله وأنهم غير مستعدين لتحمل تصرفاته.
المشاكل زادت بدلاً من أن تختفي وتحولت إلي مشادات يومية بين الابن وأبيه واخوته وفضل الابن الشارع علي العمل حتي تم فصله.
أخذ اخوته يضيقون به وامتنعوا عن إعطائه أي نقود وفشلت محاولات الأب لالحاقه بالعمل مرة أخري وبدأت المشادات تتحول إلي تطاول من الابن علي أبيه وخشي الأب أن يتحول البيت إلي قنبلة تنفجر في وجه الجميع.. لأن بقية أبنائه لن يرضوا بتعدي الابن علي أبيهم وقد يفلت الأمر من يده فيتشاجر الأبناء مع أخيهم ويحدث ما لا يحمد عقباه ويجني الأب الحصاد المر في النهاية.
كان الحصاد المر الهاجس الذي طارد العجوز ليل نهار وعرف أن النهاية الحتمية لهذا الحصاد لا شك آتية وسط مشاكل الابن التي تزداد وضيق بقية اخوته به وتطاوله عليه فوصل إلي الحل الضروري وهو طرده من المنزل.
شعر الابن الضال بالإهانة وبدأ الشيطان يلعب برأسه فانتظر الأب علي باب المنزل فجراً يترقبه وهو خارج إلي الصلاة.. وما إن خرج العجوز مطمئناً في يده اليمني سبحته فانهال عليه الشقي بشومة علي رأسه وسقط غارقاً في دمائه بينما لاذ القاتل بالفرار ثم عاد إلي منطقة الحادث متظاهراً بالبكاء علي جثة أبيه.. وتم ضبطه واعترف بالجريمة وأحيل إلي المحاكمة لينال عقابه بالإعدام شنقاً ليرتاح اخوته إلي الأبد.
|